_ قصه واقعيه :
– المكان : حي الميدان
– الزمان : شهر نيسان ….
تحول سطح المبنى إلى مقصف تابع لنادي الشبيبة المثقفة، ربما منذ ثلاثين عاما، أي قبل أن تلدني أمي، حينها لم تكن البلدية تسمح ببناء الطابق السادس إن لم تكن المخططات الإنشائية تناسب نوعية التربة في المنطقة، و كانت تضع شروطا إضافية على أساسات البناء، لكن مع ازدياد عدد السكان و زيادة الحاجة للمساكن، بدأت البلدية تتساهل مع البناء المخالف و الطوابق المخالفة، لهذا بدأنا نسمع عن حالات انهيار في بعض المباني …..
أما المصاعد فهي إلزامية للمباني العالية مثل هذا المبنى، الذي توقف مصعده نهائيا عن الحركة، مع إختفاء الكهرباء …..
الطابق الأول : يا إلهي، أنا لا أعترض على مشيئتك، لكنني كنت أفضل أن لا تخلقني ذكرا، حتى لا أتعرض لمواقف مؤلمة، فأنا أحب السلام، و لا أقدر على إيذاء دجاجة، أحب الورود أيضا، أحب كرة السلة، أحب ابنة الجيران، و أحب المشاركة في كورال الكنيسة …..
الطابق الثاني : لقد أصبحت معيلا لأمي و أختي بعد سفر أخي الكبير إلى كندا، أنا أصعد الآن هذا الدرج، و قريبا سأصل إلى الطابق السادس، سأحاول أن أسلي نفسي قليلا، كيف ؟ سأتذكر بعض الأمور الجيدة التي حصلت معي في طفولتي …
أقول لكم، لم يعد مهما أن تعرفوا من أنا، أو ما هو اسمي، هذه الشكليات نسيناها منذ سنوات، أي منذ أن تحول الناس إلى أرقام في نشرات الأخبار، و منذ أن صرنا نعيش كما يعيش الخلد، دون كهرباء، و غالبا دون ماء، و ثلاثة أرباع يومي أقضيها في البحث عن الخبز و الغاز و لوازم المنزل الأخرى …..
الطابق الثالث : أنا أيضا أحب بلادي، و أقدم نفسي للموت عندما تتعرض لعدوان خارجي، لكنني لا أريد أن أحمل السلاح في وجه أبناء بلدي الذين درست معهم في نفس المدرسة، و لعبت معهم كرة السلة، و حضرت معهم أفلام حسين فهمي و عبد الحليم حافظ و ناديا لطفي و سعاد حسني …..
الطابق الرابع : ربما أنا مجنون إذ اتخذت هذا القرار، ربما أنا جبان، لكنني لا أستطيع الوقوف في وجه القدر، هكذا رسم لي، هكذا فرض علي، هكذا أرادوا لي، أما أنا فلم أرد للآخرين إلا كل خير، و لا أفهم لماذا يحرضونني على أهلي و ناسي و أولاد حارتي ؟ المهم بالنسبة لي أن هذا المبنى غير مسكون، و لن يعرف أحد أين أكون ؟…..
الطابق الخامس : أشعر بالتعب، خطواتي تتثاقل، هل أريد فعلا الوصول إلى الطابق السادس ؟ أم أنني أمزح مع نفسي ؟ هل كان قراري متسرعا ؟ ركبتاي ترتجفان، فكري بدأ بالتشوش، تطن أذني، تزداد ضربات قلبي، أشرطة الذكريات القديمة تتشابك مع بعضها، لخبطة في لخبطة …..
متعمدا لم أقبل أمي و أختي عندما غادرت المنزل، لا أريد للحزن أن يزداد، لا أحب رؤية الدموع، يكفيني من مشهد استدعائي للإحتياط وصول البكاء إلى السماء، و وقوع أمي على الأرض …..
الطابق السادس : سوف ألف كبل المصعد حول رقبتي، هكذا، ثم …..
في منتصف شهر أيار، دخل الرائد المسؤول إلى بيت الدرج، بعد أن وضع الكمامة على أنفه و فمه، و لبس في يديه الكفوف، فالرائحة هنا قاتلة، و قطع اللحم السوداء و الدود تملأ سطح المصعد ….. إقترب الرائد من بقايا الجثة المعلقة بالكبل، تفحصها قليلا، ثم استدار إلى العسكري الذي على يساره قائلا : حتى أمه لن تتعرف عليه …..
حلب7-6-2017

Social Links: