أحمد العربي
أضع بين يديكم قراءتي لكتاب مهم عن سوريا البعث لباحث اسكتلاني متخصص في الشأن السوري.
الكتاب من إصدار دار رياض الريس للكتب والنشر واسمه ” تشكيل الدوله الشموليه في دولة البعث” وصدر في عام 2014 من تأليف. رايموند هينبوش، وترجمة. حازم نهار ومراجعة وتقديم د.رضوان زيادة.
بداية: رايموند هينبوش باحث اسكتلندي متخصص في الشأن السوري، تابع دراسة سوريا عبر عقود، والكتاب يدرس الحالة السياسية والمجتمعية عموماً لسوريا في العصر الحديث وينتهي بحثه في أواخر الثمانينات من القرن العشرين، رغم أن الكتاب مترجم حديثا 2014. والمترجم والمراجع ناشطين سياسيين وباحثين سوريين مهتمين بشأن الثورة السورية.
أولاً. يؤسس الكتاب لقراءة الواقع السوري في مرحلة ما بعد الخلافة العثمانية، وتقسيم بلاد الشام بين الحليفين المنتصرين في الحرب العالمية الأولى “فرنسا وانكلترا”، سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين وشرق الاردن والعراق تحت الانتداب الانكليزي، طبعاً بعد تحويل الكل إلى دول ووضع حكومات محلية لها تابعة بالمباشر للمستعمرين فرنسا وانكلترا.
ثانياً. كان لكل دوله طريقه في ادارة البلاد المستعمرة، ففي سوريا عمل الفرنسيون على القوى السياسيه والمجتمعيه المدينيه من اقطاعيين وتجار ورجال سلك الدوله العثمانيه من مدنيين وجيش ممن بقي في سوريا ليكونوا نواة للدولة السوريه الوليده، وعمل الفرنسيين على احياء التنوع المجتمعي السوري الديني والطائفي والاثني، فخلقوا مجموعات عسكريه من الاقليات المجتمعيه؛ كالكرد في الشمال السوري وكذلك العلويون في الساحل، وعملوا على فكرة تقسيم سوريا لمجموعه من الدول لمزيد من الاضعاف وقدرة الهيمنه عليهم ولتثبيت تبعيتهم، دوله للعلويين في الساحل وكذلك للدروز في الجنوب ودوله في دمشق وما حولها… الخ، لكن ذلك لم يستطع ان يستمر لعدم ترسخه في البنية المجتمعيه السوريه وجدانيا وعقليا، ولاكتشاف الكل ان ذلك يضر بالسوريين جميعا وبمصالحهم كافراد وبنى طائفيه واثنيه ويفيد المستعمر الفرنسي وهيمنته، لذلك استقر حكم الفرنسيين في سوريا عبر العقود الثلاثه بالهيمنه على سوريا، عبر وجودها المباشر وعبر الاقطاعيين والتجار المدينيين، من خلال آليات ديمقراطيه شكليه تعيد تدوير هذه النخبه على الحكم المهيمن عليه بالمطلق من الفرنسيين.
ثالثا. عندما خرج الفرنسيين من سوريا بعد الحرب العالميه الثانيه واستقلت سوريا، كانت الطبقه الحاكمه من تحالف الاقطاع مع الرأس المال التجاري المدينيين. هم من استلم الحكم في البلاد، وكانوا هم ذاتهم طبقة الحكم التابع ايام الفرنسيين، استلم هؤلاء الحكم وفي جعبتهم تركه قاسيه من المرحله الفرنسيه وماقبلها في سوريا، فهناك اغلب الشعب يرزح تحت الاميه، والريف مهمل ومهمش، والاقطاع يمتلك بلادا باسرها والشعب فقير ومتخلف ولا يجد امامه اي فرص خلاص، وورثت سوريا مشكلة تحويل فلسطين للكيان الصهيوني، الذي انعكس على السوريين بازمه وجدان وازمه سياسيه محتمعيه، وكانت العسكر بقايا ضباط وصف ضباط مرحلة المستعمر الفرنسي هم من استلم زمام الجيش الوطني السوري.
رابعا. لم يتقبل الشارع السوري هذا الواقع المستجد السوري بعيوبه. وبدأت تظهر في اوساط المثقفين والمعلمين والناشطين السياسيين اجوبة على المأزق المجتمعي السوري، ينصب على القضية القوميه ومركزها فلسطين، و على التوحيد سواء كان قوميا عربيا كالبعث والعربي الاشتراكي، او سوريا الطبيعيه كالحزب القومي السوري الاجتماعي، او اسلاميا كحركة الاخوان المسلمين، او الشيوعيين وتوحيدهم الاممي لعمال العالم ونموذجهم الاتحاد السوفييتي، كلهم مع التوحيد لسوريا مع اطار اوسع، ومع تحرير فلسطين من الكيان الصهيوني، باستثناء الشيوعيين المتماهين مع الاتحاد السوفييتي الذي ينظر للكيان الصهيوني كحل لمشكلة لليهود ويؤكد مشروعية دولة (اسرائيل)، وهذا ما شكل مأزقا للشيوعيين السوريين له ما بعده.
خامسا. اما المأزق المجتمعي الاخر فهو التفاوت الطبقي والمجتمعي بين الريف والمدينه، ومشكلة مظلومية الريف من الاقطاعيين المالكين للارض والمستغلين لجهد وحياة الفلاح الذي يعيش حياة فقر وتخلف و كفاف، تطلبت من قوى الحراك السياسي من القوميين والشيوعيين والاسلاميين التي ذكرت سابقا موقفا ظهر بنتصر للفلاح بدرجات متفاوته، وكلها تصب بالحديث عن اصلاح زراعي ينصف الفلاح ويعيد اليه بعض او كل حقوقه.
سادسا. كانت سوريا ما بعد الاستقلال تمور بحركية سياسيه مجتمعيه كبيره للقوى السياسيه والمجتمعيه، وكانت ايضا متابعة من القوى الدوليه التي خرجت من سوريا عبر الاستقلال ظاهرا وبقيت عبر مصالحها واجهزة استخباراتها، وخاصة ان سوريا مركزا دوليا لاصطفاف دولي بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشيوعي، وكانت العين عليها من اجل املاء الفراغ الناجم عن خروج الفرنسيين منها، وانها الدولة المحاذيه للكيان الصهيوني ويجب ضمان سياستها السلميه والمهادنه مع (اسرائيل) وتقبلها كامر واقع، وتعتبر الانقلابات الثلاث التي استفتحها حسني الزعيم بعدها سامي الحناوي ومن ثم اديب الشيشكلي، كانت كلها لعب لقوى دوليه على موضوع استملاك السلطه لطبقة الجيش في مجتمع لم تتبلور مؤسسات البنى المدنيه الديمقراطيه فيه، وعلى موضوع مصلحة (اسرائيل) ووجودها وشرعيتها والعلاقه الايجابيه معها.
سابعا. اما على المستوى السياسي المجتمعي فقد نشط البعث والاشتراكيين العرب والشيوعيين والاخوان المسلمين، ليملؤوا الساحه وكلهم طرحوا برامجهم، وكانت البنى المجتمعيه مختلفة بالتعاطي مع هذه الاحزاب والتوجهات، فالمكون العلوي كان ومنذ الفرنسيين قد اختار ان يلتحق في سلك الجيش كجنود وصف ضباط، باحثين عن فرص عيش افضل من ظروف بلادهم فهم ضحية بنية اقطاعيه ظالمه، وطبيعه سيئه، وعداء مجتمعي، يعود لسرية اعتقاداتهم وعدم وضوحها ووجود اقاويل كثيره حولها، وبعد الاستقلال وبداية ظهور الفكر البعثي والاشتراكي لاكرم الحوارني وتصديه للاقطاع الذي كان مدينيا وسنيا باغلبه، فقد شجع محازبيه وكذلك البعث للالتحاق بالجيش، وتم تشكيل بداية تكتل لمكونات مجتمعيه من العلويين والدروز و الاسماعليين وقليل من السنه في الجيش، وان من خلال الغطاء العقائدي للبعث او الاشتراكيين العرب، وبدأ الجيش الوليد يتطعم بابناء المكونات كضباط صغار منذ الاستقلال سيكون بيدهم مصير سوريا في المستقبل.
ثامنا. استمر الاستقطاب على المستوى الاقليمي والدولي فهذا الغرب يطرح حلف بغداد ويحاول ضم سوريا له ورأس حربته حكومة بغداد، وهذا عبد الناصر يصعد موقفه من الغرب ويؤمم قناة السويس، ويتحول بين عشية وضحاها لقائد قومي يرى به اغلب السوريين رمزا وقدوة، ولان البنية السياسيه السوريه ضعيفه امام ضغط الغرب للالتحاق بحلف بغداد، وضغط الشارع الذي يريد الوحده مع مصر ناصر، والقوى السياسيه التي حضرت بقوة؛ خاصة البعث والاشتراكيين العرب الذين توحدوا في وقت ما، واخيرا توافقت النخبه السياسيه المجتمعيه السوريه، وسلمت زمام امورها لعبد الناصر وحصلت الجمهوريه العربيه المتحده .
تاسعا. لم تكن فترة الوحده بما لها وما عليها. الا فترة اعادة ترتيب الاوراق لكل الاطراف السوريه والمصريه والاقليميه والدوليه، فالقوى الدوليه وعلى رأسها امريكا وجدت سابقه الوحده مؤشر خطير يضر بمصالح الغرب والكيان الصهيوني وزرع الارتياب في الانظمه العربيه الملكيه؛ بان مايحصل هو مقدمه لاسقاط سلطاتها، وتحالف الجميع لاجل اسقاط الوحده، واما داخل دولة الوحده فكان دور اخطاء الممارسة الاعتباطيه والغير ديمقراطيه والتفضيليه من المصريبن، تأثيرا على الطبقه السياسيه السوريه التي بدأت تعيد حساباتها، رغم زخم الدعم الشعبي للوحده وعبد الناصر، وخاصة انه كان اقرب لمصالح الناس وخاصة الفلاحين وقدم بعض المكتسبات لهم خاصة بالاصلاح الزراعي، لكن واقع الحال ان القوى السياسيه الداعمه للوحده وناصر بدأت تتآكل، فالبعث الذي كان قد حل نفسه عاد للنشاط سريا، ولجنته العسكريه تشكلت ايام الوحده من الرباعي حافظ الاسد وصلاح جديد ومحمد عمران وعبد الكريم الجندي.( الثلاثه الاوائل علويون والرابع اسماعيلي )، هذه اللجنه ومافعلته بعد ذلك ستتحكم بمستقبل سوريا، وكذلك الاخوان المسلمين المعادين لعبد الناصر اصلا بسبب صراعهم معه داخل مصر على السلطه وتبعياتها، ومحاولة اغتياله والاعدامات التي طالت بعضهم والسجون التي احتوتهم، اما الشيوعيون السوريون فهم اصلا ضد الوحده، تماشيا مع موقف الاتحاد السوفييتي المتماهين معه في كل شيئ.
عاشرا. اسقطت الوحده وتم استثمار اخطاء حكم اجهزة عبد الناصر، وبالتحالف بين الطبقه السياسيه السابقه من بقايا الاقطاع مع رأس المال مع بقية القوى السياسيه التي رضيت بالانفصال وكل لحساباته الخاصه، فالبعث بعضه صمت عن الانفصال وبعضه وقع على بيانه، واللجنة العسكريه وجدتها فرصتها لتعيد ترتيب اوراقها في الجيش والحزب وتخطط لمستقبل تكون هي مركز الحكم، اما اغلب الشعب فقد اصيب بخيبة امل؛ بان الوحدة لم تأخذ الفرصة الكافيه لاختبارها واستثمارها لصالح الشعب في سوريا ومصر، وظهر من وقتها تيار شعبي وسياسي ناصري وجد بعبد الناصر نموذجه وبعودة الوحده هدفا مباشرا، كان تيارا كبيرا لكنه غير مؤطر وغير منظم، سيتم الاستفاده منه لاحقا لاسقاط الانفصال بالتحالف بين الضباط البعثيين والناصريين، ولكن لن يستطيعوا تثمير اسقاطهم للانفصال، حيث سيتم تصفية وجودهم وقوتهم في الجيش لاحقا وبالتدريج، وسيستمروا قوة سياسيه سوريه منفعله بالحدث السوري الذي سيهيمن عليه البعث بلجنته العسكريه تحديدا.
حادي عشر. لم يستطع الانفصاليين الاستمرار بالحكم. بسبب ضعف التحالف الانفصالي. حيث كان تحالف الاقطاع مع رأس المال قد تحجم كثيرا ايام الوحده، وكذلك ممثليه السياسيين، ولم يستطيعوا ان يشرعنوا للشعب السوري اسقاطهم للوحده الا انه لمصلحة الاعداء، ولم يجدوا القوى السياسيه الفاعله التي ستعطيعهم شرعية وجودهم وافعالهم، لذلك كانوا بحكم الساقطين سياسيا، وكان البعث بلجنته العسكريه قد رتب اوراقه لاجل اسقاط الانفصال، واستفاد من الضباط الناصريين، ومن الامتداد الشعبي تحت ادعاء اعادة الوحده مع مصر ناصر، لكن الحقيقة ان اللجنة العسكريه كانت سريه بخططها حتى على قادة البعث السياسيين، وعملت على اسقاط الانفصال ثم مركزة السلطه بيدهم؛ عبر ابعاد الكتلة التاصريه من الجيش ثم دخلت في لعبتها السياسيه الخاصة؛ كصراع مراكز قوى داخل الحزب للهيمنه عليه وعلى السلطه والدوله السوريه.
ثاني عشر. حصلت حركة 8 آذار 1963. واسقطت الانفصال وبنت دولة البعث التي كانت تعتمد في تسويق مشروعيتها على وحدويتها (الصحيحه والمدروسه)؛ وذلك تبريرا لعدم التقدم للوحده الجديه مع ناصر، وكذلك انها تعمل لمصلحة الشعب الكادح وخاصة الفلاحين والعمال، ولعبت على وتر الاصلاح الزراعي ومزيد من الاصلاح الزراعي، واعتمدت تنظيميا على خلق بنية حزبيه للبعث في كل الدوله السوريه كحزب عقائدي مركزي برعاية الدولة وتتفيذا لتوجهاتها، سيمتد لاحقا ليشمل الجيش والطلبه والعمال والفلاحين والنساء وكل منشط عام، ستصبح به السلطه حاضره ظاهرا كحزب و بالعمق كشبكة استخبارات تلاحق كل صغيره وكبيره في حياة الناس؛ ستؤدي اخيرا لتأبيد السلطه وتقضي تباعا على كل المخالفين، وستعدم امكانية وجود اي نشاط سياسي مختلف عن النظام داخل سوريا.
ثالث عشر. سيبدأ البعثيين بعد اسقاط الناصريين المنافسين في الصراع العلني والضمني على السلطه، بين اللجنه العسكريه بقيادتها -التي ذكرت سابقا- وعبر امتدادها بالجيش، وبين الجناح السياسي للحزب بقيادته التاريخيه، وسينتهي الصراع بابعاد القيادة التاريخيه في 23 شباط 1966، وسيتم ابعاد محمد عمران معهم رغم كونه من مؤسسي وقادة اللجنه العسكريه، وسيبعد للبنان وسيغتاله الاسد بعد ذلك، لكن الصراع داخل الحزب بلجنته العسكريه لم ينتهي، حيث استمر الصراع ظاهرا وباطنا بين حافظ الاسد ومن من يتبعه خاصة في الجيش، ويين صلاح جديد ومن يتبعه خاصة في الحزب، لاختلافات في التوجهات السياسيه؛ كالموقف من التغيير الداخلي بين مزيد من الاشتراكيه او اعادة شرعنة الطبقه الرأسماليه وامتدادها الداخلي والدولي، او الموقف المتفهم للغرب ومصالحه حول فلسطين و(اسرائيل) والفدائيين..الخ، والصراع الضمني على السلطه ولمن الكلمة الاولى، ولينتهي الصراع اخيرا لصالح حافظ الاسد الذي استخدم قوته العسكريه واستلم السلطه، وزج بخصومه في السجن في تشرين ثاني 1970.
رابع عشر. بانقلاب حافظ الاسد واستلامه السلطه في سوريا، عمل في السنوات الاولى لحكمه على بلورة سياسة داخليه وخارجيه تتركز على محوريه وجوده ودورة؛ حيث دخل مع القوى السياسيه الداخليه لعبة الجبهة الوطنيه التقدميه، التي ظاهرها تحالف قوى سياسيه للحكم؛ وواقعها تبعية مطلقه لسلطة البعث، التي عمل الاسد لتكون تأكيدا سلطته الشخصيه المطلقه؛ فهو رئيس الحزب وامينه القطري ورئيس الجمهوريه ومتحكم بالحكومه وبمجلس الشعب وقائد للجيش والقوات المسلحه، وعمل على بناء اجهزة امنية متعدده تتبعه شخصيا وتتغلغل في جميع اركان المجتمع، واستثمر الحزب وحوله لاداته الشخصيه المنظمه في الدوله والمجتمع، واستثمره كشبكة زبائنيه مصلحيه انتهازيه، وحوله لمعبر الزامي للتعامل مع الدولة، وجفف الحضور الحقيقي للقوى السياسيه الاخرى، حيث انشقت احزاب الجبهة الوطنيه التقدميه، فمن بقي مع السلطه بقي بحضور رمزي كافي ليقدم مشروعيه شكليه للنظام بانه يعتمد الديمقراطيه الشعبيه، ومن خرج عامله حسب حدة موقفه المعادي ومدى،ضرره بالسلطه، بين المراقب المتربص والباطش عبر الاعتقال والسجن لمدد قد تصل لعشرات السنين، والنتيجه جفف اي نشاط سياسي معارض جدي، وما بقي حالات رمزيه غير فاعله بالواقع، واعتمد الاسد مع الاخوان المسلمين البطش العنفي بعد ان حاولت الطليعه المقاتله ان تتحرك ضد النظام، وانتهت بحملة اعتقال وسجن وقتل ومذابح طالت الكثير من المدن اهمها حماة حيث كان الضحايا بعشرات الالاف، وضربت بذات الوقت القوى الوطنيه الديمقراطيه. بحيث وصلت لحالة الاستئصال لها سياسيا تقريبا.
خامس عشر. اعتمد الاسد في ترسيخ حكمه داخليا على شبكة امنيه عسكريه ذات ولاء مطلق له ولسلطته وقدم لها كل المكاسب عبر شرعنة الفساد والاعطيات ومواقع الهيمنه والسيطره، واستخدم شباب الطائفه العلويه ليكونوا عصب هذه الشبكيه العسكريه الامنيه، عبر الارتباطات العائليه العصبويه والعشائريه ضمن الطائفه، وعبر التغلغل في كل مفاصل الدوله بتدرج ودون ضجيج، ومن خلال الغطاء العقائدي للبعث كحزب عقائدي، وان سوريه علمانيه وانها قوميه واشتراكيه وانها المواجهه للعدو الصهيوني، واقترن كل ذلك بإلغاء السياسه مجتمعيا وتحول السلطه لاداة هيمنه وامتصاص لموارد الدوله والمجتمع، ولالغاء اي مشروعيه مدعاة؛ عن كون السلطه تمثل مصالح العمال والفلاحين، بل بدأت تتخلق طبقه زبائنيه من عائلة الاسد ومن حولها، كطبقه اقطاعيه رأسماليه ستظهر بقوة وللعلن في عصر بشار الاسد، سيتحول الناس باغلبهم في دولة الخوف والقمع الى الركض وراء لقمة العيش والبحث عن فرصة للسفر والبحث عن حياة افضل خاصة في الخليج.
سادس عشر. سيعمل حافظ الاسد اقليميا ودوليا على بناء شبكة مصالح تركز على مركزية سلطته، وتكيفه مع الارادات الدوليه واستثمار ادوار سيقوم بها؛ تحوله للاعب اقليمي مقبول دوليا؛ سيقبل بالقرار 242 المعترف ضمنا ب(اسرائيل)، سيعمل ليهيمن على الثورة الفلسطينيه وليستخدمها ضمن ادواره الاقليميه، وليؤدي لتقسيمها وطردها من لبنان، سيعمل لصناعة حرب تشرين 1973 لتحوله لبكل وتعيد رمزيا القنيطره، وتصنع حدودا آمنه مع (اسرائيل) عبر عقود، سيدخل لبنان ويهيمن عليه ويساعد باخراخ الثورة الفلسطينيه منه، وينهي الحركة الوطنيه اللبنانيه، ويساعد ببناء حزب الله ويحوله لاداة تخدم سياساته في لبنان واتجاه اسرائيل، وليصبح اداة قمع داخلي وليصبح حارس حدود (اسرائيل)، وليساهم بعد حين في قتل الشعب السوري، ردا على ثورة الشعب على حكم بشار الاسد الاستبدادي، سيتحالف حافظ الاسد مع ايران وسيضبط ايقاعها في المنطقه اتجاه العراق ودول الخليج، سيخدم الاسد الاب ادوارا عده في قضية الارهاب الدولي، والقاعده وغيرها حيث سيعرف كيف سيعيد استخدام هذه القوة وجودا وعدما، احتضانا و عداء، لصالحه ولصالح زبائنه من القوى العظمى الفاعله.
سابع عشر. سيتوسع الكتاب في الحديث عن ثلاثية الهيمنه لنظام حافظ الاسد. الجيش (وضمنه الامن) والحزب والبيروقراطيه. وانه اعتمد على ابناء الريف وابناء الاقليات الطائفيه خاصة العلويين، وهذا صحيح لفترة ما لكنه بعد ذلك تحول عن ان يبقى ضمانا وامانا عاما للكادحين السوريين، حيث تأكدوا عبر حياتهم اليوميه انهم ضحايا النظام ولا يمثل مصالحهم بل يستغلهم ويقهرهم، وان اي منتمي للحزب او الجيش والامن و من الطائفه العلويه وغيرها، يتحرك وفق مصلحيه انتهازيه مباشره كخدمة متبادله مع السلطه حسب موقعه وحجمه، وان شرعنة الفساد اعطت للكل فرص الاستفاده من مواقعهم السلطويه، وان الكل ايضا في اعناقهم دين للنظام لصمته عنهم وانهم ان تجاوزوا عن ما تريده السلطه، فهم تحت المحاسبه دوما، لذلك تحولت قوى الجيش والامن ومراكز السلطه لموقع استثمار للجميع يخدم اشخاصهم وليس طوائفهم وان كان اغلبهم من العلويين، وسيتحول هذا الوضع بالثورة السوريه لمأزق يطال ابناء السلطة وخاصة العلويين، اللذين سيدفعون ثمن ولاءهم للنظام من حياة ابنائهم وضد مجتمعهم وتحت راية المستبد في قضية ظلم واضح واجرام دائم ضد الشعب السوري.
ثامن عشر. سيتناول الكتاب في احد فصوله الاسلام السياسي في سوريا ومساره وعلاقته مع النظام صراعا ومآلا، وسيؤكد ان الاخوان المسلمين ينتمون موضوعيا للقوى المدينيه التي ضربت مصالحها بوصول البعث للسلطه. وستبرر هذه القوى تمرداتها وحركتها ضد النظام، لعلمانيته وطائفيته واتهام العلويين باستحواذهم على السلطه اضافة لاتهامهم باعتقادهم وان اسلامهم ناقص او مرفوض، ستحصل تحركات عده وراءها الاسلاميين؛ سواء من اجل الدستور ومادة الاسلام المصدر التشريعي الاول، او ضد السلطه بعد اعتقال مروان حديد قائد الطليعه المقاتله وقتله، واحتدام الصراع خاصة في السبعينات واستعمال النظام للقوة العسكريه لضرب المجتمع وقواه الحيه والسياسيه وليس الاخوان فقط، ومجازر حماه وغيرها من المدن، سيتم استئصال الاخوان من سوريا بالقتل والسجن والاختفاء والهروب، ولن يتجدد حضورهم الا بعد ثورة الربيع السوري، لكن ستظهر نسخة من الاسلام الجهادي ذي الخلفيه السلفيه الوهابيه القطبيه باحدث حضور على شكل القاعده، سيوجد وينمو عبر السجون او الذهاب لافغانستان وباكستان والعراق، وتطورات ذلك ليكون القاعده وداعش والنصره، وكلها موغله في الفهم العنفي الخاطئ للاسلام ودورها المجتمعي السلبي على الناس وعلى الاسلام ايضا.
تاسع عشر. سينتهي الكتاب في اواخر الثمانينات من القرن الماضي. وحيث نظام الاسد قد هيمن بالمطلق على الدولة والمجتمع السوري، وامن علاقات مصالح متبادله مع القوى الدوليه والاقليميه، وبدأ النظام كسلطه ملكيه رئاسيه يعمل لموضوع توريث الحكم الذي سيؤدي اخيرا لتوريث بشار الاسد الحكم.
عشرين. ما لم يقله الكتاب وما لم يصل اليه في تحليله في الزمن مرحلة حكم بشار الاسد، والانتقال الى مرحلة الدولة الرأسماليه الفعليه، وتحول طبقه السلطه لمالكه للدوله كما هي صاحبة السلطه، و لا يصل لربيع دمشق وعودة القمع ودخول سوريا مجددا في القمع العلني، ودخول الشعب في حالة ثبات سياسي. سيتم تحركه بالتأثر بالربيع العربي، وظهور ان تحت رماد الواقع شعب يتوق للحريه والعدالة والكرامة الانسانيه. ورافضا الدولة الاستبدايه ومطالبا بالديمقراطيه للدوله والمجتمع..
لن نستفيض أكثر ما زال للحديث بقية…

Social Links: