احتلال التاريخ ..
لا تريد النازية ان تظهر كحالة مدّ فجائية، بل تقدم نفسها باعتبارها وريثة الكمال الخلقي والصحة الروحية لدى الرومان وفروسية القبائل الجرمانية المحاربة مضافاً اليها الهيبة البروسية. ولذلك (اعادت تجديد التاريخ) حسب وصية هتلر ب (جعل التاريخ غاية، ووضع تاريخ شامل تحتل فيه العنصرية المقام الاول). وقد تأسس معهد الرايخ للتاريخ الألماني برئاسة المؤرخ العنصري (والتر فرانك) لغرض اعادة كتابة التاريخ عرقياً بحيث أصبحت الثقافة الاغريقية شمالية، وتم تقديم (القيصر) و (أوغسطينوس) باعتبارهما قائدان مجددان، وتم تثبيت (شارلمان) كجزار للسكسونيين. والغيت الهوية الجرمانية عن (الهوهنشتاوفن) بسبب اعجابهم بالحضارة الايطالية. ويقوم التفسير النازي للحضارات على أساس انتقائي، وكما وصفها (ادولف زيغلر) ” لتحرير الثقافة الشمالية من المعوقات الأجنبية.” وكذلك لتصفية هذا التاريخ من اية عناصر نقدية والتأكيد على التقاليد والمعتقدات الثابتة والابدية في هذا التاريخ من اجل تقديسه بلا حدود.
ولم يسلم علم من العلوم من التفسير العرقي، فيتساءل الأستاذ (فيليب ليونارد) من جامعة هايدلبرغ:” الفيزياء الالمانية؟ هناك من يسأل هذا السؤال، وهناك من يرد عليه بقوله: ان العلم لا جنسية له وسيظل بلا جنسية، لكن هذا القول خاطئ، فالعلم في الواقع كأي نتاج انساني آخر عنصري ويتكيف مع الدم”. ويحذر الأستاذ (توماشيك) مدير معهد الفيزياء في (درسدن) من الفيزياء الحديثة باعتبارها صنيعة اليهود لتحطيم العلم الجرماني.
وقد هاجم (العلم النازي) الاكتشافات العلمية الحديثة باعتبارها صناعة يهودية يقودها (اينشتاين) وذلك (للحط من الرجولة العلمية الآرية) التي كان من روادها (غاليليو) و (نيوتن). وارادت النازية إبقاء هذه العلوم في حدود الاكتشافات الكلاسيكية للعلماء الآريين. ولكن الحقول الأكثر تأثراً بالأيديولوجية العرقية النازية هما الأدب والفن. ففي مؤتمر الحزب لعام 1933 طرح هتلر موضوع (الأس أس العرقي لكل فن)، وقد عمل منظرون مثل: (بأول شولتز نامبرغ، الفرد روزنبرغ، و أج. اف. غوتنر) على تعريف كل الفنون والآداب، فأقيمت جدران قاسية بين الثقافة الألمانية والثقافات الأخرى. ويتحدث (فكتور كلمبر) في كتابه (لغة الرايخ الثالث) عن هذا التعصب الذي ساد أيام الرايخ ضد اية ثقافة أخرى بحجة انها لا تنبع من عناصر الأصل الألماني ولذلك فهي تنطوي على مشاعر غير حميمة ولا تؤثر في الالمان. وقد وقف هتلر ضد تعليم اللغات الأخرى، وامر باستبدال دروس الفرنسية والاسبانية والإنكليزية بألعاب رياضية.
وامتد بين النقاد الالمان وبين أطباء التشريح جسر يريد ان يربط الشعر الألماني بمخارج الحروف الألمانية التي ترتبط بتركيب اللسان وعرض الفك واستدارات جوف الفم، ولذلك اعتبر أي تأثير خارجي على الشعر الألماني ضار ويلوث صحته.

Social Links: