مخاض المصطلح الجديد (7/2) ــ إبراهيم اليوسف

مخاض المصطلح الجديد (7/2) ــ إبراهيم اليوسف

 

_ بين القلم والكيبورد :

أمام غزو الحواسيب حياتنا اليومية، ثمة سؤال بات يطرح،  على المبدع، شاعراً كان أم قاصاً أم روائياً، أم مسرحياً، هو: هل لا تزال تكتب بالقلم؟، أم أنك تستخدم الحاسوب في كتابتك؟،. حقاً إنه سؤال يبدو بسيطاً لأول وهلة، بيد أنه -وللحقيقة- يعد منبع أسئلة هائلة، تتفرَّع عنه، ومن بينها: كيف كان انتقالك من الكتابة اليدوية إلى استخدام الكيبورد؟، وهل لقيت أولا تزال تلقى الصعوبات  وأنت تنتقل من طريقة كتابية إلى أخرى، وما الفرق بين علاقتك بالكتابة بوساطة القلم والكمبيوتر؟.

هذه الأسئلة، برمتها، أثيرت، مع بداية دخول الحواسيب في حياتنا اليومية، لتشكل تحدياً ليس مع القلم وحده، بل مع المبدع نفسه الذي اعتاد على طريقة تعامله مع أدواته الكتابية، وفي طليعتها القلم، حيث هناك من أصبح القلم جزءاً من حالته الإبداعية، وطقسه الكتابي، ولا يستطيع الكتابة إلا بنوع محدد من الأقلام، وزد على ذلك، أن في افتقاده قلماً ألفه لمدة زمانية محددة، ما يجعله يحسُّ بمشاعر معينة، ويكاد يعاني الكثير، قبل استخدام سواه، حتى وإن كان من النوع الذي كان يكتب به نفسه..!.

حقيقة، إن في الكتابة بالقلم غوايتها، حيث المبدع يستطيع أن يتكيف بحركة قلمه بأكثر، وإن الكلمات التي يتركها على كراريسه بوساطة قلمه، لها رونقها، وألقها، وكاريزماها، وهي بذلك تكاد تكون جزءاً من نصه الإبداعي، وتعطي بعداً آخر لحالته النفسية، ولهذا فإن متاحف المبدعين في العالم، تحتوي-عادة-نماذج من مسوَّداتهم ومخطوطاتهم الكتابية، لتشكل نوافذ إضافية إلى عوالم هؤلاء المبدعين. ولعلنا نتذكر أن نزار قباني كان أحد الشعراء الذين  تسبغ خطوطهم جمالية واضحة على نصوصهم، ولقد أصر على أن يستغني عن حروف المطبعة، في بعض دواوينه المطبوعة، من خلال طباعة النسخة المدوَّنة بخط يده، هكذا دون وسيط، وهو ما فعله سليم بركات، في بعض أعماله الإبداعية، بالإضافة إلى آخرين، يرون أن  خطوط أقلامهم خير من تنقل توترات دواخلهم إلى قرائهم.

وإذا كنا جميعاً، نعترف أن الحواسيب التي دخلت منازلنا جميعاً، ولها استخداماتها الهائلة، بحيث صارت جزءاً من حياة أي أسرة، وإن الكتابة أحد جوانب الإفادة منها، فإنه لابدَّ من الاعتراف، أيضاً، أن ما يتركه الحاسوب من كتابات يظل جافاً، بارداً، مهما كانت حروفه جميلة، أنيقة، ومهما وفر، من حرية لتخير الحرف أو الخط المطلوبين،بالإضافة إلى الوقت، بيد أن في الكتابة اليدوية سراً وسحراً غريبين، فالقارئ يتفاعل مع ما هو مكتوب بخطِّ اليد على أنه مكهرب بشحنة عالية من الأحاسيس، إلى الدرجة التي يمكن أن نرى فيها الكتابة النابضة بالحياة، أو الكتابة الحيَّة، في الوقت الذي يمكن أن نعد الكتابة عبر الحاسوب باهتة،بل ميتة،وإن أقرب مثال عن الفرق بين هاتين الكتابتين، هو الفرق الكامن بين الوردتين الطبيعية والاصطناعية..!.

ومادمنا نعترف أن هناك مبدعين، سرعان ما تنقلوا إلى الكتابة، عبر الحاسوب، فإن هناك آخرين، لا يزالون يؤثرون الكتابة بالقلم، بل إن هناك من الشعراء من يقول: أكتب نثري بوساطة الحاسوب، بيد أني لا أستطيع كتابة قصيدتي إلا بالقلم، وهو ما يكاد ينطبق على غير الشاعر أيضاً.

وأخيراً، فإن السؤال الرئيس، حول العلاقة مع القلم، بعد مرور حوالي عقد ونيِّف من ثورة الكمبيوتر العظمى التي اجتاحت العالم، يظلُّ محافظاً على مسوِّغه، لأن هناك من الأجيال السابقة من المبدعين من يكتب به، كلياً أو جزئياً، وهو لما يحول إلى متاحف التاريخ، وإن كنا نجد حقاً أن هناك من كتابنا الجدد من مرت سنوات طويلة لم يحمل خلالها القلم، وهو من عداد المبدعين الأغزر إنتاجاً..!

 _ المارد الإلكتروني في انتظار قانونه الكوني :

لا يزال مواطن العمارة العالمية، يواصل صدمة تفاعله مع إنجازات ثورة التكنولوجيا والاتصالات، التي باتت واقعاً لامناص منه البتة، منذ أن يفتح كلتا عينيه، في مطلع نهاره، وحتى لحظة غفوته، في آخره، ضمن دورة الزمان،  مادامت  هذه المنجزات  تمارس سطوتها عليه، بشدة، وإلحاح كبيرين،  خلال مساحة أوقاته تلك، كلها، تاركة أثرها الكبير، كما هو معروف، في سايكولوجيته، وسلوكه، وقراره، ورؤيته، في آن معاً، إلى تلك الدرجة التي صار الكائن الكونيُّ في مرمى تأثيرات الفعل الإعلامي الذي اتسع ليكون العالم كله مسرحاً للتفاعل مع كل جديد، في دورته التي لا تتوقف، وكأنه في كره وفره،  ليس إلا كائناً ممغنطاً في دارة الإعلام، ضمن مجالي التأثير والتأثر معا، حيث بات كلا المجالين متاحاً أمامه، على حد سواء.

وبدهيّ، أن تحول موقع هذا المواطن الجديد، من هامش الاهتمام العالمي، إلى مركزه، بجدارة، هدم حدود احتكار المعلومة التي كانت وقفاً على بعض مراكز الدراسات العالمية،  بل نخبة النخبة، وجعله في غمار لجّة حالة جديدة غير مسبوقة من قبل، إذ بات يعيش الحدث العالمي بكل توتراته، وحرارته، ما يجعله مستوفزاً، مشدود الأعصاب، يعيش أكبر قدر ممكن من معاناة الآخرين، أو يغدو شاهداً لا مبالياً، حيث لا حيادية هنا، رغم أن دور الشاهد نفسه، في مثل هذا الواقع المستجد، لهو مضن بالقدر نفسه، حتى وإن تخفف من أحمال الآخرين، ملتفاً على سؤالها، وأعبائها، حيث أن هذا الفعل، ذاته، بمثابة عبء، أو مسؤولية، لأن  التنصل من الإصغاء إلى أقصى درجات الألم الإنساني-أنى وجد- ليعدُّ معادل التغلغل في أعماقه، لنكون هنا أمام نوعين متناقضين من المسؤولية، تجاه الآخر، مشاركة وجدانية في تفاصيلها، أو نأياً عنها، لا فرق..!.

وحقيقة، لقد مرَّ الإعلام منذ تناقل الإنسان للخبر الأول في التاريخ، عبر مسيرة طويلة، عمرها الحضارة البشرية، ليكون له حضوره، وتأثيره، في كل مرحلة ،على دائرة المتلقين التي لم تتسع، لتصل صورتها العملاقة، على النطاق العالمي، إلا بعد تجاوز الأدوات الإعلامية البدائية، سواء أكانت إشارات سيميائية، ملفوظة، أو ضوئية، أو حركية، أو عبر استخدام حتى الطير، أو غيره، كوسيلتي إيصال للمعلومة، حتى في طابعه البريدي الصرف، قبل أن يتفاجأ العالم بالثورة الإعلامية الأولى، متجسدة في ظهور الجريدة، والمذياع، والهاتف، وغير ذلك من أدوات  الاتصال التي أحدثت تحولات كبيرة في حياة الناس، سواء أكان ذلك في حالات الحرب أو السلام.

إن هذه النقلة في التفاعل مع تلقي المعلومة أحدثت انقلاباً كبيراً في أحداثيات الحياة العامة، وباتت تربط جمهرات محدَّدة، بذبذبات وتموجات الفعل الإعلامي، ما شكل أحد التحديات الأولى، لثنائية: المكان والزمان، التي لما تتم دراسة انكسارهما، بفعل الحدث الإعلامي، وفق تدرجاته، في الشكل المطلوب، وإن نجد الأمر يبلغ-الآن- حده الأعظمي – كي يكونا لصق الفضاء الذي يعيشه المتلقي أينما كان، لاسيما وأن لا منجى له من تأثيرات الأحداث الصغرى والكبرى، سواء أكان في بيته، أوفي المدرسة، أو الجامعة، أو الشارع، أو العمل،  مادام أن أي استعراض لمسيرة الوعي البشري، منذ بداية تشكل الوعي الآدمي، وإلى الآن، لتجعلنا أمام دور الإعلام في نشأة الوعي، لاسيما وأنه لا يمكن عزل العلوم الإنسانية -على نحو خاص- عن بعض جوانب  هذا المؤثر الإعلامي.

ولا يمكن للمرء تصور مسرح الحياة، من دون إعلام، لأن الإعلام هو في الحقيقة- عصب الحياة- بل وكهرباء حيويتها، ويمكن أن نعزو الكثير من التحولات التي تتمُّ إلى الإعلام نفسه، ليكون محركاً مهماً للفعل الآدميِّ، فالحياة دونه ليست أكثر من بركة هامدة، كما أن تحليل دور الخبر في سير الحروب عبر التاريخ هو كبير جداً، لأنه يؤثر فيها، سلباً وإيجاباً على حدّ سواء، تبعاً لآليات استخدامه، ومدى تفاعل المحارب مع الحدث المتناهي إلى مسمعه، إلى الدرجة التي يمكننا اعتبار الخبر صانعاً للانتصار، أو مسهماً في صناعته،  وهذا ما تلتقطه ورش الخبراء المعنيين الذين يرافقون-عادة- هذه القوة العسكرية، أو تلك، أو ينضمون إليها، بل إن دور الخبر، في أيام السلام، لا يقلُّ خطورة، و قوة تأثير، في نفس المواطن، ما يدعو المعنيين بشؤون الدولة راسخة البنيان، أن يعنوا جداً بالإعلام كرئة مهمة في حياتها العامة، بل إن وزارة الإعلام لطالما كانت من الوزارات الأكثر أهمية، في حياة الدولة الوطنية، ويكاد دورها لا يقل عن وزارة الدفاع، وهو ما يدعونا لنتأكد من أن لأية معلومة ثمة أثر ما، ضمن دائرة ما، وهكذا فإن مليارات المعلومات اليومية التي تتكون-بشكل طبيعي- وفي انتظار ضخها، بما يستطيع حملها من وسائط إعلامية، تعد محوراً معرفياً، فله ترجمته المباشرة، وأصداءه في ذوات المتلقين.

لقد كان الإعلام في مراحله الأولى تحت سيطرة التحكم به من قبل صانعيه، حيث تشكل مع تطور الزمان ذلك العقل الذي يجيد صياغة تفاعله مع المعلومة، واستطاع بفعل رقابته، وتوجيهه، أن يتحكم به، ويستفيد منه، بالطريقة التي يشاء، بل وأن يخفف من شدة وطأته- حسب حاجته- لاسيما في ظل انعدام الشفافية، والمكاشفة، حيث يمكنه- هنا- من أن يكون أداة فاعلة كبرى، بيد أنه طالما افتقد في مثل هذا المقام، مصداقيته، نتيجة توظيفه خارج إرادة قاعدته الأرحب التي ينبغي توجيهه إليها، إلا أن كل هذا سرعان ما انقلب رأساً على عقب مع بدايات ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، حيث أن وسائل السيطرة على الإعلام باتت أكثر كلفة، لاسيما في ظلّ الانتشار العمودي والأفقي لوسائل الإعلام الجديدة، كي نغدو-وجهاً لوجه- أمام المارد الإعلامي الذي يكاد ألا يرعوي، مادامت مرايا الإعلام باتت تلتقط كل صغيرة وكبيرة في آن، فلا تفوتها أية شاردة وواردة، وقد ساعد على سرعة انتشارها أن الفرد بات له حضوره في ثورة الميديا الكونية، كما أنه بات للمؤسسة دورها، في الوقت الذي تراجع، بل تقهقر الدور الكبير للرقابة، وبات الخبر يجد طريقه إلى من يشاء، شريطة توافر مجرد جهاز كمبيوتر، وخطٍّ إنترنيتي، الأمر الذي يفتح الأبواب أمام خطر محدق لم يكن في البال من قبل، ألا وهو إساءة استخدام شبكة التواصل الاجتماعي، وهو ما بتنا نجده، حيث خلط السمّ بالدسم، على نحو متعمد، في حالات كثيرة، سواء أكان من قبل مجرد أفراد، أو حتى مراكز معنية، في ظل انعدام الضابط القانوني، الكوني، وذلك ناتج عن استمرار التناقضات الهائلة من حولنا، بين المصالح العامة، المتناقضة، من جهة، بالإضافة إلى مسألة أخرى، وهي وجود هوة كبيرة بين إنجازات الثورة المعلوماتية، ودرجة استعداد الكائن، المتعولم – اتصالياً- الوطني، والعالمي معاً، والذي بدا في حالات، وأمثلة كثيرة، نتيجة عدم تهيئته، واستعداده، غير قادر على استخدام هذا الفضاء العملاق بما يخدم مصلحته، في أعلى درجاتها، كما هو متاح- كي يحافظ على كرامته ويعزز وجوده- بل بات  يتيه في عوالمه، من دون أن يضع  إصبعه على جرحه، بغرض مداواته، والإجابة عن أسئلته الأكثر إلحاحاً….!؟.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply