مخاض المصطلح الجديد (1/2) ــ  إبراهيم اليوسف

مخاض المصطلح الجديد (1/2) ــ إبراهيم اليوسف

 

المقدمة:

باتت  لحظة التحولات العظمى التي نشهدها، على نحو جلي، على امتداد الأربع والعشرين ساعة في يومنا، نتيجة التطورات الهائلة التي تتم في عصب الحياة العامة، وتنعكس على تفاصيل الأنساق الثقافية الراهنة، بما يشبه صدمة ذات إيقاع عال، لا يمكن غض النظر عن معطياتها التي لا تنتهي، وهي تمسُّ مفردات حياتنا العامة، في مجالاتها كافة، الثقافية منها، والسايكولوجية..إلخ، ناهيك عما يتعلق بشؤون العيش،  وهو ما يدعونا إلى استقراء تفاصيل المشهد، مادمنا في مسيس الحاجة إلى  تشكيل مقاربات لفهم فضائنا، ضمن إطار مقارباتنا في فهم ذواتنا، وأسئلتها، لاسيما وأن معاينة أية ظاهرة من حولنا تبين وجود بون شسيع- في حدود الرؤية المعهودة -بين ما حدث ضمن إطار زمني  محدد، معياره: السنة، المتعارف عليها، بما يبز ما تم في دورة زمنية هي معادل الوعي، وإن كان تاريخ المنجز الآدمي تكونه متوالية من المفاصل والحلقات المتكاملة، على اختلاف أسماء، وأهواء، ورؤى،  وأمكنة، وأزمنة ولاداتها، لأنها- في المحصلة- ليست إلا تراثاً كونياً  تنعكس ثماره  على كل ما هو إنساني.

ولو استقرأنا  سايكولوجياً أي امرىء منا تجتذبه وسائل الاتصال والتكنولوجيا، فإننا لنكتشف علامات فارقة ما، في تفاصيل حياته اليومية، ترافقه منذ استيقاظه الصباحي وحتى غفوته بل وربما ما بعدها-أيضاً- للاحظنا تبدلات جلية جارية-بهذا القدر أو ذاك- وهي تؤثر على علاقته بالمحيط،  بل على ذاته،  لأن تعمق درجة القطيعة مع الآخرين- على سبيل المثال-  يتعالق  مع قطيعة سابقة- في الأصل- مع الذات، وذلك تبعاً لدرجة تفاعله مع هذه الوسائل ما بعد الحداثية التي لابد وأن يخضع  التعاطي معها لسيطرة إرادية مسؤولة.

هذه الخطوط العريضة، تنطلق منها فصول هذا الكتاب، وإن من خلال مغامرة  أولى لتسجيل مقاربات ما من عوالم عدة،  نستجلي من خلالها حجم هذه التحولات ذات الإيقاع العالي، ومدى انعكاسها الفكري والسلوكي علينا، أينما كانت مواقعنا، وتصوراتنا، وقناعاتنا..، باعتبارنا شهوداً  في فضاء هيولي من التبدلات الدراماتيكية، بعد أن  تضاءلت أدوار أدوات التأثير التقليدية  نتيجة حلول أدوات أخرى عوضاً عنها، بل أن بعض هذه الأدوات إما أن يشهد هزيمته، أو مواته الافتراضي أو الواقعي، ومن بينها ما يتعلق بالفكر والفنون والثقافة والاجتماع و غير ذلك.

إن ثورة المفاهيم الجديدة لا يمكن غض النظرعنها، مادامت قد غدت أمراً واقعياً، يؤثر في مستوى السياق الحياتي العام، لاسيما وأن منها ما يؤسس للمبادلة مابين رؤى وأخرى، حيث أن الجديد ينسخ القديم، إلى الدرجة التي نجد فيها أن هذا الشكل النسخي قد طاول معجم المصطلحات، فما أكثر هاتيك المصطلحات التي كانت تؤسس قوام حوارات الإنتلجنسيا، بل والعوام، وهو في محتواه، وعمقه، هدم لخلايا الذاكرة، و هو هدم لوجدان الآدمي، وتاريخه، بغض النظر عن مهمة تقويم ما يجري إن سلباً أو إيجاباً.

وتظل الكتابة  كأحد أهم إنجازات حالة الوعي البشري غير بعيدة هي الأخرى عن مختبر التبدلات الجارية، لاسيما بعد أن باتت بعض مختبراتها تشير إلى تقهقر وتائر تأثيراتها، أو خفوتها، لاسيما في ما يتعلق ببعض مجالاتها، بعد تسيد الصورة الإلكترونية التي تعاظمت سطوتها، مادامت طريقة تقديم مشهد ما، أو لقطة ما تستطيع أن تجدي أكثر من عشرات المجلدات، وهو ما يضع على-طاولة الحوار- قضية جد إشكالية، في ما يتعلق باستقراء جدوى المدونات  في سياق  حدود راهنتيها، ومستقبلها، مادامت إحدى أعظم رئات الوعي والحضارة والإبداع، إذ لا يمكن النظر إلى خط سير التطور الذي نشهده إلا في ضوئها، بما في ذلك الوسائل المتهمة باستنساخها…!.

يأتي هذا الجهد المتواضع في إطار حوار التحولات التي تتم، وانعكاسها في مجالات الحياة والرؤى، كأحد العناوين التي تحتاج إلى المزيد من الاشتغال عليها، و هو في حدود تشخيصه لا يتجاوز مجرد طرح الأسئلة التي قد تساند بفيض من الأسئلة الموازية، مادامت تتنطع لمقاربة وتفكيك ما يجري، باعتباره غير عادي، ويكاد يكسر معيارية ما هو منطقي ضمن دائرة مفاهيمنا التي باتت أكثر ارتباطاً بدورة زمن جد سريع..!.

إيسن- ألمانيا  14/6/2015م

نظرية قيد التأسيس ومخاض المصطلح الجديد .. 

  1. استقراء الالتباس

ثمة إشكال كبير يظهر- فجأة- في لحظات التحول الشديد- كما في حالات الثورات والحروب- متمظهراً في إطار ما هو مستجد يومي، خارجاً عن مألوفية الحدث الذي طالما يفرز أدوات إيصاله وتلقيه، من دون جهد كبير وإمعان نظر، عبر تحولات بسيطة، في كل مرة،لا تستعصي على كل من يتسلح بأولويات الرؤية، والمرجعية الفكرية، بل والموقف، حيث يتم فهمها ضمن دورتها، من خلال ملاحظة ما هو جديد فيها، وإن كانت – الجدة- هنا محض نسبية، في الحالات العادية.

ولعلَّ طمأنينة تلقي الحدث، تتم- عادة- في ظروف الرَّتابة، من دون أن يكلف الباحث” وهو هنا   الكاتب/ المثقف”  إرهاق نفسه، ما يجعله أمام حالتين متناقضتين، إحداهما: التراخي والكسل، وثانيتهما تهيئة ظروف تجاوز الذات، والعام، من خلال الحفر المتأني، حيث لكل من هاتين الحالتين فضاؤها الخاص، لينوس  بينهما، حسب إمكاناته، كي يكون من نتائج ذلك نصان، أحدهما مكرِّر لذاته وللآخر،  والثاني يحرز إضافاته المتتالية في كل مرة، وإن كان الأول يتحايل على ذاته- في بعض الأحيان- مموهاً بتقديم ما هو جديد، ويكاد ذلك لا يتعدى إهاب الشكل، أما الثاني- و هو النادر ندرة الأحجار الكريمة والنفيسة- ينتج ضمن اشتراطاته، ومناخاته، غير العادية.

ومن يمعن النظر في سبب تلكؤ القراءة الصحيحة، في مثل هاتيك اللحظات التحولية، يجد، أن ذلك يعود إلى السرعة الخاطفة لوقوع الحدث، الجديد، وهو يحرز المفاجأة تلو التالية، بما يجعل زمن البتّ فيه، وامضاً، يحتاج إلى عمق معرفيّ روحيّ فريد، للتكيف مع اللحظة وتحقيق التوازن الذَّاتي، في حضرته، لاسيما عندما يكون من ذلك النوع الغارق في الصَّدمة، والإثارة، وهو ما يمكن تشخيصه في الأثر الذي تتركه آلة الحرب من أفعال وردود أفعال، وتداخلات، وتشابكات، بل و كرٍّ وفرٍّ، وقد يزاداد  الأمر تعقيداً عندما تتوالى مشاهد مثل هذا الحدث، لتكون لكل منها ملامحها الفارقة، غير المستنسخة.

بدهيٌّ، أن الباحث، وبحكم اختلاف طبيعة رؤاه، وتفكيره، وتفاعله مع الحدث مختلفاً في جوهره عن طريقة تفكير السياسي، الذي سرعان ما توفر له مهاراته الخاصة سلسلة تسويغاته، التي يقدمها لمن حوله، كي تتعكز على جانب، أو أكثر، من حرارة المشهد، وتسخره من أجل آرائه، ليكون قادراً على إقناع من هم حوله، لاسيما في ما إذا كان يستند إلى مرجعيات كبرى: وطنية، وإنسانية، وروحية، لينطلق منها، في مواجهة الرأي الآخر المختلف، مادام أنه  وبحكم مراسه، يتمكن من إنتاج الرأي ونقيضه-في حال لزومهما- ليسلح بهما موقفه، وينتقل بين المتضادات، عند الضرورة، حسب مقتضيات حاجات البرهة المعيشة. وهو ما يختلف عن عالم  الباحث/المثقف الذي يستند على مقياس ثابت، يخضع له مجريات الواقع، وإن كنا هنا سنواجه عطالة تراكمية خطيرة، في حال عدم مواكبة التوترات المستجدة، وما ينجم عنها،حيث لابدَّ له من أن يكشف عن معطيات بوصلته، ونقد اللحظة، من دون افتقاد موازينه الرئيسة، التي يعود إليها، في لحظات تضبب الرؤيا، ليستطيع إنتاج خطاب متزن، يلحق بالمجرى اليومي، يسبره، ويتوغل إلى لبِّه، كي يحتكم إليه السياسي نفسه، كما يحتكم إليه المتابع، ليكون بهذا صمام الأمان الذي يؤدي دوره في أشد المراحل حساسية في حياة وطنه ومواطنه…!.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply