جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 17 ــ

جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 17 ــ

 

المثقف الجلاد ..

مع عمليات التطهير (الثقافي) بذلت النازية جهوداً دائبة لتكوين ما سماه هتلر (النخبة المتحركة التي تشكل الدولة، وهي المبدعة للثقافة). لقد ارادت ان تحقق حلم نيتشه ب (شريحة حاكمة بالغة الثقافة، بالغة البربرية، تقود – الجمهور – القطيع).

ارادت القيادة النازية، قبل استلام السلطة، ان تجمع الصفتين في نفسها فجربت حظها في الثقافة قبل ان تجربه في القيادة: هتلر أخفق في دخول اكاديمية الفنون الجميلة لأنه حسب (سبير)” رأى استاذه ان خطوطه لها طابع هندسي وخالية من الحياة ” اما (غوبلز) فقد جرب كتابة الرواية قبل السلطة، ولكن الناشرين رفضوا روايته (ميشيل) التي تتحدث عن سيرة حياته، ولم يوافق أي مخرج مسرحي على تبني مسرحيته (الجوّال) عن السيد المسيح كما رفضت له الصحيفة الليبرالية (بيرلينر تاغيبلات) عشرات المقالات التي أرسلها للنشر، ورفضت قبوله كمحرر فيها.

(هورست فسل) كان العضو رقم (4) في جهاز الأس أس، وهو قاتل محترف، كانت زوجته واحدة من ضحاياه، كان المفروض فيه ان يكون أحد قيادي السلطة النازية، وربما كان سيأخذ مكان هملر، لكنه قتل اثناء وضع عبوة ناسفة داخل قاعة اجتماع يساري. كان هذا القاتل يسلي نفسه بنظم قصائد قصيرة وازجال تافهة يغنيها الشبان النازيون من حملة الهراوات، لكن غوبلز نفسه لم يجرأ على تسميته كشاعر خلال تأبينه. القاتل الآخر (هملر) جرب كتابة الشعر ايضاً، فوجدت بين أوراقه مقطوعة كتبها عام 1915، نقلها (أريك فروم) في كتابه (تشريح النزعة التدميرية عند الانسان):” أيها الفرنسيون / انتبهوا جيداً/ فليس لدينا أي “باردون” نحوكم. ان طلقاتنا ستصفر وهي تعبر المدى نحوكم لتثير الخوف والفزع والهلع “… النازية اعتبرت (روزنبرغ) فيلسوفها الأعلى ولكن كتابه (ميتوس) ليس الا تجميعاً لاختيارات واقتباسات من (شبنجلر ونيتشه) … كل القادة النازيين اذن اتصفوا بالبربرية المترفعة ولكنهم لم يستطيعوا طرح أنفسهم كنخبة ثقافية.

فباستثناء كتاب هتلر (كفاحي) وكتاب روزنبرغ (ميتوس) لم تقدم القيادة النازية نتاجاً يلبي حاجة الجمهور المستهلك. ولذلك ارادت كسب النخبة التي ستقدم خلاصات فكرية للجمهور. وقد وجدت النازية امتدادها بين المثقفين الطفيلين المترفعين الذين كانا نتاجاً للطور الامبريالي، واستثمرت خوف هذه الارستقراطية الثقافية من احتمالات ثورة شعبية قادمة ومن تنبؤات نيتشه عن (انحطاط الثقافة النبيلة امام طوفان الرعاع). وقد استخدم المثقفون الكولونياليون فلسفة نيتشه غطاء للجبن ومن اجل التكيف مع أكثر الامبرياليات بربرية وتنفيراً. وقد جذبت شعارات النازية البراقة (ثقافة جديدة، ثقافة المانية صرفة، اعادة تجديد التاريخ..) عدداً من المثقفين ذوي الماضي الثوري، فقد اتبع هؤلاء الثوريون اليائسون مسيرة البرجوازية الألمانية: من الثورة الى اليأس والتشاؤم ثم الى التكيف فكرياً مع السلطة. وكان لاستسلام الفكر الى السلطة سوابق عديدة في تاريخ المانيا الممزقة بين الاقطاعيات البروسية والبرجوازية الجبانة، ففي أيام الدولة (الاسبارطية) كان الفلاسفة يكملون مهمات عرفاء التدريب بتعليم الشعب الانضباط والطاعة العسكرية، هكذا بشر الفيلسوف الرسمي للدولة بان الواجب يتطلب اخماد العواطف الانسانية، وتطور الأدب والفلسفة الكلاسيكية الألمانية في كنف السلطة… لقد فضّل (غوته) و(هيغل) اصطفاف المانيا بجانب اتحاد الراين ورحبا ب (نابوليون) باعتباره حاكماً وحامل رسالة لتجديد السلطة الألمانية، بينما عوّل آخرون على الاستفادة من الثورة الفرنسية التي حملها نابليون لتحرير بروسيا من نابليون دون تحريرها من اسرة (هوهنزولرن) … وفي كلتا الحالتين انتظر المفكرون البرجوازيون حلّاً من فوق، وبقوا مجرد شهود او ممثلين ثانويين في تشكيل مصير بلادهم. وقد عوّلوا فيما بعد على (فلهلم) الثاني وآزروه في حربه الامبريالية واستمر الأمر مع هتلر. وعند بدايتها قدمت النازية بشعاراتها القومية الفخمة ارضاً زلقة للكثير من المفكرين الموجوعين من وطأة الهزيمة. ورغم ان (شيلر) اكتشف منذ زمن (ان الاهتمام القومي بالوطن دون سواه هو اهتمام فجّ) لكن العديد من الكتاب الالمان ارتضوا هذه الفجاجة مخلوطة بمعاداة القوميات والثقافات الأخرى. ومن (نتشه) الى (شبنغلر) انتهوا بقبول (روزنبرغ) قائدهم الفكري وفيلسوفهم الرسمي. ولم يوافقوا على سلوك النازية العدواني ضد القوميات الأخرى فقط، انما وقعوا بالعشرة وشاركوا في السلوك العدواني ضد الألمان وخيرة مثقفيهم الديمقراطيين وارتضوا دور شرطة الثقافة. وتكشف سجلات (الأس أس) ان 32 ٪ من قادته كانوا من (المثقفين) بينهم علماء وكتاب وأساتذة جامعة كانت مهمتهم تبرير مشروعية القمع وممارسته، والنموذج البارز والمعروف للمثقف الجلاد الذي يكرس علمه للشر يتمثل في (علماء وأطباء) عاشوا وعملوا داخل معسكرات الاعتقال، جردوا العلم من اية لمسة إنسانية واقاموا مختبراتهم داخل سراديب حفظت فيها جثث القتلى على رفوف تشبه المكتبات. وركزوا بحوثهم على اكتشاف المظاهر المثيرة للاهتمام في هذه الاجساد المصنفة لتدعيم الاطروحات العرقية او لاكتشاف المواد المفيدة للصناعة الألمانية. وقد راقبوا عمليات الإعدام والتعذيب بدم بارد للتعرف على ردود فعل الانسان على المؤثرات القاسية، ومن بين هؤلاء الطبيبان النازيان (كيرستن وكونراد ماير).

اما الكتاب الأكثر شهرة فقد تحددت مهماتهم في تحويل الشعارات السياسية النازية الى صرخات حربية وقصائد مديح للدكتاتور هتلر. فالأديب النازي (هانز كاروسا) كان يعتبر نفسه وريث قومية غوته وشيلر. وقد كافأه غوبلز بتعيينه رئيساً لرابطة الكتاب الاوروبيين. ورغم ان بعض الكتاب حاولوا تحييد أنفسهم عندما أصبحت النازية أكثر بربرية وجنوناً، لكن هناك كتاباً مضوا مع النازية حتى آخر الشوط، وحملوا بأيديهم المشاعل واحرقوا كتب (زملائهم) في الساحات العامة. وحتى عام 1952 أعلن الشاعر الجرماني الريفي ورئيس غرفة الادب في رايخ هتلر: “لا أشعر بالحرج لأننا الكتب ذات يوم، فذلك جزء من ثورة”.

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply