ومن هذه الناحية تبدو حالة حلب، ثاني أكبر مدن سوريا، و”مدينة التاريخ” كما قيل عنها، والمدينة التي ظل إيكوشار (سالف الذكر) يحيل عليها كمرجع عالمي، لافتة للغاية. وكانت المدينة قد شهدت نهاية السبعينيات من القرن المنصرم علامات نمو وعي ثوري جنيني مضاد لنظام الأسد. ومع دخول الثوار إليها في تموز 2012 رأى النظام في ذلك تحديّا مباشرا له ولـ “سوريا الداخلية” أو “سوريا المفيدة” كما يصطلح عليها؛ ومن ثم خيار العسكرة ونهج الحديد وسفك الدم وتعطيل الجسور ونسف المباني على رؤوس أصحابها… إلخ، ومن ثم خيار/ عنوان “الجغرافيا تصلح أداة للحرب”.
ومع نشوب الحرب كان من المفهوم أن يضع من زار المدينة، ومن موقع الدارس للآثار والمعمار أو من موقع المتفاعل مع جمال المعمار، يده على صدره (كما يقال في التعبير الدارج) خوفا ممّا يمكن أن يلحق المشهد الإجمالي والتفصيلي للمدينة من دمار من المؤكد ألا يميّز بين الأحياء العربية وغير العربية من المسيحية والكردية والتركمانية.. جنبا إلى جنبٍ مع المساجد والصروح والمدارس والحمامات والأسواق والأبواب التاريخية… وذلك كلّه في دلالة على طرازات هندسية وأشكال من الزخرفة والأشرطة الكتابية وأعداد من القطع الأثرية… إلخ. هندسة معمارية تعود إلى القرن 12 الميلادي، أو أكثر، ودالة على طرازات من العصر المملوكي والفتح العثماني… غير أنها انتهت إلى يد “تتار جدّد” لا يقلون عطشا للتدمير والتطهير والتمزيق. أخطار هؤلاء، على المباني الأثرية والمعالم التاريخية، أفظع من أخطار الزلازل والسيول والأمطار والصواعق… إلخ. ولا يبدو غريبا أن تكون كلية الهندسة المعمارية في جامعة حلب، في 15 يناير (كانون الثاني) من عام 2013، عرضة لقصف صاروخي في يوم دام ذهب ضحيته 82 ضحية من الكلية ذاتها.
صحيح أنه، في الحال السورية وكما في الإعلام المرئي الحربي، هناك حرب على أرض الواقع وحرب في التلفزيون أو كما يقدّمها التلفزيون. وصحيح أن عمليات إخفاء وتفويت ونهب وسرقة… طالت التراث المادي والمنقول، لكن جميع المؤشرات تدل على مخطّط يهدف إلى تجريف الهندسة المعمارية وتدمير التراث المادي الثقافي للمدينة وتفتيت “كلاسيكيات” الديموغرافيا الاجتماعية. وكما يقول جان كلود دافيد (Jean-Claude David) (الباحث المشارك ضمن فريق آثار الشرق في المركز القومي للبحث العلمي) (Archéorient du CNRS): “لم يكن جوهر التدمير بفعل الخسائر الجانبية للمعارك أو تدمير مردّه أسلحة معارك الشوارع، والعصابات، بل إلى استخدام وسائل خصوصية، كُيِّفت لأهداف التدمير. فالحرب الجارية هي إذن أيضاً حرب تراث، موازية لحرب الأسلحة والجيوش، لكنها لا تبدو ثانوية بل وحتى إنها في بعض مظاهرها يمكن لحرب التراث هذه أن تكون الحرب الرئيسة”(17).
وكما أن المسألة ليست مسألة حرب على أحياء في أفق تحريرها أو استرجاعها بأي شكل من الأشكال، وإنما هي مسألة أو بالأدق استراتيجيا اجتثاث واستئصال في سياق “الذبح المعماري” المقصود والمتعمد. يواصل جان كلود دافيد قائلا: “ومن الواضح أن هدف الاستعادة لا يقتصر على استرجاع مجموع الأحياء لإعادة ضمها إلى الكيان العمراني وإعادة تكوين وحدة كانت على الدوام جزئية وغير متساوية، بل هو في أفضل الحالات استرجاع فضاء نُظِّفَ من سكانه لتعميره من جديد حسب معايير جديدة وربما في جزء منه مع سكان جدد وفعاليات جديدة، فضاء فُرِّغ من المتمردين الذين استقروا فيه ومن السكان الذين آووهم طوعاً أو غصباً، وكل ذلك بمساعدة الروس بلا شك، وربما من خلال إعادة إنتاج نموذج غروزني”. والمخطط له: “مدينة مختلفة سوف ترى النور بعد الحرب، مقطوعة عن الموروثات وأنها لن تبنى من جديد على القواعد نفسها والمنطق نفسه”(18).
وإجمالاً كان التمدين المنفلت، وفي المدار ذاته الذي يجعل منه مجلى للاستبداد السياسي والبلوكاج الاجتماعي(الانغلاق) والتصحّر العقلي، والفوضى والعبث، ليس في وجع الإنسان العربي فقط، إنما في تشوّيهه ــ جسديا ــ أيضا. والظاهر أن “علم نفس المسحوقين”، أو “المضطهدين”، الذي مارسه فانون ضد “ذل الاستعمار”، من أجل فهم ما نعته فانون نفسه، في كتابه “معذبو الأرض”، بـ “الاختلالات النفسية” (Troubles) التي كانت تعتصر “الإنسان ــ المستعمـَر” نتيجة الاستعمار، يفيد في السياق العربي المعاصر. فالاستبداد العربي كان له تأثيراته على “الجسد” ذاته، ومن ثم أهمية تنزيل السياسة من المجرد إلى مجال الجسد لاستخلاص “التشوهات” التي طالت هذا الأخير نتيجة تراكم طبقات الاستبداد؛ ولعل هذا ما قصد إليه الفيلسوف ميشال فوكو بـ “السياسة الحيوية” (Biopolitique). وكان فانون، بدوره، قد تحدّث عن “التوتر العضلي” (Musculaire)(19) الذي تسبّـب فيه عنف الاستعمار الوحشي بشكل مباشر. و”السلطان على البشر يعني دائما السيطرة على أجسادهم” كما يقول الباحث الأنثروبولوجي كريستوف فولف (Christopher Wolf)(20).
مؤشر الربيع العربي “المعماري”:
في الحال العربية ككل، وفي ضوء معيار الربيع العربي، وعلى مستوى المعمار، من الجلي أن تكون الحصيلة مدينة منهكة… ومتهدّلة ومتآكلة بشكل يومي. إجمالا إن ملف التمدين تضاعفت مشكلاته، ولا باعث على الانتساب للمدينة أو تلبية هذه الأخيرة لقدر من حاجيات الأفراد في المدى المتوسط. مدينة تبدو بدون هوية وبنية ودلالة، ولا أمل يحرّر النظرة من أن تتراوح ما بين أنياب الفوضى والانفلات والتجريف والمحو والاجتثاث… على مستوى التعاطي للهوية المعمارية للمدينة العربية. هناك اختلاف لكنه يطال الدرجة وليس النوع. ومن ثم أهمية النزول إلى الأرض، في دلالة على التشابك مع الموضوع، بدلاً من التخندق في نظرة فوقية كما قلنا في المقدمة. إجمالاً “الثورة من فوق” غير كافية، وقبل ذلك لا تفي بتدارك ما ينبغي تداركه من تجريف من الأسفل. فالفرن، أو الأبوكاليبس، قائم على الأرض ذاتها.
وعلى مستوى آخر من غير المفيد أن ننجرف نحو “خطاب النهايات السعيدة”، ونتحدّث ــ بالتالي ــ عن “موت المدينة العربية” التي آثرنا الحديث عنها من خلال نماذج محدّدة. وحتى أحياء الصفيح أو العشوائيات (في قواسمها المشتركة بدلاً من تسمياتها المتعدّدة)(21)… لا نفهمها بالشكل المطلوب. فـ”أحياء الصفيح ليست نتاجاً للبؤس، ولكن الطريقة التي تتشكّل بها […] تخلق حياةً بائسة” كما قال إيكوشار قبل عقود من الزمن(22). لم نبلغ بعد مرتبة الوعي ومرتبة الدفاع عن ما يصطلح عليه بـ “الحداثة القصديرية” التي نراها في أفلام بلدان مثل تركيا وبلدان من أمريكا الجنوبية.
وهنا لا نصدر عن أي نظرة تخلط ما بين المقاربات والتخصّصات والاستراتيجيات، وقبل ذلك لا نرغب في أن نوحي بأي نوع من التطاول على أدوار خبراء ما يعرف اختزالا بـ”E.B.S” (“دراسات سلوكيات البيئة” (Environment – Behavioral Studies) التي تمكّن المخطّطين من توقّع الأزمات الناجمة عن برامج التنمية ومشاريعها(23). وكما أننا لا نوحي بأي نوع من التطلّع إلى مزاحمة الباحث أو حتى المثقف المعماري؛ غير أن ذلك لا يعفي المثقف العام، النقدي تعيينا، من الاضطلاع بأدواره لا على مستوى توسيع دوائر “حكايات المدينة العربية” فقط، بل على مستوى استخلاص “معاني المدينة” أيضا. ذلك أن المدينة ليست مجرد تخطيط وتصاميم ومقاييس… إنما هي ترميزات سيميولوجية وأبعاد أنثروبولوجية وثقافية أيضاً. والرهان، كذلك، على ما يمكن الاصطلاح عليه بـ “عمل المدينة” ومدى استمرارها في العمل كمواقع للهوية والثقافة والذاكرة والسرد والإنتاج (24). وذلك كلّه وقف على الانخراط في نوع من النقاش العام وفي دلالة على أن الهندسة المعمارية، أو التعمير بعامة، وسيلة لتسيير المجتمع قبل أن تكون وسيلة لتسيير المجال. والعدالة الاجتماعية لا يمكنها التحقّق إلا من خلال الكيفية التي يتمّ بها تدبير هذا المجال وتسييره (25). ومن ثم نقل ملف التمدين على مستوى التطلع إلى “مؤشّرات” ما بعد الربيع العربي.


Social Links: