الحياة اللندنية – روجر أوين*
في العام 1932، استعان الرئيس المنتخب حديثاً، فرانكلين روزفلت، بأوّل خطاب له لتحذير جمهوره عبر الإذاعة الوطنيّة من أنّ أسوأ المخاوف التي تواجه البلاد، في بداية تعافيها من الكساد الاقتصادي الكبير، هي «الخوف بحدّ ذاته». واليوم، وبعد نحو ثمانين عاماً، انقلبت الأمور رأساً على عقب في شكل شبه كلّي، مع استغلال دونالد ترامب الخوف بمختلف أشكاله، بما يشمل الخوف من المهاجرين، ومن البطالة، وممّا هو أجنبي وخارج عن المألوف، كسلاح سياسيّ شعبويّ يخوّله الاحتفاظ بشعبيّته ضمن مجموعة مؤيّديه المتوتّرين والقلقين من أن يكون كلّ ما يتمسّكون به ويعتبرونه عزيزاً عليهم يواجه خطراً وجوديّاً. لكن على رغم قبول ترامب أحياناً تحمّل مسؤوليّة تداعيات بعض أفعاله، فإنّ إقدامه على إقالة جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي (أف بي آي)، وسط فورة غضب، يثير سلسلة جديدة من المخاوف، يرتبط أهمّها بمسألة يهابها ملايين الأميركيّين أكثر من أيّ أمر آخر، ولا تتوقّف عند الفوضى في البيت الأبيض، ولا عند الارتباك الواضح في وزارة العدل، ولا حتّى عند الأدلة المتزايدة على تدخّل روسيا في انتخابه، بل تشمل جانباً أساسياً واحداً من سلوك الرئيس الجديد بحد ذاته.
لعلّ أفضل طريقة لنبدأ باستيعاب حجم الدراما المتبلورة أمام أعيننا هي مقارنة الروايات المختلفة عن علاقة ترامب بجيمس كومي، حيث بدا بنظر معظم المراقبين الخارجيين أنّ الرئيس كان بدأ يثق به، إلى أن قرّر فجأة أنه يريد رحيله. وبالتالي، وبموجب النسخة الأولى، وغير الرسمية، عن الرواية، راح الرئيس يراقب كومي عبر شاشات التلفزيون، عندما كان يتحدّث عن تدخّل روسيا المحتمل في عمليّة انتخابه، فثار غضب ترامب لأنّه ما عاد محور الاهتمام الرئيسي، ولأنّ أحداً لا يدافع عنه في البيت الأبيض. وبالتالي، أطلق سلسلة من التغريدات الغاضبة، فنعت كومي بـ «المسرح العوّام»، وبـ «شخص يحاول لفت الأنظار»، إلى أن هرع متحدّثون باسمه أمثال كيليان كونواي وشون سبايسر وآخرين، وسط حالة من الهلع وعدم الاطلاع على ما يجري، الى انقاذه في سياق برامج تلفزيونيّة أخرى. وفي تلك الأثناء، ازدادت الأمور سوءاً عندما حفر ترامب لنفسه حفرة أكبر، إذ هدّد كومي بوجود أشرطة سرية في البيت الأبيض تسجّل جميع المحادثات بينهما، من خلال نظام لم يسبق لأحد أن سمع به، وقد لا يكون موجوداً من الأساس.
تتناقض النسخة الأولى عن الرواية مع النسخة الثانية التي أطلقها ترامب نفسه، وتفيد بأنّ الإقالة لم تأتِ نتيجة انفعال مفاجئ، بل أنّ الرئيس سبق أن اتخذ قراره بإقالة كومي منذ وقت طويل، ودرسه جيّداً، بغضّ النظر عن جميع الصور التي أظهرت الودّ بين الرجلين خلال اجتماعاتهما. ومع كلّ ما نعرفه عن طباع ترامب المتقلّبة، تبدو النسخة الثانية عن الرواية مستبعَدة، سيّما أنّها مدعومة من مزاعم مثيرة للشكوك، مفادها أنّ عدداً غير محدّد من موظفي مكتب التحقيقات الفيديرالي يتمنّى رحيل المدير المسؤول عنهم. وتزامناً مع ذلك، ظهرت روايات جديدة صبّت الزيت على النار، إذ أفادت بأنّه عندما قرر ترامب إقالة كومي، أخبره معاونوه أن الديموقراطيين سيُظهرون على الأرجح ردّ فعل إيجابياً عند سماعهم الخبر، بالنظر إلى وجود ضغائن لهم ضدّ كومي. بيد أنّ ما حصل فعليّاً هو عكس ذلك تماماً، إذ إنّ ديموقراطيّين من أمثال نانسي بيلوسي، زعيمة الأقلية في مجلس النواب، أثاروا ضجّة كبيرة دفاعاً عن جيمس كومي.
بالتالي، صحيح أنّه يصعب إلى حدّ كبير تجاهل الانطباع العام عن رئيس لديه أمور كثيرة يخفيها، ويقيم في البيت الأبيض وسط أجواء من الارتباك التام.
وتماماً كما يفيد عدد كبير من الناقدين الذين يمكن سماعهم عبر الإذاعة الوطنيّة والتلفزيونات المحلية، من المحرج جدّاً رؤية هذه المؤسسة الأبية وهي تنحطّ إلى هذا المستوى الهابط، ومشاهدة تداعيات ذلك على المؤسسات الحكومية الأخرى، على غرار وزارة العدل، التي باتت تُدعى بسخرية «وزارة التبريرات»، حيث طُلب منها المصادقة على تصريحات ترامب، في انتهاك ظاهري لمفهوم فصل السلطات الذي تتباهى به الولايات المتحدة.
وكذلك، ولو كانت هناك أيّ نيّة باستغلال قضيّة كومي لتحوير انتباه الأميركيين عن الصلة التي تجمع ترامب بمستثمرين روسيين، فقد تحوّلت هذه القضيّة إلى مصدر أساسي لتحوير الاهتمام، وباتت تهدّد إلى حدّ كبير قدرة الرئيس على استيعاب أجزاء أساسيّة من جدول الأعمال التشريعي، بما يشمل مثلاً الاستعانة بالكونغرس لنقض قانون الرعاية الميسّرة الذي سنّه سلفه. وتماماً كما يحصل مع فتى صغير فُضح أمره هو يكذب، يبدو ترامب مضطراً أكثر وأكثر إلى تغطية الإساءة التي صدرت عنه أساساً.
لكنّ الأمر لن يتوقّف هنا، إذ يواصل ترامب متابعة ما يعتبره إهانات صادرة عن الآخرين بحقّه، كما حصل عندما طالب بإعادة إحصاء أصوات فيرمونت في الانتخابات الأميركية الأخيرة، حيث رمى مسؤوليّة هزيمته على هيلاري كلينتون، وأطلق مزاعم غير مثبتة بأنّ كلينتون استقدمت عدداً كبيراً من المؤيدين لها من خارج الولاية، وهو أمر لا يملك أيّ دليل عليه على الإطلاق. وترامب على ما يبدو رجل لم يقرّ يوماً بمسؤوليّته عن أيّ سوء تصرّف صادر عنه، وهو يجد دوماً شخصاً يلقي اللوم عليه، ويتّهم دوماً شخصاً آخر، مثل جيمس كومي، بسوء التصرّف.
يتناقض ذلك مع ما يتعلّمه كلّ الأطفال الذين يدرسون في المدارس الأميركيّة عن رئيسهم الأول، جورج واشنطن، الذي اشتهر بأنّه قال لوالده: «لا يمكنني أن أخبر كذبة». أمّا الآن، ووسط جوّ من الامتعاض الشديد، لا يمكن لأيّ كان في الولايات المتحدة أن يعرف إذا كان رئيسهم يخبرهم بالحقيقة.
* أكاديمي بريطاني – جامعة هارفارد

Social Links: