أسس لمشروع وطني سوري ــ حسين غرير (2/2)

أسس لمشروع وطني سوري ــ حسين غرير (2/2)

 

كيف ومن أين نبدأ؟

هناك طريقان لتوطين المنظومات سالفة الذكر في مجتمعاتنا، إما قسرياً أو طوعياً من خلال نقاش عام يشارك فيه الجميع دون استثناء. أما الأولى فقد جُرّبت في تونس وتركيا، ولم تُنتِجا ما يمكن التعويل عليه في المستقبل. ناهيك عن أن القسر هو بذاته انتهاك لإرادة الناس، لا يختلف عن أي ممارسة ديكتاتورية تحت أي مسمى أيديولوجي آخر، إن كان شيوعياً أو إسلامياً.

من مشكلات طرح فكرة العلمانية والمواطنة أن نقاشها ما زال، ويبدو أنه سيبقى، حبيساً داخل دوائر بعض النخب السياسية والفكرية السورية. لأنه لا يبدو في الأفق أي مؤشرات لانتقال النقاش حولهما إلى الشارع، أي إلى الإنسان السوري العادي. وهذا يعيدنا إلى طرح التساؤل حول مشروعية هذه النخب، وفيما إذا كانت ممثِّلةً حقاً لرغبات وحاجات المجتمع السوري12.

لذلك لا أعتقد أننا معنيّون بنقد العلمانية والمواطنَة بهدف تطويرهما وتبنيها، النقد من أجل الفهم مهم بطبيعة الحال. لكننا معنيون بالضبط بالتشكيك بكل ما نعرف وبتطوير منظومة سياسية وقِيَميّة وحقوقية جديدة. لأن مفاهيماً مثل المواطنة والعلمانية يبدو أنها وصلت مداها. ويبدو أنه من الضروري، بعد المراجعة بالمشاركة مع قوى التغيير في العالم، تجاوزها إلى منظومات ومفاهيم أرقى يمكن أن تشكل حلولاً مجدية.

أما الطروحات والنقاشات الديموقراطية، فيبدو أنّ معظمها لا يخرج عن نطاق الاستنساخ الشكلاني والتقليد المشوه للمظاهر13. فتُختصَر الديموقراطية في النقاشات والهيئات المعارضِة بصندوق الاقتراع. وقد لا يرفض الديموقراطية، صراحةً أو ضمناً، سوى الفاشيين والمتطرفين والمستبدين، لكن في الوقت نفسه، ليس مفيداً أن نعتمد على الاتفاق العام، إن وجِد، ونعتبر أن المسألة محلولة. بل يجب أن نعود إلى طرح الأسئلة الأساسية من قبيل: لماذا نريد الديموقراطية؟ أو بالأحرى، يجب علينا تناسي كلمة الديموقراطية بدايةً، وطرح السؤال الأساسي: ماذا نريد وكيف نصل إليه معاً؟ بذلك نستطيع تطوير نقاش لا يستبعد المسألة الاجتماعية والقضايا الإثنية والدينية، وكذلك القضية النسوية، ومشكلات التنظيم الإداري السياسي14.

من أجل التحرر من سطوة المفاهيم والإيديولوجيا والتجارب خارج الزمان والمكان، ومن أجل التفكير والعمل بذهنية منفتحة للتأسيس لمشروع وطني- قد يكون مفيداً للعالم أيضاً- يجب علينا العودة خطوةً إلى الخلف، وتحديداً إلى الصرخات الأولى للثورة السورية: «الشعب السوري ما بينذل» و«الله سوريا حرية وبس» و«الشعب يريد…». ثم البناء عليها مع الإبقاء على الباب موارباً لتلك التجارب. لأن تلك الصرخات، صرخاتٌ جمعية صادقة تعبر عن جوهر المشكلة، ولأنها أتت نتيجة هذا الاستعصاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهي التي كان لها انعكاسها على المستوى العالمي.

يمكن تعريف الثورة بأنها صراع حول موضوعة السلطة، وبشكل أكثر دقة، صراعٌ حول توزيع السلطة ومصادر القوة. وفي الحالة السورية، وكل ثورات ما سمي بالربيع العربي، انطلقت الثورة بوصفها صراعاً بين جزء من السكان وأوليغاركيّة حاكمة تستأثر بالسلطة لنفسها، وتتحكم بكل مصادر القوة في البلد، بحيث يفقد عموم السكان القدرة على التحكم بمصائِرِهم.

يفترض مفهوم إعادة التوزيع أن الصراع يدور حول إعادة تشكيل السلطة، بحيث تستوعب نخباً جديدة كانت مستبعدة سابقاً. لكن المسألة الأساسية لن تُحلَّ حينها، وسيُعاد إنتاج الأوليغاركية الحاكمة مرة أخرى، ولكن بقوى مختلفة. وهذا ما وصلت إليه الثورات في المجال العربي، بطبيعة الحال. لكن شعبية هذه الثورات تنفي هذا المعنى الضيق لإعادة التوزيع، وتؤكد على إعادة تعريف قواعد توزيع السلطة ومصادر القوة.

بناءً على ذلك يمكن استخلاص أن: الشعب يريد إعادة تعريف قواعد توزيع السلطة ومصادر القوة على أساس الحرية والكرامة، وإرادة الشعب هي المحصلة التوافقية لإرادات أفراده وجماعاته، وعلى هذا يمكن أن نؤسس.

أسسٌ لمشروعٍ وطني :

١. الحق في المشاركة الفاعلة

قدرة الإنسان على تقرير حياته ومستقبله، والمشاركة باتخاذ القرار في مختلف المجالات وعلى المستويين المحلي والوطني، هو الترجمة الفعلية لإرادة الشعب. لذلك فإن تحقيق إرادة الشعب تتطلب، كشرط لازم، المشاركة الفاعلة من كل أعضائه بالصيغة التي يراها كل فرد مناسبة له، على ألا تحدّ من إمكانية المشاركة الفاعلة لبقية الأفراد. ويجب ضمان هذا الحق لكل فرد، بل يجب القيام بكل ما يلزم من أجل تحفيز الأفراد والجماعات داخل سوريا وفي دول اللجوء على هذه المشاركة.

٢. الاعتراف بالواقع الاجتماعي السوري

يجب الوقوف بصدق أمام الذات، والاعتراف بالانقسامات العميقة بين سكان سوريا. الشعب السوري ليس واحداً، بل هو جماعات دينية وعرقية وقبلية ومناطقية، ولكل جماعة ذاكرة جمعية ورواية تاريخية ومظالم منفصلة عن الجماعات الأخرى حتى المجاورة لها. يعود ذلك في أساسه إلى تاريخ تشكل الحدود السياسية لسوريا، وإلى سياسات الدولة السورية منذ الاستقلال باعتبارها الفاعل الرئيسي في خلق هوية وطنية من خلال تجاهلٍ كليٍّ للأحداث عبر حذفها من التواريخ الرسمية15. لسنا شعباً واحداً بعد، لكن الأرجح أن مصيرنا واحدٌ، أو متقاربٌ على أقل تقدير، وأن لا خيار لدينا إلا العيش معاً. ويبدو أن رغبةً بالعيش المشترك كانت جلية في بدايات الثورة من خلال شعار «واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد». لذلك ما من مهرب من البحث عن المصلحة المشتركة وتوفيق الإرادات لتحقيقها.

٣.  حرية الاختيار في درجة الفردانية

إن كان الأمر كذلك، فلا معنى للمناداة بالمواطنَة بالمعنى الأوروبي المؤسَّس على الفردانية، بل وكما ورد آنفاً، حتى في أوروبا فإن المواطنَة في مأزق. إنما كل المعنى يتجسد بالمناداة بالمساواة الحقيقية أمام القانون بين جميع المواطنين، والمتمثلة بالقدرة المتساوية لجميع الأفراد على اختيار درجة الفردانية التي يريدون أن يُعاملهم القانون على أساسها. ومن يريد تسميتها مواطنة، فإنها درجة أعلى من المواطنة تناسب طبيعة الإنسان المركبة هويّاتياً.

٤. الاعتراف بالمظالم دون تبرير استخدام المظلومية

من أجل تجاوز شرور الانقسام الاجتماعي، وبناء مستقبل آمن لكل المواطنين، ومن أجل بناء ذاكرة مشتركة نؤسس عليها شعباً، علينا أولاً الاعتراف تبادلياً -دون نفاق- بالمظالم التي تعرضت لها الجماعات التي تعيش في سوريا، بل والتي تعيش إلى الجوار من سوريا أيضاً. هذا الاعتراف يخفف من الاحتقان، بدل أن تتحول المظالم إلى سرديات مظلومية تبرر الاقتلاع المتبادل للآخر.

٥. بناء التضامن

من أجل أن نكون شعباً، ومن أجل ضمان حق المشاركة الفعالة لجميع المواطنين بوصفهم أفراداً منتمين لجماعات، لا بد من تعزيز والتأكيد على التضامن بين الأفراد والجماعات. التضامن ذو وجهين: غيريّ وأنانيّ. يتضامن أفراد جماعة بشرية مع بعضهم، فيما عدا الكوارث الطبيعية، عندما تتكون لديهم قناعةٌ أن هناك حقاً قد اُنتُهِك و/أو أن مصيرهم واحد. يحتاج الوجه الغيري للتضامن إلى بناء منظومة من الحقوق تعترف بها الجماعة. وتشعر (بمعنى الوعي) أن انتهاك أحد هذه الحقوق لأحد أفرادها هو انتهاك لحقها الجمعي. أما الوجه الأناني للتضامن فهو وسيلةٌ غير مباشرة للدفاع عن النفس. فعندما يعي أفراد الجماعة وحدة مصيرهم، فيتجهون إلى الدفاع عن بعضهم، في حالة الانتهاك، درءً لمصيرٍ غير مرغوب به، أو يشعرون بالخوف على أقل تقدير إن لم يكونوا قادرين على ممارسة الدفاع الفعال16.

التحدي ليس سهلاً، بل هو في أعلى درجات الصعوبة، وبالنظر إلى المآسي الحالية وإلى التعقيدات السورية والدولية تبدو المهمة مستحيلة. لكن ما كان مستحيلاً في بلدان أخرى قبل مئتي عام أصبح مُعاشاً اليوم وبديهياً.

وبكل الأحوال: هل لدينا خيارٌ آخر؟

  • Social Links:

Leave a Reply