مخاض المصطلح الجديد (5/2) ــ إبراهيم اليوسف

مخاض المصطلح الجديد (5/2) ــ إبراهيم اليوسف

 

ثورة التكنولوجيا ..

_ ثورة الصورة الضوئية : 

منذ أن عرف الإنسان التصوير لأول مرة، فإنه قد دخل مرحلة جديدة من حياته، حيث لم  تعد الصورة الشخصية حلماً لديه، بعد أن كان يحتاج في ما قبل إلى  ريشة ذلك الرسام الذي كان مطالباً بأن يمعن في ملامح الشخص الذي يهم بنقل تفاصيل صورته إلى الآخرين، عبر عمل فني استثنائي يخصص عادة لواحد من الشخصيات المهمة، كأن يكون: ملكاً، أو بطلاً، أو رجل دين، أو أديباً كبيراً إلخ…أجل، إذ يمكن اعتبار ظهور الصورة الفوتوغرافية في التاريخ البشري ثورة مهمة ذات شأن خاص، حيث لم تعد الصورة ترفاً ارستقراطياً صرفاً، أو امتيازاً، بل إنها باتت متوافرة للخاصة والعامة في آن واحد، وإنه من خلال جهاز التصوير نفسه الذي يلتقط صورة لشخصية اعتبارية في مكان ما،يتم التقاط صورة مماثلة لأي فرد بسيط في المكان نفسه، إنها تساوي بين الحاكم والمحكوم بين الملك والمملوك. والصورة وفق هذا المعنى كانت ثورة كبرى، ساوت بين كل هؤلاء،  مادام أن آلة تصوير واحدة تلتقط صورة كل منهم على حد سواء، وإن كل وجه بشري بات في إمكانه أن يترك أثره وراءه، دون أن يمحى بعد رحيله، مادامت الصورة في متناول الناس أجمعين.

وربَّ قائل: إن الصورة لا تترك أثراً واحداً في نفس الناظر، فإن صورة محبوبة من قبل أحدهم، قد تكون مكروهة من قبل سواه، بل إن الناظر نفسه في صورة ما يتخذ منها أكثر من موقف، تبعاً لحالته النفسية وعواطفه، ولعل أشخاصاً نجلهم، فنعنى بصورهم، عندما نتوسم فيهم الخير، وننظر إليهم من خلال منظور خاص، بيد أن الأمر سرعان ما ينقلب رأساً على عقب، أمام هؤلاء أنفسهم عندما نكشفهم على حقائقهم، وكأن الصور ة التي يراها بعضهم باردة، لا تتحرك، بعكس لوحة الفنان التشكيلي،  التي تنبض فيها الصورة وتمتلئ حيوية وحركة، إن تلك الصورة الباردة نفسها تكاد تتحرك في عين المحب، بيد أنها تغدو مجرد خطوط يابسة، متخشبة، لا روح فيها البتة، بل إنها قد تطفح بالشر في أحايين كثيرة، تبعاً لدرجة الوعي لدى المرء، وقياساً لطبيعة اللحظة التي يعيشها.

وقراءة الصورة من قبل المرء تتعلق-على صعيد آخر- بدرجة حساسيته، ووعيه، وإدراكه، ولعل أحدهم يجد في الصورة دلالات ما، لا يجدها سواه، كما أن هناك-في المقابل-من لا يستمتع برؤيا الصورة، بل يلقي عليها نظرة عاجلة، بيد أن هناك آخرين  ينظرون إلى الصورة بعمق، وتشكل الصورة لديهم إحساساً عالياً بالتواصل معها، حيث صورة الطفل الجميل تعد لوحة لا أجمل منها، وقد يستغرق الناظر فيها مدة زمنية طويلة، ويجد فيها عالماً كاملاً، حيث تكون الصورة معادلاً جمالياً، يستفز روح وأعماق المتلقي، ويجسر بينها وصاحب الصورة، سواء أكانت لشخص غريب، أو تكون صورة شخصية، ولعل كثيرين يتألمون في مواجهة صورهم الشخصية، عندما ترتبط بذكريات أليمة مروا بها، بيد أنهم لا يكفون عن العودة إلى بعض صورهم إذا كانت ترتبط بذكريات سعيدة.

إن ألبوم الصور في البيت، يحتوي أشجاراً كثيرة، ما يرشحه ليكون حديقة، مادام أنه يضم صور الأهل والأحبة، بيد أن هذا الألبوم قد يحمل بين دفتيه صورة تستدعي أحاسيس ومشاعر خاصة، وقد ضلت طريقها إلى جدار الغرفة، عندما يكون صاحبها قريباً، لم يعد يربط به إلا شبكة من الذكريات وخطوط الصور في أذهان ذويه.

_ البريد الإلكتروني :

منذ عقد ونيِّف، بات البريد الإلكتروني، بديلاً يسطو تدريجياً على المهمات التي كانت تؤديها علبة البريد التقليدي، والتي كنا نصطلح عليها اختصاراً ب”ص.ب” ربما كترجمة للمصطلح الأجنبي المتفق عليه” “p.o.box الذي طالما ارتبط به الناس، على امتداد العالم. إذ كان يتطلب من صاحبه، ولمرة واحدة، أو أكثر، على امتداد النهار، مراجعة مركز بريد مدينته، أو بلدته، ليرى ما يحمله إليه هذا البريد، وهو يزداد ويقل، تبعاً لدرجة علاقاته مع الآخرين، كي يضم الجريدة،أو المجلة، أو الرزمة الورقية، والطرد، وقبل كل ذلك الرسائل البريدية، مختلفة الطوابع، والأختام، وربما الأحجام والأشكال، ولكم شهدت مراكز البريد لهفات داخليها من مستلمي الطرود، وهم يفضون أغلفة ما يصلهم من بريد شخصي، بعد أيام، أو ربما أسابيع، من إرساله، حاملاً إليهم الأخبار المختلفة، بحيادية منقطعة النظير.

وانتشار البريد الإلكتروني، غدا سبيلاً لتوثيق جسور التواصل بين الناس،في كل أطراف المعمورة، إلى الدرجة التي أصبح فيها عصباً فاعلاً، وشرياناً يضج بالحياة، لاعباً دوره المطلوب، في أعلى وتائره، إلى الدرجة التي لم يعد للأسرة الواحدة ثمة علبة بريدية تقليدية، في الحالات الطبيعية، بل بات في إمكان كل فرد منها، أن يكون له أكثر من بريد إلكتروني،لا سيما وأن هذه الخدمة، لما تزل مجانية، من قبل الشركات الكبرى، من أمثال:الهوتمايل والياهو والجميل..، وهي تعدُّ راعية أسرار العالم، والحارسة على أسرارها، في وجه القراصنة الذين قد يتسللون، لاختراق حرمة البريد الإلكتروني، نتيجة عبث، أو أداء لخدمات تجسسية، حيث لكل ذلك الكثير من التفاصيل.

وإذا كان البريد الإلكتروني، قد صار جزءاً من الحياة اليومية، للمليارات من حول العالم، أفراداً ومؤسسات- وإن بدرجات متفاوتة- فإن”الإيميل”بات وسيلة إدمان، من قبل كثيرين، يستهلك مساحات واسعة من أوقاتهم، في انتظار ما يبحثون عنه، من رسائل الأهل، والأصدقاء، والمعارف، بل وطالبي التعارف، ولعل الأمر يغدو لدى العاملين في حقول الأدب و الإعلام والفنون،  جسراً للتواصل اليومي مع متابعي إنتاجهم، يتلقون من خلاله، الملاحظات، عما قدموه، كل في مجاله، وهو ما سيفيدهم، لمعرفة آراء الآخرين، في هذه النتاجات، بيد أن هناك، من سيستغل توافر هذه النعمة، منذ دخولها حيز الاستخدام، للإساءة إلى المائزين من هؤلاء، وهو سلوك يبدر-عادة-ممن  يعاني”عقدة نقص” تجاههم، إبداعياً أو نضالياً، في الوقت الذي لا يستطيع أداء مثل هذه الأدوار. لذلك فإن حالته المرضية تدفعه للإمعان في ممارسة العنف اللفظي-إلكترونياً- وقد اتسعت مجالات الأذى، نتيجة استغلال بعضهم، شبكة التواصل الاجتماعي، لأغراض دخيلة عليها،لاسيما في ظل انعدام الرادع الأخلاقي، واستغلال فضاء الحرية الذي باتت ثورة الاتصال والمعلوماتية، توفره، ناهيك عن غياب الرقابة، والمسؤولية، ليكثر مثل هذه الجنايات الإلكترونية، التي من شأن أصحابها، تلويث الأجواء، وتسميمها، وكهربتها، بنشر أحقادهم السادية،على مستويات، واسعة،غير مكترثين، بما يرتكبونه من إساءات، تعدّ  في بعض منها استهدافاً معنوياً لمن يقعون في شباكهم، وقد يفوق أذى ذلك-روحياً- ما تتركه الرصاصة في الجسد.

وبدهي، أن من يرتكب مثل هذه الجرائم، أو غيرها، بحق غيره، من الأبرياء، فإنه ليتستر باختفائه، وراء الاسم المستعار،ممارساً أذاه، وعنفه اللفظي، بحق من يتم الاختلاف معه،حول رأيه،أو نتيجة اعترافه بانهزامه الداخلي تجاهه، في الوقت الذي يمكن أن يعبر فيه عن رأيه، وموقفه،ببسالة، ووعي، وحبّ، ضمن لغة الحوار و النقد،الحضاريتين، في الحالات العادية..؟!.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply