الفارس محمد الفارس

الفارس محمد الفارس

 

جنان الحسين

شعر السوريون كافة بالغبطة والفرح والنشوة صبيحة يوم 22 تموز 1987  حين انطلق السوري الوسيم صاحب الابتسامة الودودة وابن حي الدلّالين ..الحي الشعبي الحلبي  رائد الفضاء الواعد بالكثير المقدم محمد أحمد فارس مع اثنين من الرواد السوفييت وعلى متن المكوك ( سيوز تي إم 3 ) قاصدين المحطة الفضائية مير حيث أمضى هو ورفاقه ثمانية أيام في الفضاء تحدث عنها فيما بعد بكثير من الاعتزاز والحماسة . حيث أجرى  خلال هذه الرحلة  13 تجربة علمية وأطلق على هذه التجارب أسماء تاريخية سورية   وبعد عودته نال لقب بطل الاتحاد السوفيتي وحصل على وسام لينين ووسام بطل الجمهورية بالإضافة إلى إلقائه الكثير من المحاضرات التي تتعلق بعلوم الفضاء ومشاركته في العديد من المؤتمرات وفي أكثر من بلد متحدثاً عن تجربته وعن دهشته لرؤيته الأرض من علٍ وتساءل أكثر من مرة مستغرباً نشوب الحروب على كوكب الأرض المتناهي الصغر في فضاء كوني  بلا حدود! !!.

لكن هذا الرائد الطموح والذي حلم بإحداث وتمويل معهد وطني لعلوم الفضاء وذلك لمساعدة السوريين الآخرين في السير على خطاه  خاب فأله حين طرح هكذا فكرة أمام حافظ الأسد والذي رفضها ولم تجد قبول لديه  مما جعله  يعيش لحظات الأسى والمرارة والصدمة إثر ذلك وتبين له أن النظام لم يرغب البتة في وضع العلوم المتقدمة بين أيدي السوريين النجباء كونه يخشى هذا الشعب العظيم إن نهل العلوم الرفيعة  ..وما رحلته التي تاجر بها النظام كثيراً سوى دعاية أراد منها الترويج لنفسه كما هي العادة.

بعد ذلك شغل محمد فارس منصب رئيس «أكاديمية سلاح الجو» إلا أنه كان يعاني من بيروقراطية بليدة ووصايات متعددة دفعته ولأكثر من مرة لرفض أوامر شفوية من الجهات الأعلى كونها كانت غير قانونية وكان يؤلمه الفساد الواسع الذي يمارسه النظام وأركانه وهو النقي الشريف عفيف النفس وأبيّها و الذي لم يستطع نظام الفساد إفساده وظل ملتزماً بأخلاق الجندية السورية التي أرسى دعائمها وزير الحربية السورية  وبطل  ميسلون الشهيد يوسف العظمة و التي تأبى الضيم أو تصغير الأكتاف أمام الطغاة…وكان محمد فارس يعرف طبيعة النظام الأسدي وكيف يعمل على  تدمير منظومة القيم الأصيلة للمؤسسة العسكرية السورية والتي أحالها من مؤسسة وطنية ذات تقاليد راسخة إلى مؤسسة طائفية تعاني من التراجع والضعف المستمرين وتكرّس عبادة الفرد والولاء لمن سطا على السلطة وجعل السياسة في سوريا شأناً عائلياً وأشاع قيم المحسوبية والرشاوى وتعميم ثقافة الخوف عنواناً عريضاً لمسيرته من أجل ديمومة نظام لا وطني يعمل على الدوام وبشكل ممنهج على إضعاف مناعة سوريا وأهلها وتقريب أشباه الرجال من مواقع السلطة والتسلط  .

وحين انطلق أباة سوريا وفتيانها الأشاوس محطمين جدار الخوف الأسدي بحناجرهم التي صدحت للحرية كان أبناء اللواء محمد فارس يشاركون في هذا الحَراك المدني المطالب بإسقاط النظام …وكان هذا الجندي السوري الأبيّ عالماً بطبيعة النظام وعقليته البوليسية والتي ستذهب بعيداً في ارتكاب الفظائع بسوريا وأهلها المنتفضين والرافعين لشعارات الحرية والكرامة بشجاعة قلّ نظيرها..

لقد شارك اللواء محمد فارس  بالثورة عبر أساليب سريّة وكان يتألم لما تفعله شبيحة النظام وسفاءه بالشباب الثائر ..وكان شاهداً على المجازر التي بدأ النظام وبكل وحشية يرتكبها وعبر براميله العمياء ( وهذا التوصيف يعود للواء فارس ) ضد المدنيين العزل من خلال قصف أحياء أهله في حلب الشهباء والغوطة في دمشق وغيرها…وحين أصبح وأسرته في دائرة الاستهداف قرر مغادرة سوريا واللجوء إلى تركيا ومتابعة دوره الوطني الشريف عبر نشاطه ودأبه المستمرين فاضحاً طبيعة هذا النظام وفساده ووحشيته..

إن حرائر سوريا وأحرارها الذين اعتزّوا بمن ركب صهوة المجد يوماً وسافر برحلته الفضائية نحو النجوم  كي يوصل للعالم رسالة مفادها : أن السوري سيظل مدنياً وحضارياً بطبعه وحالماً بغدٍ أفضل على الدوام…هم على قناعة تامة أن الفارس سيظل فارساً وفياً لوطنه وأهله.. نفوه  للريح ولم يعلموا ان للريح لواقح.. بين عهر رصاصهم وغدر ليلهم ….

سلاما وأنت تعبر غدرهم  بشموخ قامتك.

 

  • Social Links:

Leave a Reply