(1-ميلانو)
سأل بطل الرواية : لم أراك حزينة يا أمي ؟ فأجابته : سمعت أصدقاءك الذين كانوا في غرفة الضيوف يقولون عن الإله أمورا سيئة . فقال لها مبتسما : نعم، لكنهم لا يقصدون الإله الطيب الذي تحدثينه كل يوم قبل ذهابك إلى النوم، إنما يقصدون الإله الشرير الذي يهددنا به الكهنة (من رواية الأم لمكسيم غوركي، بتصرف بسيط) …
إذا يا عائشة، ما هو السبب في انحيازك للماركسية ؟ فأجابتني : إنها قصة الأم التي ذكرتها في بداية نصك هذا، و أنت كيف أحببت الماركسية ؟ قلت : إنها فعلا صدفة، أنا أيضا أحببت الماركسية بعد قراءة هذه الرواية . سألتني عائشة : و ما رأيك بما قاله بطل الرواية لأمه ؟ أجبتها : لقد قدم لها إجابة صحيحة، نعم الإله واحد، لكن صورة الإله في أذهان البشر تختلف من إنسان إلى إنسان، و هذا هو سر تعدد الأديان السماوية والأرضية وتعدد طوائفها وطرقها ومذاهبها، و … عائشة : إذا فأنت مؤمن . أجبتها : نعم … أخذت عائشة رشفة من كوب الميلو، ثم نظرت إلى الساعة وقالت : ما زال لدينا وقت … وجهت عيناي عبر الزجاج إلى الشارع، لا لكي أراقب حركة السيارات و المارة، إنما لكي أعيد صياغة الأسئلة التي كانت تتشابك مع بعضها في ذهني، و أهمها: هل ستوافق عائشة على الزواج من إبني ؟ و …. أليس من الأفضل أن يقوم إبني باختيار شريكة حياته ؟… قالت : كيف ؟ خرجت من حالة الشرود، و توقفت عن صياغة الأسئلة، و قلت : كيف ؟ قالت : قصدي كيف تكون ماركسياً و مؤمناً في نفس الوقت ؟ قلت : أين المشكلة ؟ قالت : أليست الماركسية ملحدة ؟ قلت : لا يجوز ربط الإلحاد بالماركسية، الإلحاد مسألة مستقلة، نيتشه مثلاً كان ملحداً و لم يكن ماركسياً، و غيره كثيرون، نجدهم هنا وهناك، في اليمين واليسار والوسط، أصلا لا يمكننا استعمال أدوات العلوم في محاكمات علم اللاهوت … هنا انتبهت إلى نفسي، لم استرسلت في الحديث؟ ليس الوقت والزمان مناسبين لهذا الاسترسال، يجب أن نتحدث في موضوع آخر قبل ذهابنا إلى الندوة …
(2-أثر الفراشة)
دخلت أثر الفراشة، تتقدمني عائشة، ثم بدأت أبحث عن كرسيين فارغين . لمحت بيير، بيير هذا صديق قديم، بيني و بينه كثير من المودات و المغفرات، بالإضافة إلى كثير من الأمسيات في مقهى منتدى الشام و العندليب و مطعم الشباب … كالعادة، لم تبدأ الندوة في موعدها المحدد، لهذا قتلت الوقت بتفقد الحاضرين : هذا أبو رامز، هذا مدرس الفيزياء أبو تمام، هذا محمد الطالب في كلية الآداب، هذه فيحاء محامية إنما تكتب الشعر، أما ذلك الشاب في الصف الثالث من الكراسي فهو إبني هيثم … بدأ أحمد بكلمته، حيث رحب بالحاضرين، ثم قدم لمحة قصيرة عن الشاعر معين بسيسو … أما أبو رحمة فقد توسع في سيرة المرحوم بسيسو و قرأ نماذج من أشعاره، و كان الجهد الذي بذله المحاضر في إعداد تلك الأوراق التي في يديه واضحاً، و قد أنارت أوراقه وأوضحت لنا مناقب الشاعر و خصوصية شعره … الصدفة حصلت، و هذه المرة كانت حلوة، إذ دخل صديقي العزيز أبو رامي أثناء فترة التعقيبات و المناقشات، و قبله دخلت زوجته، و كان دخولهما بمثابة سفينة الإنقاذ، فهما يسكنان في نفس الحي الذي تسكنه عائشة، أي أن حيرتي تبددت، و أصبح لدي فرصة معقولة لتحقيق التعارف بين هيثم و عائشة، خصوصاً لأن أبو رامي جاء إلى الندوة بسيارته … لم أتباطأ، بل ذهبت فورا، بعد انتهاء الحوارات و المداخلات، سلمت على أبو رامي و قبلته، ثم سلمت على زوجته، بعدها خرجنا جميعا إلى الشارع، و قمت بتعريف عائشة على الجميع بما فيهم ابني هيثم، ثم قلت لأبي رامي، بعد أن أشرت له إلى عنوان منزل عائشة : أنت تعرف أين يسكن هيثم، و أرجو أن تأخذ عائشة أيضاً إلى منزلها، لأنني ذاهب إلى مشوار آخر مع بيير … هكذا انطلق أبو رامي بسيارته مع زوجته و ابني و عائشة المهذبة الذكية …
(3-العندليب)
رغم صحته الظاهرة، التي تجبره على السير متهادياً، فهو يتمتع بلياقة مقبولة، و حضور مميز . بدأ يوزع سلامه و تحياته، و أحياناً قبلاته، على العديد من الموجودين في مطعم العندليب، هكذا، إلى أن وصل إلى طاولتي و سحب كرسياً خشبياً، قبل أن يجلس عليه أمامي … بدأت الحديث معه بسؤالي : أين عبد الله ؟ لم يأت إلى المعهد . فأجابني : لم يأت إلى المعهد ! ربما لم يجد من ينقله (هنا صاح بالكرسون : أبو علي، أين الدنان ؟) … صب كأسه، ثم أشعل سيجارته وقال : الدنان أفضل من الريان . فعلقت على قوله : لكن الميماس له عرق حلاوة . قال لي : أنت متحيز لكل شيء حمصي . فأجبته : نعم، لكن هذا لا يعني أنني لا أحب حلب . على فكرة، ما هي أخبار حارتكم ؟ هل تتعرض للقذائف مثل حارتنا ؟ فأجاب : أو و و و و … البارحة احتل الشبيحة مفرق الإذاعة و دخلوا الحارة و قامت (الحابورة) و (صار طق الفشك) … سألته : و ما هي أخبار جارتكم عائشة ؟ نظر إلي محدقاً و واجما : هل تقصد طالبة الهندسة ؟ فأجبته : نعم … سكت قليلا ثم قال لي بنبرة حزينة : يا حرام … ماتت بالقذيفة منذ يومين …

Social Links: