عن : الحياة
مع توسع الاتحاد الأوروبي وضمه عدداً من الديموقراطيات التي خرجت من الشيوعية، بدا أن حلم «العودة إلى أوروبا»، غداة تداعي جدار برلين في 1989، قيد التحقيق. فبلدان الاتحاد أقرت، في 2005، معاهدة دستورية جديدة. والوحدة النقدية التي ولدت عملة اليورو، في إجراء غير مسبوق، تخطو خطوات لا تنكر على رغم التشكيك العميق في الإجراء. وأجاز فضاء شينغن الانتقال في أرجاء القارة من غير مراقبة على الحدود. فكأن قصراً مهجوراً وموصد النوافذ شرِّع على أشعة الشمس، وملأ النور مدريد وفرصوفيا وأثينا ولشبونة ودبلن. وبدا أن أطراف أوروبا لحقت بقلبها التاريخي، ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وشمال إيطاليا. واستقبل الشبان الأسبان واليونانيون والبولنديون والبرتغاليون الغد الأوروبي، الموعود متفائلين ومطمئنين إلى وعوده. وبريطانيا المشككة، في عهد توني بلير، لم يحل تشكيكها بينها وبين إبدائها حماسة لأفقها الأوروبي. وحين شاهدت المتظاهرين الأوكرانيين المسالمين يلوحون بالأعلام الزرق وفي وسطها النجوم الصفر، وسعني أن أنشد في سري «نشيد الفرح» لبيتهوفن.
أما اليوم، في 2017، فحيثما وقعت عيني لم ترَ إلا معالم الأزمة والانهيار: فمنطقة اليورو تتعثر على نحو مزمن، وأثينا المنيرة تئن تحت وطأة البؤس، وشبان إسبان من حملة الدكتوراه يعملون خدم مقاهٍ في لندن أو برلين، وأولاد أصدقائي البرتغاليين يبحثون عن وظيفة في البرازيل وأنغولا. وأطراف أوروبا تدير الظهر يوماً بعد يوم لوسطها. والدستور الأوروبي طوي بعد أن اقترعت فرنسا وهولندا على رفضه. وحرية الانتقال الرائعة التي وسع بموجبها الشبان البولنديين ومواطني أوروبا الوسطى والشرقية السفر من غير قيد ساهمت مساهمة راجحة في اقتراع بلدي، المملكة المتحدة (بريطانيا) بالخروج من الاتحاد الأوروبي. ومع البريكزيت يلوح احتمال تجريدي من مواطنتي الأوروبية، 30 عاماً بعد 1989.
فكتور أوربان الذي كان في 1989 شاباً ليبرالياً انقلب قومياً- شعبوياً، يقود المجر، اليوم، إلى حكم متسلط، ويمدح من غير تحفظ نموذج بوتين الروسي و «اللاليبرالي»، ونموذج شي جينبينغ الصيني، قرينه وشبيهه. والمراقبة على الحدود داخل فضاء شينغن استؤنفت (موقتاً) رداً على تدفق اللاجئين من سورية والعراق وأفغانستان، حيث لم تتعدَّ سياساتنا مستوى اللغو الثرثار والفارغ. وأفضى التداعي بثورة أوكرانيا البرتقالية إلى ضم روسيا القرم بالقوة العسكرية، والى انفجار نزاع عنيف بشرق أوكرانيا. وتبعث هذه الحوادث طيف 1939 فوق تذكيرها بـ1989.
وصورّت أحوال أوروبا للمؤرخين المعاصرين انعطاف تاريخ أوروبا، في 1989، نحو حقبة منقطعة من الماضي القريب. فرأى مارك مازووير (قارة الظلمات، 1998) وطوني جودْ (ما بعد الحرب، 2005)، أن القرن الواحد والعشرين قد يكون «أوروبياً» مرة أخرى، ومدد جودْ ما بعد الحرب إلى 2005، وليس إلى 1989 أو 1991، على ما أرى. فهل نحن اليوم في «ما بعد الجدار» (برلين، بديهة) أم أن الحقبة هذه انتهت في وقت ما بين 2005 واليوم (2017)؟ والأرجح أن أزمة 2008- 2009 المالية كانت فاتحة حقبة جديدة، وشهدت هذه 3 أزمات كبرى: أزمة الرأسمالية، وأزمة الديموقراطية، وأزمة التوحيد الأوروبي.
ويرى أحد أبرز المعلقين الألمان، فيليب ذير، في كتابه «النظام الجديد في القارة القديمة: تاريخ أوروبا النيوليبرالية» (ونقل إلى الإنكليزية موسوماً بـ: «أوروبا منذ 1989. تاريخها»، برينستون يونيفرستي برس، 2016) أن «القطار النيو ليبرالي» وضع على السكة في بريطانيا مارغريت تاتشر وأميركا رونالد ريغن، وبدأ يجتاز أوروبا في 1989. ويقول ذير أنه يستعمل مفهوم النيوليبرالية استعمالاً اجتماعياً وسياسياً محايداً. ولكنه لا يبدو محايداً حين يحصي أركان النيوليبرالية: الإيمان «الأعمى» بالسوق وتحكيمها في معظم العلاقات الإنسانية المتبادلة، وثقة «غير عقلانية» في عقلانية أطراف السوق، و»ازدراء» الدولة «الضخمة» على الدوام، إعمال أحكام إجماع واشنطن الاقتصادية «من غير تبصر». ويذهب إلى أن مبادئ النيوليبرالية التي أعملت في شرق أوروبا كانت اللبرلة، والتحرر من قواعد المراقبة والضبط، والخصخصة (أو التخصيص)، والى أن مفاعيل هذه الإجراءات دمرت التماسك الاجتماعي وساهمت في تعاظم التفاوت بين العوائد والخدمات الاجتماعية.
وهذا النقد يستدعي بعض التحفظ. وفيليب ذير يقر حذراً بأن ثمة ما هو أسوأ من فرض تحول نيوليبرالي على اقتصاد، هو الإحجام عن فرض مثل هذا التحول. وهي حال أوكرانيا وروسيا ورومانيا، على سبيل المثل. ففي 1989 كان الناتج المحلي الاجمالي للفرد ببولندا يساوي نظيره الأوكراني. وفي اعقاب ربع قرن بلغ الأول 3 أضعاف الثاني. وكان الناتج للفرد البولندي يساوي، في 1991، 10 في المئة من نظيره في ألمانيا الموحدة، وبعد 20 سنة بلغ 53 في المئة منه. ولا يخلو استعمال فيليب ذير صفة «النيوليبرالي» من بُعد إيديولوجي لا يخلو من الإفراط. فإن كان لا شك في حقيقة وجود «تاتشريين» في شرق أوروبا، مثل فاتسلاف كلاوس، صاحب الإصلاحات الاقتصادية في الجمهورية التشيخية، فإن وجود مثل هؤلاء ليس مرادف حركة أيديولوجية جماهيرية، على شاكلة الشيوعية أو الفاشية في عقدي 1920 و1930 وراء قيادات تعتنق معتقدها اعتناقاً محموماً.
ومعظم الذين انتهجوا سياسة نيوليبرالية بعد 1989 اضطرتهم البراغماتية العملية والتجريبية إلى هذا النهج أو اضطرهم الافتقار إلى بديل مرضٍ. فهي حال أول رئيس حكومة بولندي خلفت النظام الشيوعي المتداعي، تادويز مازوفييتشكي، وهو أقرب إلى المسيحية الاجتماعية منه إلى النيوليبرالية المذهبية. وأذكر أن برونيسلاف جيريميك، وهو أحد وجوه حركة «سوليدارنوسك» (التضامن) وتولى وزارة خارجية بولندا، شرح قبوله بـ «علاج الصدمة» بواسطة استعارة: الاقتصاد الموجه والمؤمم يشبه ملجأ ضخماً من الإسمنت المسلح، ويقتضي تدميره الاستعانة ببولدوزير كبير. وخلص جيريميك إلى القول: كنا نود لو أننا خلصنا إلى صغية اشتراكية – ديموقراطية واسكندينافية من الرأسمالية على أنقاض السرداب الشيوعي واسمنته المسلح.
ويقودني هذا إلى ملاحظتي الأخيرة. فسخرية فيليب ذير من جملة تاتشر المشهورة: «ليس ثمة حل آخر» لا طائل منها، ولا تجيب عن السؤال: ما هي «الخطة باء» (أي الحل الآخر)؟ ما السبيل إلى انشاء اقتصاد سوق؟ وقد لا يكون من مسؤولية المؤرخين أو تبعاتهم التحري عن احتمالات تأريخية لم يقيض لها التحقيق، ولكن اضطلاعهم بمثل هذه المهمات يثري من غير شك معالجتهم.
وعليّ الإقرار بأن الكاتب يطرح مسألة ذات شأن. فالحق يقال إن النخب الإصلاحية المتحدرة من حركة الانشقاق (عن الأنظمة الشيوعية الحاكمة)، وخصوصاً الشخصيات القادمة من اليسار الديموقراطي أفرطت في تأييدها أفكار التحول إلى (نيو) ليبرالية اقتصادية راديكالية. ويمثل ذير على رأيه بالمنشق البولندي سابقاً ياتشيك كورون. وكان في وسعه إضافة التذكير بأن كورون ندم أشد الندم على مساندته، يوم كان وزيراً في حكومة مازوفييتشكي، ليبرالية اقتصادية ترتبت عليها نتائج فادحة على عمالٍ كانوا، من قبل، ركن حركة «التضامن». وعلق آدم ميشنيك على الأمر بقوله: «قلبي يميل إلى اليسار ولكن محفظتي تميل إلى اليمين».
ولا ريب في أنه كان في مستطاع انتلجنسيا بولندا المدينية والليبرالية أن تفعل ما يخفف أعباء انتقال عمال القطاع العام إلى العمل في الشركات الجديدة، وانتهاج سياسة اجتماعية أقل إجحافاً حين كانت الموازنة تتيح ذلك. والزعم أن قلوب هؤلاء تميل إلى اليسار لم يكن ظاهراً لملايين من البولنديين في الأرياف الفقيرة الذين حولتهم الليبرالية سكاناً من الدرجة الثانية. وينبغي الإشارة إلى أن هؤلاء السكان كانوا بعيدين من قبول أحكام ليبرالية في قضايا اجتماعية مثل الإجهاض والمساواة بين الجنسين والمثلية، طرحها عليهم الانفتاح على أوروبا الغربية، وهم (السكان) نواة الناخبين الذين مكنوا شعبويي حزب الحق والعدالة من استمالة الغالبية المطلقة في 2015 من طريق شبك إيديولوجية كاثوليكية بإيديولوجية حقوقية. وخلاصة القول إن مفاعيل الليبرالية الاقتصادية والاجتماعية تتهدد الليبرالية السياسية بالزوال.
ويغفل فيليب ذير عيوب بنيان منطقة اليورو ونقائض المقترحات التي تقترحها البلدان الدائنة الأوروبية، وألمانيا خصوصاً، على البلدان المَدينة. وعيوب البنيان ونقائض المقترحات هي ما يتناوله كتاب آخرون: كلاوس أوفه وهانس فيرنرسين وجوزيف ستيغليتز وفرنسوا هايسبيرغ، متفرقو المشارب الايديولوجية والبلدان. ويجمع هؤلاء على أن الشكل الحالي لمنطقة اليورو ينطوي على عيب كبير: عملة موحدة من غير وزارة مالية مشتركة، وتتداول العملة 19 اقتصاداً شديدة التفاوت فيما بينها. وهذه العملة التي قصد بها إلى تعزيز الوحدة الأوروبية «لا تناسب أحداً» (على قول «ذي إيكونوميست» في 11/6/2009) ولا تفعل غير تقسيم أوروبا. وهي أحيت ضغينة حادة بين اليونان وألمانيا، وأشاعت الكراهية في جنوب القارة. والاستمرار على السياسة الراهنة لن يؤدي إلا إلى بقاء جنوب أوروبا أعواماً بعد في منطقة اليورو، مع نمو ضعيف وبطالة عالية ويأس مقيم.
وبعض الأحزاب الأوروبية، مثل حزب البديل الألماني، نشأ أولاً على صورة حزب مناهض لليورو، ثم جمع إلى مناهضة اليورو مناهضة المهاجرين، واستقطب الأنصار في 2016 غداة أزمة استقبالهم. وهذه أزمة واحدة من أزمات: البريكزيت وأوكرانيا وتهديد روسيا بوتين الديموقراطية والأمن الأوروبيين والإرهاب والسكان والخوف من المستقبل والعمالة الموقتة والهشة والحركات الشعبوية… وهذه كلها أعراض سياسات قد لا تصح تسميتها بـ «ديموقراطية لا ليبرالية» لأن هذه التسمية توهم بجواز ديموقراطية تسعى في تحطيم أركان الديموقراطية: حماية الأقليات واستقلال القضاء، وكثرة تيارات الرأي في الإعلام، وحيوية المجتمع المدني، أي «منظومة السلطات المضادة». ويحصل هذا كله وغيره مثله من غير إرساء ديكتاتورية. وينبغي على الليبراليين المعتدلين، انصار الحرية، أن يفهموا ما أدى، من الليبرالية الاقتصادية والاجتماعية في حقبة ما بعد الجدار ومن التغيرات التكنولوجية، إلى قبول جمهور عريض بالشعبوية ونخرها أسس الليبرالية السياسية.
* مؤرخ بريطاني، عن «ذا نيويورك ريفيو اوف بوكس» الأميركية، 19/1/2017، إعداد م. ن.

Social Links: