جذور الاستبداد في القرن العشرين _ 15 _

جذور الاستبداد في القرن العشرين _ 15 _

 

الخطيب والجمهور

يدعي موسوليني انه هو الذي اكتشف الرباط السري الذي يوصل الخطيب بجمهوره. وبغض النظر عن هذا الادعاء، فان الفاشية اهتمت بهذه العلاقة واعتمدت عليها في ضخ الجرعات الإعلامية. وقد درس (غوبلز) ، وزير دعاية هتلر، (سايكولوجيا الحشد الجماهيري). وقال في روايته الوحيدة (ميشيل) ” ان صراع الزعيم مع جمهوره اهون كثيراً من صراع الرسام مع ألوانه”. وخلال حملات هتلر الانتخابية نظم (غوبلز) آلاف الاجتماعات والمسيرات بشعاراتها وراياتها النازية. وكان هتلر موجوداً في أكثر من مكان في نفس الوقت، وأثرت هذه المهرجانات على الجماهير المدقعة التي جاءت لتشاهد (المسيح الجديد). وقد عوّل هتلر كثيراً على مفعول كلمة (الخطيب) وكتب في -(كفاحي)-: “ان جمرة قد اتقدت في تلك الأمسية ومن لهيبها سيخرج السيف الذي سيعيد الى (سيجفريد) الألماني حريته والى الأمة الألمانية الحياة. لقد تراءى لي موكب البعث وهو يتحرك، وخيل لي ان إله الانتقام قد هبّ ليمحو عار التاسع من تشرين الثاني 1918 “. لقد وجد غوبلز ان الأسلوب الأسرع والأكثر اقتصاداً هو توجيه الضخ الإعلامي باتجاه الكتلة البشرية واهمال الأفراد. وقد انطلق الاعلام النازي في تعامله مع الحشد الجماهيري بالاعتماد على نظرته العامة لعلاقة الفرد بالجماعة. فهي تراه وتريد ان تبقيه في حدود العلاقة التي كان يعيش فيها أيام القبيلة البدائية، لا يعرف كنه نفسه كشخصية مستقلة ولن يكون ابداً شخصية مستقلة… غير منفصل عن سرّة العلاقات الطبيعية، ولا يستطيع إدراك كنه وجوده الا بصفته عضو في قطيع يواجه الطبيعة في صفوف الجماعة. والنازية تريد تكريس هذه الصورة بإقامة حياة الانسان مع الجماعة على أساس قمعي، فتمنع توفر أي ظرف موضوعي يسمح بنمو الشخصية الفردية، وتعيق إدراك الشخصية لذاتها ونشاطها، وتقيم مجتمعاً مبنياً على الغاء الشخصية الفردية في الحياة وتمايز الشخصيات الفردية، ولذلك تستخدم النازية كلمة (الاندماج) بين الفرد والجماعة بديلاً عن كلمة (التفاعل).

لقد وضع الاعلام النازي الجماعة في مواجهة الفرد، ووصف هتلر عملية الاندماج بدقة عملية: “يبدأ الفرد اتصاله مع الجماعة من خلال الخوف من العزلة، وعندما يحضر مهرجاناً جماعة أكبر، واذا خطا لأول مرة خارج حانوته الصغير او ورشته الى الاجتماع الجماهيري، سيجد نفسه محاطاً بآلاف الناس يحملون قناعة موحدة، ولذلك سيستسلم للتأثير السحري لإيحاء الجماهير”. بهذا تريد النازية اعادة ادماج الفرد المخلوع في تيار العاطفة الجماعية والكتلة المستثارة، كما استسلم (ماريو) للساحر في قصة توماس مان. وقد عكست معظم الأفلام الوثائقية التي اخرجتها (ليلى هوفمنستال)، وهي نازية عشيقة هتلر ومصورته الخاصة ومن افلامها (المجد، الإرادة، الزعيم) وركزت افلامها على اظهار فخامة الكتلة البشرية بحيث يظهر الأفراد وكأنهم مجرد براغي في ماكينة ضخمة. وركز الاعلاميون النازيون اهتمامهم على خلق المناخ والمؤثرات التي تسمح لكلمة الخطيب ان تفعل فعلها، فنظموا لذلك المهرجانات الخطابية في الليل لأنهم يعتقدون ان إرادة الجمهور تتمرد في النهار ضد اية إرادة أخرى بينما يستسلم الجمهور المتعب من العمل وهموم الحياة بسهولة في الليل.

وقبل كل خطاب حرص هتلر ان يتفحص مسبقاً المؤثرات التي ستصاحب خطابه: اين سيقف الهتافون؟ ومتى سيتحتم عليهم ان يحركوا صرخات الهياج في الحشد؟ اين سيقف حملة الرايات والمشاعل؟ متى ينبغي توجيه الأنوار الكشافة على الخطيب او على الجمهور؟ وكان هتلر يقوم بتمارين خطابية مسبقة امام المرآة. وفي مذكرات صديقه (سبير) يقول: بان هتلر تمرن كثيراً حتى اتقن التمثيل الصامت الإيمائي، وتعلم كيف يشحن تعابير وجهه بالغضب والقوة، ومتى ستهتز خصلة شعره المدلاة، ومتي سيضرب الطاولة بقبضة يده او يمد أصابعه في الهواء كمخالب نسر حين يتحدث عن انتقام ما او توجيه ضربة عسكرية صاعقة، ولديه قدرة عالية على التحكم في نبرات صوته فيتحدث مع طلبة الجامعة بأسلوب منطقي هادئ، تماماً على عكس الطريقة التي يحدث بها اصدقاءه الجهلة من اجلاف مدينة ميونيخ الذين شاركوا في الانقلاب. وفي جميع خطبه لم يشر هتلر، ولو لمرة واحدة، الى المصائب التي يعاني منها الألمان، كان يقذف الوعود والشعارات لإبقاء خيال الألمان اسير الصورة الايجابية ولإلغاء أي حس نقدي لديهم من اجل ضمان ديمومة الخدر والاندفاع، ولا تستند أحاديثه الى رؤيا واقعية، وكان ينتقي حقائق متناثرة يعيد ترتيبها لدعم فرضياته.

ما من شك ان موسوليني كان اقل ثقافة من هتلر وافكاره اقل تماسكاً، لكنه كان يغطي نقص ثقافته بالتظاهر بالشعبوية، خاصة في خطاباته، فلا يخلو خطاب من خطاباته من شنّ حملة على عدو ما، وكانت حملاته تتميز بالفظاظة التي تصل الى حد الابتذال، ويستخدم نتفاً من حقائق مزورة وجملاً محفوظة عن ظهر قلب.

يقول (كريستوفر هيبرت) الذي عاصره ورأه وهو يخطب، وتابع سيرته: ان أبرز ما يميز موسوليني الخطيب “قدرته على اثارة العواطف عن طريق سلسلة من الجمل المتقطعة التي يلقيها بتدفقات حماسية، ولكن بنغمات صوتية متباينة ومدروسة لينسجم مع الجو الحماسي المحيط به. وقد امتلك قدرة عالية في فرض المزاج الذي يريده على مستمعيه. “. ويعرف موسوليني متى ينطلق على سجيته فيخرج من موقف الخطيب ليحل مكان المحاور مع مستمعيه، بحيث يطرح على الجماهير أسئلة تعلم الإجابة عنها مسبقاً، ويلتقط بعض الإجابات التي يعيد تشكيلها مجدداً.. ويقوم (الهتافون)، الذين يعرفون ما يريد، بترتيب الإجابات والهياج بطريقة تهدف الى اظهار وحدة الخطيب وجمهوره. ومثل هتلر، وربما قبله، استخدم موسوليني الحركة المسرحية العنيفة، واشتهر بتلك الوقفة المنتصبة واليدين على الخاصرة مثل تمثال القدر.

وتعول النازية كثيراً على دور الخطيب في فرض الدكتاتور على الجماهير، وترى ان صراع الخطيب والجمهور هو امتداد لصراع الزعيم مع الشعب… أي انه صراع بين ارادتين، إرادة (الزعيم، الخطيب، الذكر) وإرادة الجمهور المؤنثة، وان العلاقة بينهما علاقة فاعل بمنفعل سلبي. وان براعة الخطيب تتجلى في قدرته على ترويض وركوب هذه الانثى الجموح واثارتها بالشكل الذي يريده، وفي هذه العملية تتحقق وحدة الخطيب وجمهوره… وحدة الدكتاتور بالشعب الذي يحكمه.

تحمّل الفاشية الثقافة عبئاً لا تستطيع احتماله، فهي تتجاهل الممكن والموضوعي وتحملها مسؤولية التغيير، وتخضع الواقع للفكرة. يعتقد هتلر ان “التجليات الثقافية، وليس الانجازات الاقتصادية، هي التي تصنع تاريخ الأمم”. وترفع النازية الثقافة الى هذه المرتبة، لا لكي تحترمها، انما لكي تستولي عليها كأي (مجال حيوي)، فتصفي ما تسميه (الثقافة البلشفية، الثقافة الدخيلة، والثقافة المائعة) لتبقى (ثقافتها) وحيدة في الميدان.

بدأت النازية بتدمير (الثقافات) المضادة قبل ودون ان تقدم شيئاً أكثر من الأدب الاعلامي والمحاكاة الأدبية للأيديولوجيا. ولكن الجهد النازي انصب في بداية الأمر باتجاه الوسائل الثقافية الأكثر نفعية والأسرع مفعولاً للإذاعة والصحافة. فسيطرت النازية اولاً على الاذاعة شبه الرسمية في ربيع عام 1933 وتقاسمت الاشراف عليها وزارة الدعاية وشعبة (٢ج) في (الاس اس). وتنبهت النازية لأهمية الاذاعة حتى قبل استلام السلطة، وأسست إذاعة خاصة بالحزب ترأسها (فريتشه) الذي أصبح فيما بعد رئيساً للإذاعة الرسمية. وكان المكتب الإعلامي النازي يرى ان الكلمة المكتوبة وسيلة تأثير أقل نفعاً على المستوى الشعبي لأنها تنطوي على تجريد يستدعي عقل القارئ. ويستطيع القارئ عن الفكرة المكتوبة او اعادة قراءتها لكونها تتميز بعقل نقدي، اما الكلمة المنطوقة فهي تذهب الى المستمع لتغتصبه، كما ان الصوت يُخضع المستمع أكثر من معاني الكلمات ولذلك أصبحت الاذاعة المنتوج الأول للثقافة النازية، اذ تقدم ضخاً متواصلاً من المارشات والقصائد الخطابية والحان (فاغنر) الجمهورية. وسار الأمر مع الصحافة بشكل مختلف وبطيء… وأكد (غوبلز) في مؤتمر الحزب في 7 أيلول 1934 في (نورمبرغ):” من بين الفنون التي يمكن بواسطتها حكم الناس، تقف الصحافة في الصف الأول… لا يوجد جانب من الحياة يمكن ان يفلت من تأثيرها”. لكن النازية وجدت ان السيطرة على الصحافة أصعب بكثير من السيطرة على الاذاعة الشبه رسمية. ولذلك فضلت الاستيلاء عليها تدريجياً عبر تغلغل المونوبولات وانظمتها الإعلامية.

في بداية الأمر تم ترك الصحف الخاصة تصدر على أمل احتوائها فيما بعد، ولكن هذه الصحف أغلقت بالتدريج، وبدأ الأمر بإغلاق الصحف الشيوعية في نفس الليلة التي أعلنت فيها الاذاعة النازية ان الشيوعيون هم الذين احرقوا (الرايخستاغ)، بعض الصحف الليبرالية والمسيحية ارادت تحييد نفسها، ولكن المداهمات شملتها على التوالي، ففي الأول من نيسان 1934 أغلقت أهم صحيفة ليبرالية في المانيا (فورزيخ تسايتونغ) بعد ان ظلت تصدر بانتظام مدة 230 عاماً بدون انقطاع، وكانت الصحيفة تقارن ب(التايمز) البريطانية. وبعد ذلك توقفت (البرلنر تاغيبلات)، وفي السنوات الأربع الأولى من حياة الرايخ أغلقت 936 صحيفة. وفي آب 1943 أغلقت آخر الصحف الخاصة وأكثرها حياداً وابتعاداً عن النقد (فرانكفورتر زايتونغ)، اما بقية الصحف فقد جرت السيطرة عليها عبر ضغوط متوازية ومتصادمة بين دور النشر الحزبية المحلية وبين مسؤولي المناطق الأوتوقراطيين لدفع الناشرين الى التنازل عن صحفهم. ولم تحصل هذه العملية بسهولة، فقد تداخلت الخصومات والمصالح الخاصة في طمس الحلول السياسية. وقد لعب الناشر النازي (ماكس امان) في اعادة تركيز سيطرة المونوبولات النازية على الصحف المنفردة، وكان (امان) رئيس عرفاء في الفوج الذي خدم فيه هتلر، وأصبح فيما بعد رئيس غرفة الرايخ الصحفية ورئيساً لدار النشر النازية (ايهير فيرلاغ) وارتفع دخله نتيجة لذلك من 108 آلاف مارك عام 1934 الى (3,800,000) مارك عام 1942. وفي شهادته امام محكمة (نورمبرغ) روى كيفية السيطرة على الصحافة الألمانية كما وردت في كتاب (وليم شيرر) –تاريخ المانيا الهتلرية- ترجمة (خيري حماد):

” بعد ان وصل الحزب الى الحكم عام 1933، وجدت بعض المؤسسات الصحفية، كدار (اولشتاين)، التي تسيطر عليها المصالح اليهودية، والتي كانت بعض المصالح الدينية والسياسية المناوئة للحزب النازي تتحكم فيها، ان من مصلحتها ان تبيع صحفها وحصصها وموجوداتها الى مؤسسة (ايهير). ولم تكن هناك سوق حرة لبيع هذه الممتلكات والمصالح. وكانت (ايهير فيرلاغ) المشتري الوحيد تقريباً. وهكذا توسعت مؤسستنا عن هذا الطريق ومعها المصالح الطباعية التي تمتلكها او تسيطر عليها، لتصبح احتكاراً للعمل الصحفي في المانيا… وغدا استثمار الحزب في هذه المشاريع الطباعية مربحاً وناجحاً من الناحية المالية. ولعل من الصدق ان يقال ان الهدف الأساسي للبرنامج الصحفي النازي هو ازالة كافة الصحف التي تقف موقف العداء من الحزب”.

وما كانت ملكية الصحف تشكل عائقاً امام تثبيت السيطرة الايديولوجية والسياسية على ما ينشر فيها. فقد كانت شروط تولي رئاسة تحرير الصحف تتطلب ان يكون الصحفي، اولاً وقبل كل شيء، “نظيفاً” من الناحيتين السياسية والعنصرية. كما نص قانون الصحافة الصادر في الرابع من تشرين الأول عام 1933 على تنظيم الصحافة كمهنة عامة. ونصت المادة الرابعة عشر على ان واجب المحررين ان يبعدوا الصحف عن كل ما من شأنه ان يضلل الناس او يخلط بين الأهداف الانانية واهداف الجمهور، او يميل الى اضعاف قوة الرايخ الألماني خارجياً او داخلياً، او اضعاف العزيمة المشتركة للشعب او الدفاع عن المانيا وثقافتها واقتصادها، او يسيء الى شرف المانيا وكرامتها. وتشكل هذه البنود المطاطة القابلة للتأويل سيفاً مسلطا وأداة تخويف يمكن ان يطبق على أي نقد جزئي لا يرضي وزارة الدعاية. ومع ذلك كان (غوبلز) او أحد مساعديه يجتمع صباح كل يوم مع رؤساء تحرير الصحف ليحدد لهم افتتاحيات صحفهم وما هي الأخبار التي سينشرونها او يمتنعون عن نشرها وكيفية اخراج وعنونة الأخبار، وما هي الحملات والجوانب التي يجب التركيز عليها. ويجري توزيع هذه التوجيهات اليومية مطبوعة خشية حدوث التباس في فهم التوجيهات الشفهية وتبلغ صحافة الأقاليم برقياً او بالبريد. وقد أدت هذه التوجيهات واملاء الشروط الى مسخ الصحف بالتشابه البليد الثقيل فانخفضت مبيعاتها كثيراً، ومن السخف ان يعتبر المرء ان المناقشات الأدبية والفنية او الانتقادات الجزئية المبتورة هي اختلافات في الرؤيا، فذلك يدخل ضمن توجيهات غوبلز للصحافة:” لا نريد ان ينفخ الجميع في بوق واحد، بل نريدهم فقط ان ينفخو لحناً موحداً”.

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply