جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 20 ــ

جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 20 ــ

 

الشباب، النساء، العائلة في المجتمع النازي ..

منذ بداياتها، حاولت النازية ان تظهر كحركة شباب وان تتوجه اولاً لأولئك الشبان الذين خرجوا من الحرب مهزومين، وعاشوا فترة الأزمات الوطنية والاقتصادية باحثين عن أجوبة للأسئلة الكبيرة المقلقة. وكانت كلمة (الشباب) تتردد في الادبيات والخطب. وأغلب البوسترات التي اصدروها تظهر النازي في صورة شاب معافى، صلب ورياضي. وقد تعمدوا، قبل الوصول الى السلطة، ابراز الشباب الرياضيين وأبطال الجمباز في مسيرات تجوب الشوارع بالقمصان البنية باعتبارهم جمهور الحركة النازية، كما حرص زعماء الحركة الظهور دائماً محاطين بحلقة من الشبان الاصحاء … وزير الشباب في حكومة هتلر قال بان النازية طرحت “الشباب في مقابل طرح الماركسيين للعمال”. وقد ارادت النازية بشعاراتها الرنانة الظهور وكأنها صوت الشباب المتحمس. وقادت النازية الحملة ضد مؤسسة (فايمار) تحت شعار ” افسحوا المجال أيها الشيوخ!” وأبرزت موضوع صراع الأجيال وألقت مسؤولية الهزيمة على (شيوخ السياسة وشيوخ الجيش) لكي تظهر نفسها داعية من اجل “تجديد شباب الوطن”.

ورغم ان النظام الداخلي للحزب النازي لا يقبل عضوية من هم دون ال (17) عاماً، الا انه اعتمد منذ بداياته على قيادات شابة شديدة الحيوية والاضطراب (هتلر، روزنبرغ، هس، فون، شيراخ) الطلبة، أبناء النبلاء والعسكريين المسرحين. وقد جوبهت هذه القيادات الشابة بمعارضة قبضايات الحزب واجلاف ميونيخ الذين كانوا يخوضون المعارك في الحانات ويهاجمون الاجتماعات المعادية. ولكن هتلر كان مصراً، كما يعكس (كفاحي)، على اجتذاب الشباب، وخاصة الطلبة، الى الحركة النازية، وحقق ذلك باتجاهين :

1- احداث (ثورة ثقافية) نازية في التربية والتعليم .

2- السيطرة التدريجية على منظمات الشبيبة .

وقد استندت النازية على خلفية عرقية في ثورتها الثقافية، فقبل استلام السلطة أعلن هتلر بان ” الدولة العنصرية ستجعل من التاريخ غاية لتعليم الالمان ما ينبغي ان يعملوه لبناء مستقبل أفضل وستعمل على وضع تاريخ شامل تحتل فيه المسألة العنصرية المقام الأول”.

وفي كتابه (كفاحي) تحدث هتلر عن الأساليب التقليدية التي تتبع في تربية الشباب وحشو أدمغتهم بالمعلومات المجردة والميوعة والمفاهيم اليهودية والأجنبية، ولذلك ألغى هتلر قناع (الحياد العلمي) الذي تسترت خلفه الدولة الرأسمالية… فعند استلام السلطة (ثورة ثقافية نازية) في المدارس والجامعات، وأشرف (روزنبرغ) على عملية تغيير شاملة وسريعة في مناهج الدراسة بجعل العرقية وكتاب هتلر (كفاحي) اساساً نظرياً. وبأمر من هتلر حلت دروس الرياضة الدفاعية محل دروس اللغة الانكليزية والفرنسية. وجرت عملية غربلة سريعة لإزاحة المدرسين والأساتذة “ذوي النظارات السميكة” ومن بينهم وزير التربية والتعليم النازي (بيرنمارد روست) وغيره من “المخرفين والمخربين”. وضخت المدارس والجامعات مدرسين شباناً تخرجوا من جيش العاصفة وأدوا مهمة (العمل المجند) ضمن (شبيبة هتلر) ثم مروا بدورات سريعة في النظرية الاشتراكية القومية في التربية. وأصبح الهتاف “المانيا فوق الجميع، وهايل هتلر” هتاف الافتتاح في المدارس الجديدة. وعملت النازية على (اعادة تأسيس عقل الشبيبة) في إطار نازي مغلق وأخضعت المدارس الى أدلجة قسرية بعد نزعت سيطرة الأقاليم عنها، واخضعت مباشرة لوزير التربية الذي يعين المدراء والعمداء، ومسؤولي المنظمات الطلابية. وعلى هدى سيرة (هتلر) الشخصية عملت النازية على إبقاء النسبة الغالبة من الشبان دون دراسة جامعية، فقد هبط عدد الطلاب الجامعيين بعد ست سنوات من الأدلجة النازية من 127,365 الى 58,325 لأن الجندية والعمل الطوعي والدورات السريعة، حلت وفق إرادة هتلر محل التعليم في القاعات المغلقة. وعموماً هبط المستوى العلمي في المدارس النازية لأن النازية لم تعوّل عليها كثيراً في تربية الشباب الألماني (بروح الاشتراكية القومية) … فالتأهيل المهني يتم بواسطة قنوات خارج المدرسة (تنظيمات العمل) وتفقد الشهادة قيمتها كأداة للارتقاء. وقبل استلام السلطة أسس هتلر مجموعة منظمات الشبان الذين لا تسمح أعمارهم بدخول الحزب، فقد ضمت منظمة شبيبة هتلر الفتيان الذين تتراوح أعمارهم بين 17- 15 عاماً. بينما سجل الصبيان الذين تتراوح أعمارهم بين 15-10 عاماً في (منظمة الشباب الألماني)، وللفتيات (منظمة الفتيات الالمانيات) … ويوجد في كل منظمة دوائر خاصة للثقافة والدعاية والدراسة، وكانت الرياضة الدفاعية والتدريب العسكري تحتلان الجزء الأساسي من برنامج المنظمات لإعداد اصلب الأعضاء عوداً كي يكونوا جنوداً في جيش (العاصفة) النازي.

ورغم هذا الاهتمام المركز بقي عدد الشبان المنتمين للمنظمات النازية (107,956) قليلاً في عام 1932 إذا قيس بعدد الشبان الالمان (عشرة ملايين) ينتمون الى مختلف المنظمات المتحدة في (لجنة الرايخ لمنظمات الشبيبة الألمانية)، ولذلك أعلن هتلر، بعد استلام السلطة:” ان الرايخ الثالث لن يسمح لأحد ان يأخذ منه شبابه”. وهكذا قاد الشاب النازي حامل الهراوة (فون شيراخ)، اذي أصبح فيما بعد وزيراً للشباب، عملية تطهير بالهراوات. فقاد مجموعات من ذوي القمصان البنية وهاجموا مقرات منظمات الشبيبة الأخرى وطردوا رؤساءها واستولوا على ممتلكاتها لإبقاء المنظمات النازية سيدة الميدان بلا منازع. وعندما كان هتلر بحاجة الى مداهنة الكنيسة وعد البابا في 20 تموز 1933 بإبقاء (اتحاد الشبيبة الكاثوليكية) شرط سكوته عن اغلاق المنظمات الأخرى. ولكن هتلر نكث بوعده وأصدر في الأول من كانون الثاني 1936 قانوناً بحلّ هذا الاتحاد الذي نصّ على:” ان يكون جميع الشبان الالمان في الرايخ منظمين في شبيبة هتلر… ويدربون، بالإضافة الى العناية بهم في الاسرة والمدرسة تدريباً عقلياً وبدنياً وخلقياً ضمن إطار روح الاشتراكية الوطنية”. وقد قام (فون شيراخ) الذي تزعم حركة الشبيبة النازية بتنظيم سلسلة متصلة من المنظمات النازية. ويشرح الكاتب الأمريكي (ويليام شيرر) بالتفصيل تسلسل واساليب عمل منظمات الشبيبة النازية:” كان الصبي الذي يتراوح عمره بين السادسة والعاشرة يقضي فترة من التدريب في الشبيبة الهتلرية، ويعطى لكل فتى دفتر علامات يدون فيه سير تقدمه في حركة الشبيبة النازية كلها بما في ذلك نموه العقائدي. وعندما يبلغ العاشرة ويجتاز اختبارات مناسبة في الألعاب الرياضية وإقامة المخيمات والتاريخ المصبوغ بالصبغة النازية، يتخرج ليدخل في حركة الفتيان بعد ن يقسم اليمين التالي :

“أقسم امام هذه الراية الدموية التي تمثل الفوهرر بأن أكرس نشاطي وقواي لخدمة منقذ بلادنا ادولف هتلر، وني راغب وعلى استعداد لتقديم حياتي فداء له، فليكن الله في عوني”.

ويتابع (وليام شيرر) :

“وعندما يبلغ الفتى الرابعة عشر من عمره ينضم الى شبيبة هتلر الاصلية ويظل فيها الى ان يبلغ الثامنة عشرة.. عندها ينتقل الى العمل المجند والخدمة العسكرية. وكانت منظمة الشبيبة واسعة كل الاتساع، وقد نُظِمَتْ على أسس تشبه جيش العاصفة حيث يتلقى فيها الفتيان الذين يقتربون من سن الرجولة، تدريباً منظماً في اعمال الجندية، إضافة الى إقامة المخيمات والرياضة والعقيدة النازية”.

لقد ارادت النازية تحويل هذه المنظمات الى ما يشبه الجيش الاحتياطي ولذلك عملت على تجنيد كل الشبان الالمان فيها. وحتى عام 1938 لم تكن عملية التجنيد الاجباري قانونية رغم تطبيقها عملياً. وكانت الخدمة في هذه المنظمات بوابة الدخول في اية وظيفة رسمية كالتعليم وحتى في الاعمال الحرة كالمحاماة والطب. وفي ذلك العام كان عدد افراد هذه المنظمات (728,259) عضواً. ومع ذلك بقي حوالي الأربعة ملايين شاب الماني خارج هذه المنظمات. لذلك أصدرت الحكومة قانوناً يقضي بإجبارية الدخول في هذه المنظمات، تماماً مثل الجيش. وأصبح اسم (أبناء الفوهرر) كناية عن حاجة النازية لانتزاع الأبناء من سيطرة الآباء، وبالتحديد الآباء الذين أبدوا تمنعاً في دفع الأبناء للتخريب المبرمج. وقد أعلن هتلر في خطاب القاه في السادس من تشرين الثاني 1933:” عندما يقول لنا أحد الخصوم: اسمعوا انني لن اميل الى جانبكم! فإنني أقول له بهدوء: لا بأس ولكن اطفالك ينتمون الينا” ولكن تلميح هتلر للآباء المتحفظين لم ينفذ بهذه الرقة، فقد جرى تحذير هؤلاء الآباء من ان أبنائهم سيرسلون الى دور الايتام إذا لم ينتموا الى هذه المنظمات وعوقب الآباء الذين عارضوا هذا الدخول بالسجن لمدة طويلة.

ظاهرياً تبدو النازية وكأنها تهدد الرابطة العائلية من خلال الحزب والمنظمات، وقد كان موقف النازية مزدوجاً من العائلة والآباء. فلكي تجذب الشباب اليها هاجمت الشيوخ والجيل القديم الذي يعيق الثورة الشابة. وقد شجعت النازية الأبناء على الوشاية بآبائهم واخذتهم طويلاً لمعسكرات الشبيبة لتربيتهم خارج البيت. من جهة أخرى دعا الدستور النازي لاحترام قيم الوراثة ووحدة الدم والعائلة… اين اذن تكمن حقيقة الموقف النازي، مع العائلة ام ضدها؟ لكن هذا التعارض كما ذكرنا هو تعارض ظاهري. فالنازية تنظر لتماسك العائلة من زاوية كونها مؤسسة أيديولوجية وليست مؤسسة اجتماعية، لان وظيفة العائلة الاجتماعية انتهت بانتهاء الاستثمارة الفلاحية والتي تغيرت وظيفتها مع تغير قوى الإنتاج، وبدأت وظيفتها الايديولوجية المحافظة بعدان فقدت جذورها الاقتصادية تلك. النازية ارادت الحفاظ على الوظيفة الايديولوجية للعائلة واعتبرتها الركيزة القاعدية للدولة والحزب. هتلر وضعها في اول المثلث الذي يتضمن ايضاً المدرسة والمنظمة، وحث الشباب على تقديسها. وقد اعتبر الحزب النازي العائلة، وليس الحي ولا المصنع وحدته القاعدية وهنا تكمن نقطة اللقاء مع الكنيسة. وما كان يسعى لتفكيك العائلة، انما عمل عل ان ممثلاً عنه داخل كل عائلة لكسب العائلة الى جانبه. وما دامت العائلة مضمونة وتمت تزكيتها نازياً حرص الحزب على وحدتها وتماسكها. وقد أعطت النازية دوراً كبيراً لجمعية الآباء وممثلي العائلة داخل التعليم ومنظمات الشبيبة. ودافعت النازية عن انغلاق العائلة وعن بيت يجمع اجيالا المانية متعاقبة. ونظمت السجلات المدنية بحيث يتميز الدم الدخيل على العائلة ببطاقة مميزة اللون. وكانت المحاكم النازية تركز خلال تنظيم عقود الزواج على استمرار النقاوة العرقية وتعزل العوائل التي تحمل (دماء ملوثة).

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply