جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 13 ــ

جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 13 ــ

 

صورة شخصية للدكتاتور والجلادين

أدولف هتلر

يمثل هتلر نمطا خالصاً للشخصية الدكتاتورية. لقد تشابكت سماته الشخصية، النرجسية، الارادية المطلقة، الميل الاستعراضي، القسوة المطلقة، مع سمات النظام النازي الألماني حتى ان كثيراً من متابعي سيرته، يتساءلون فيما بعد، إذا كانت ألمانية النازية نتاجاً لهتلر أم انه نتاج لها؟

ان وصف (فرويد) لشيخ القبيلة: “مستقل، نرجسي، مرجع للآخرين ولا يحتاج لمرجع. متسلط، ومتضامن مع قوته الذاتية”… هذا الوصف ينطبق الى حد بعيد على هتلر الذي أصبح فيما بعد مقياساً للشخصية الدكتاتورية. قال عنه (ألبرت سبير) صديقه الحميم ووزير صناعته: “منذ ان كان صبياً يرسم البطاقات ويبيعها للسواح الى ان أصبح الفوهرر، ما أحب هتلر أحداً غير نفسه” (ألبرت سبير في كتابه “علاقات شخصية”) ان نزعته الارادية جعلته لا يسمع غير أفكاره ورغباته التي تبدو أكثر ثباتا من الواقع الموضوعي.

في صباه كان يقضي ساعات طويلة امام المرآة ليمارس تمارين خطابية. وفي كتابه (كفاحي) يقول:” كنت محبا للخطابة، راغباً ان أرى اصدقائي يصغون لي وأنا اراقب تأثرهم بي”. وبعد ان أصبح زعيماً لألمانيا النازية، طبع له وزير اعلامه (غوبلز) أسطوانة تضم مجموعة من خطبه “متشوقاً جاء يسمع الأسطوانة. ألقى نفسه على الكرسي وراح يستمع لصوته بتلذذ عميق مثل الشاب اليوناني (نرسيس) الذي كان يتأمل جماله في بركة الماء” هكذا وصفه صديقه الجنرال (هافن شتاغل). وكان هتلر يعقب على سماعه للأسطوانة مبدياً اعجابه بأفكاره وأسلوب تعبيره.

وفي مخططاته الاعمارية أراد هتلر ان يكون قصره في برلين أكبر 150 مرة من أي قصر آخر. وكثيرون من يقارنون بين شخصية هتلر وموسوليني “أيهما تعلم من الآخر”. فقد كان (موسوليني) أكثر حرية في التعبير عن حبه لنفسه. ذات مرة وجدت أكاديمية الفنون الايطالية صعوبة في اختيار هدية يقدمها موسوليني لمارشال الرايخ (غورنغ) بمناسبة عيد ميلاده الخمسين. وبعد ان عرضوا عليه أعمال عديدة فاجأهم موسوليني بهدية اختارها بنفسه: صورة موسوليني الخاصة بريشة (ماسيني)!

وكانت أجمل ساعات موسوليني هي تلك التي يقضيها في بيته المطل على الريف لأن جدران هذا البيت القلعة تحولت الى متحف لصور موسوليني الشخصية: ها هو يفوز هنا في سباق سباحة، ها هو يقود طيارة، يداعب نمره، يحمل الطوب وهو عاري الصدر، يحصد مع الفلاحين. وكانت أحب اللوحات لموسوليني هي صورته الشخصية المرسومة على الحرير والتي أهداها له امبراطور اليابان. وكان يردد دائماً مقولته: “أساليب الحروب العنيفة هي الأكثر إنسانية لأنها تعجل في وضع حد للحرب”.

لقد ازداد نزوع هتلر الى الخراب الشامل كلما أصبح النصر أكثر بعداً. فكل خطوة نحو الهزيمة كان يجللها بمزيد من القرابين البشرية. وفي النهاية أصبح على الألمان ان يدمروا أنفسهم: ” إذا لم يكونوا جديرين بالتفوق”، كما صرح في كانون الثاني 1943. وعندما أصبح تجنب الهزيمة مستحيلاً أصدر أوامره بتخريب المانيا نفسها. وقد عدد (سبير) كل ما أمر هتلر بتميره وحرقه إذا دخل السوفييت برلين: سجلات الأرصدة المالية، مخازن الطعام وخزانات الماء، سجلات البطاقات العرقية وسجلات الزواج، التماثيل والقصور والكنائس والمسارح. وأمر بفتح المياه على الأنفاق لقتل الملايين التي هربت من القصف الجوي الى الملاجئ. وعندما أصبح السوفييت على أعتاب معقله أخذ هتلر كلبه الخاص وعشيقته (ايفا براون) لتنتحر معه، لأن ذلك يشكل بالنسبة له الاثبات الوحيد على مدى اخلاصها له. وقد امر (غوبلز) وزوجته بأن ينتحرا معه على طريقة الفروسية البروسية. لم يشأ هتلر ان يموت وحيداً، انما أخذ معه أقرب الناس اليه، بل أراد ان يأخذ معه المانيا والعالم كله إذا كان ذلك ممكناً ” فالخراب الشامل يشكل عنده الخلفية النموذجية والديكور المناسب للخراب الذاتي” كما يقول (ايريك فروم) في كتابه (تشريح النزعة التدميرية عند الانسان).
لم يطلب هتلر من المسؤولين القريبين الا الإذعان وحده كمقياس للأخلاق، وازاح كل من عارضه او وازاه. وقد عين في البداية صديقه الجنرال (غورنغ) قائداً لأهم الأجهزة بالنسبة لهتلر وهو جهاز (الأس أس) ولكنه تهجس من قوة شخصية (غورنغ) لأنه يجر خلفه تاريخاً عسكرياً وسياسياً يفوق هتلر، كما ان لديه طموحات غير مطمئنة، فوضع هتلر في محل (غورنغ) صديقه (هملر) لأنه يتميز بالإذعان الشديد ولأن هملر يجسد الصورة المطلوبة لعلاقة الجلاد بالحاكم المقرر.

هاينريش هملر

كما يقول (أريك فروم) يجسد (هملر) الصورة النموذجية للشخصية السادو-مازوخية. اذ كان ايمانه بهتلر مطلقاً، وليست لديه طموحات بعيدة مثل (غورنغ)، وأقصى ما كان يحلم به ان يكون أداة طيعة بيد الفوهرر. كما يلاحظ (ايكر هارت) كما ورد في كتاب (هملر ايديولوجياً) ان طبيعة هملر المذعنة لا تصدر عن الخوف وحده، فقد كان قبل ذلك شديد الطاعة لوالديه ولمعلميه وفيما بعد لمرؤوسيه في الجيش والحزب، من جورج شتراوس الى هتلر، ووفرت له السلطة المركزية الصارمة إمكانية كبيرة للاذعان فأصبح خائفاً على السلطة وليس خائفاً منها، “كان يتوقف امامها بإعجاب كلما صادفته وهو يدخل قصره “. النزعة الاستعراضية والتظاهر بالمعرفة ميزة لصيقة بالشخصيات الدكتاتورية. وكلاهما كان شغوفاً باستعراض الجماهير والطوابير العسكرية التي تأتي لتحيته، وكلاهما كان يحيط نفسه بطقوس وعادات وعلامات فارقة… وقفة موسوليني المنتصب وساقيه المنفرجتين وقبضة اليدين مشدودتين على الخاصرة، ثم هناك خصلة الشعر الشاردة والشارب القصير عن هتلر، وكلاهما كانا يخرجان الأفلام التي تظهر فيها شخصيتهما.

هتلر أراد التشبه بالنبيل العسكري البروسي الذي يجمع الصلافة والحذق والادعاء بالمعرفة مع الشرف والاستقرار الذاتي. بينما أراد موسوليني تجسيد الشخصية الشعبية الايطالية التي تحصد الزرع وترقص مع الفلاحين وتصهر الفولاذ مع العمال وتتنطح بالمعرفة على منصة المحاضرات في الجامعة.

هتلر وموسوليني يتظاهران بوفرة المعارف والاطلاع على كل شيء. في تصريحاته يدعي هتلر انه يقرأ كتاباً جدياً كل ليلة وانه بدأ قراءة تاريخ العالم والحضارات منذ الثانية والعشرين من عمره. ولكن أقرب أصدقائه يؤكدون في مذكراتهم بأن الفترة الوحيدة التي قرأ فيها هتلر هي فترة ما بعد الحرب حيث كان يصطحب معه مذكرات (شوبنهاور) و (تشمبرلين). وفي كتابه (كفاحي) يحاول هتلر ان يتحدث عن كل شيء… المسرح، السينما، الهندسة، الجغرافية، الزواج، التناسل، الشذوذ الجنسي، ويكرس عشر صفحات للحديث عن مرض الزهري. ولكن المحللين يكشفون ان الكتاب لا يتجاوز كونه وثيقة إعلامية منتقاة من أفكار (جوبينو)، (نيتشه)، (شبينغلر) و (لوثر).

موسوليني لم يكن اقل من هتلر ادعاء بالمعرفة، فقد استعى الكاتب الألماني (اميل لودفيك) ليقيم معه سلسلة لقاءات صدرت عام 1932 تحت عنوان (موسوليني قال لي) وقد أراد الكتاب تقديم موسوليني كداهية، وامتدح موسوليني تضلع نيتشه باللاتينية، رغم ان موسوليني يجهل اللاتينية تماماً. العديد من الصحف الفاشية كتبت عن مغزى رفض موسوليني الحصول على أوسمة مثل (وشاح انونزيا، وشهادة فخرية في القانون من جامعة روما) ولكن وزير خارجيته أكد فيما بعد ان كل هذه المسرحيات معدة مسبقاً لإبراز موسوليني كمثقف زاهد.

القسوة الراديكالية ميزت الديكتاتوريين، وقد جرى اعتمادها كفلسفة في الحكم. موسوليني أرسل فرق الاغتيال لمطاردة خصومه في الخارج (مقتل الشقيقين كارلو و نيللو روسيللي) وأرسل جماعته لإحراق النقابات والنوادي الاجتماعية الشيوعية بمن فيها. اما هتلر فقد تميز بحبه الشديد لمشاهدة الدمار الشامل: يشدّ قبضته ويخبط في الهواء فرحاً كلما عرض عليه فيلم عن دمار مدينة. قبل الهجوم على النروج عرضت كل دور السينما فيلماً وثائقياً عن عن قصف (وارسو). وقبل ان يعرض هذا الفيلم على الشعب شاهده هتلر في قاعة خاصة، وكان صديقه (سبير) بجانبه في الصالة.. فينتهي الفيلم بمشهد القنابل تتساقط من طائرة المانية مخلفة شريطاً م الانفجارات وسماء ملبدة بدخان اسود. وعند هذا المشهد بدأ الفلم يتحرك ببطء، وينتهي الفيلم بمونتاج يظهر الخطوط الخارجية للجزر البريطانية وهي مبعثرة تطفو فوق الماء. كاد هتلر ان يقفز من كرسيه وهو يصيح: “ينبغي ان نفعل بهم ذلك تماما!”.

كان هتلر معجباً بأستاذه في التاريخ (ليوبولد بوتيش) لقد كان نموذجاً للبرجوازي الصغير الخائف من الحياة الجياشة في المانيا خلال الحرب وبعد الهزيمة، عاجزاً عن اتخاذ موقف، ولذلك كان يبحث عن قوة كبيرة منضبطة يدفن فيها ضعفه. وخلال الحرب وجد مخبأه في الجيش فتطوع فيه.. وفيما بعد وجد مجالاً أرحب للاندماج والتعصب داخل الهرم التسلطي النازي. القائد النازي المفصول من الحزب (ألبرت كيربس) قضى معه ست ساعات في القطار، وأبرز ما لاحظه هو الاضطراب والسلوك الأخرق، اذ ينتقل من موضوع لآخر ويرفع صوته بحدة ليفرض على الآخرين سماع أحاديثه المتناثرة التي تخلو من أية جاذبية.. كل الذين عرفوه يميزون فيه تلك الدقة اللاإنسانية، والاهتمام بالشكليات على حساب الغاية. في يومياته التي كتبها في الفترة من 1922-1910 دوّن تفاصيل كل رسالة استلمها، وموعد الاستلام باليوم والساعة والدقيقة. ودوّن أصغر فعاليات حياته وأكثرها تفاهة. وقد انتقلت معه هذه الدقة اللاإنسانية الى الحكم عندما استلم قيادة (الأس أس) ففي دفتره الخاص دون اسم كل من زاره ولحظة الزيارة وتفاصيل ما حدث، بما في ذلك حادثة تقديم سيجارة. ولنأخذ مثلاً على ذلك يومياته لشهر آب 1915:

1- آب: تحممت في البحيرة مع ولدي (ارنستي). تحممت للمرة الثانية. تحممت للمرة الثالثة…للمرة التاسعة…. الجو حار جداً

3- آب: … تحممنا للمرة العاشرة. شربت قهوة. وكتبت عشر جمل في دفتري.

23 – آب: 8 آلاف روسي ارسلوا للسجن في (جمبنين).

28 –آب: أصبح الذين اخذوا من شرق روسيا 30 ألفاً.

29 –آب: أصبح عددهم الآن 60 ألفاً… انهم يتضاعفون كالبكتيريا.

30 – آب: مجموعاتنا اصطادت عسرة آلاف روسي. بعد الظهر عملت في الحديقة ثم ضربت على البيانو بعد تناول القهوة. واقتطفنا ثمار البرقوق التي تساقطت بغزارة. أصبح لدينا مدفع عيار 42 سم.

ومن متابعة هذه اليوميات يصعب تمييز فيما اذا كان هملر يولي اهتماماً أكبر (للروس الذين اصطادهم) ام لثمار البرقوق التي تساقطت.

وكان هملر مولعاً بالاندفاعة اللاواعية شأنه شأن الارستقراطية اللاإنسانية التي اعتمدت عليها النازية في قيادة الأجهزة القمعية، ولذلك ركز جهده على النظام اليومي للحياة في معسكرات (الأس أس)، بحيث شمل التنظيم أنواع الطعام والرياضة والنساء المسموح بالزواج منهن. لقد أراد هذا البرجوازي الصغير ان يلتحق بالنبلاء البروسيين بالتعصب لدمهم، وتمثّل فروسيتهم وصرامتهم العسكرية… وهي المبادئ الأساسية للسادية التسلطية التي تشكل الوجه الآخر لاذعان هملر.

بعد صدور (الأوامر السوداء) التي تقضي بإبادة 30 مليون روسي تجول هملر في المواقع وشهد عدة عمليات اعدام جماعية. وكان الكومندان (هوس) بجانب هملر فوصف للمحقق ردود فعله: “عندما شاهد العشرات يتساقطون صدم من هول المشهد، وبالتحديد عندما أغمي على بعض الجلادين. ولكن هملر قال بصوت عالٍ: ” من الضروري حضور مشهد كهذا. فالذي يصدر قرارا بالموت لابد له ان يعرف كيف يصبح الموت واقعة، وعليه ان يشرح للجلادين ما عليهم ان يفعلوا!”.

وفي آب 1941، أعطى هملر امراً لأحد قادة مجموعات الطوارئ (أرثر نيبه) أمراً بإعدام مائة مواطن سوفياتي أمامه، كان ذلك في (منسك)، ومن ضمن الذين تقرر اعدامهم نساء وأطفال. وكان جنرال (الأس أس) المسلحة (باخ زيلوسكي) يقف الى جانب هملر، وروى للمحقق (تايلور) ما حدث: ” عندما دوت الرصاصات الأولى وبدأ الضحايا يتساقطون بالجملة، اختفى وجه هملر. وبدأ يتجول بين الجثث يتفحصها ويتلمس نبض بعضها، ثم صرخ بوجه الرماة لأن تسديدهم كان سيئاً. فكثير من الأطفال والنساء بقوا أحياء. وبعد ذلك بقليل تلقى (اولندروف) أمراً بأن تستخدم منذ الآن عربات الغاز في اعدام الأطفال والنساء. لأن الموت سيكون أسرع ومضمون النتائج”.

لقد كان الموت والتعذيب بالنسبة لهملر نوعاً من ممارسة السلطة والوظيفة. وكان ميالاً لاختياره باعتباره أسهل الحلول وليس لأنه أقساها، فالقسوة بالنسبة اليه نتاج لممارسة السلطة وتثبيتها. وعلى يده تحول الموت والتعذيب الى ممارسة مهنة، ولذلك كان يهتم كثيراً بتفاصيل موت الضحايا وأكثر الأساليب المتوفرة عملية واقتصاداً. وبترقيم الجثث واستخراج ما هو مفيد منها لأغراض صناعية. وكان حريصاً على تمرين جلاديه. فأوامره الإدارية تؤكد دائماً على حضور الجلادين المبتدئين كل عملية اعدام جماعية ولكي يؤدوا واجبهم فيما بعد على أكمل وجه. كما حرص على ان يكون العلماء والأطباء جزءاً ضرورياً من طاقم الجلادين وعلى الاستفادة من خبراتهم لتحويل معسكرات الاعتقال الى مراكز (علمية) لخدمة البحوث العرقية.

لقد تم اختيار هملر من قبل الفوهرر لقيادة جهاز الأس أس باعتباره أفضل من يقوم بدور الموظف الجلاد. وكان منتهى ما يحلم به هملر هو إرضاء الفوهرر ولذلك كانت عباراته ولذلك كانت عباراته التي تشير الى هذه الناحية (كان الفوهرر يستمع الي راضياً، واضح ان الاقناع مهم بما أقوله) تتردد في أوراق هملر بعد كل لقاء مع قائده. لقد كلن هملر جذلاً بهذا الانصياع لسيده بنفس الدرجة التي يمارس فيها سلطة الموت على ضحاياه… هذان هما وجها العلاقة بين الحاكم والجلاد.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply