_ الحوار كأداة للقطيعة :
إذا كان الحوار يشكل ذروة التواصل الثقافي بين المجتمعات، وهو الضمانة العظمى، لإزالة، وتبديد أية مثبّطات، تقف حجرة عثرة على طريق الوئام الإنساني، في صورته العليا، وهو ينمّ عن حرص على توثيق الأواصر مع الآخر، أينما كان، لمدّ الجسور في مختلف الاتجاهات، ولاسيما في هذا العصر الذي باتت ثورة الاتصالات الهائلة، تلغي حواجز التواصل، من جهة، إلا أنها-من جهة أخرى- تنسف جسور التواصل، نتيجة حمولة خطابها المتناقض مع طبيعة ما تتطلبه إنجازات المرحلة، من الشفافية.
ولعلّ سبب ظهورهذه المعوّقات في التواصل، يعود إلى أن الخطاب الثقافي، لا يزال يتحرّك تحت وطأة مصالح محدّدة، لأطراف متناقضة في رؤاها، وسلوكها، وتوجهاتها، وهذا ما يجعلنا أثناء الفرز النهائي أمام عالمين متناقضين، لا يمكن استمرارهما معاً، في الوقت نفسه، لأنه لا يمكن أن ينضوي كل من الخير والشرّ تحت لواء واحد، على اعتبار أن الشرّ-وهو يجرّ أذياله في كل مكان- على اعتبار أن لا مستقبل له، لا يزال يؤسّس للحظة التي يهيمن فيها، وحده، منفرداً، ويمسك بزمام الأمور، لنكون أمام ثقافة أحادية، فحسب، تؤسس على الاستلاب والإلغاء، بيد أن نقيضه-وهو الخيرهنا- يواجه هذه الآلة، بما لديه من أدوات، كي يدفع ضريبة كل ذلك، إلى أن يكسب المعركة في نهاية المطاف، وإن كان هناك من يرى أن استمرار وجود الخير، يعني أن نقيضه سيكون-هو الآخر-موجوداً، ولا مناص منه البتة.
ومادام أن الشرّ موجود، فمن المؤكد أنه سيؤسّس لنفسه لغة خاصة به، وإن هذه اللغة ستعتمد على منظومة خاصة بها، تسوّغ لها ممارساتها، في كلّ مرّة، كي تموّه على أفعالها، المنافية للإرادة البشرية العامة، من خلال تقديم القبح في هيئة جمالية،والعكس، وهو ما لا يفوت كلّ من يتمتّع بأدنى درجات الوعي، والمحاكمة العقلية، بيد أنّ مثل هذا ما قد يلتبس على أوساط محدّدة، تقع في شباك التضليل، هنا وهناك.
وإذا كان من مصلحة أيّ طرف في لعبة الصراع الثقافي، أن يوسع دائرته، ويكتسب المزيد ممن يتبنون آراءه، ويستوي- هنا- الجلاد والضحية، في آن واحد، فإن آلة الشرّ، تلجأ، من أجل ديمومتها إلى استخدام أدوات مشابهة لخصمها السرمديّ، بما في ذلك لغة الحوار، هذه اللغة التي لا يمكن لها أن تمضي، إلا في مسارات متعرّجة، ضبابية، ولا تتورّع حتى عن محاورة ما يتضادّ معها، فإن غايتها من وراء ذلك ليست سوى إلغاء دابر أيّ سبيل للتواصل، بل إلغاء الآخر، المقابل، نفسه، واستئصاله، ليكون الحوار بهذا المعنى حوار القطيعة، أولا حواراً، على وجه الدقة والتحديد.
أمام معرفة مثل هذه الحقيقة، فإنه يمكن قراءة تلكؤ الكثير من الحوارات التي لا تؤدي إلى النتائج المطلوبة، وذلك لافتقاد طرف رئيس فيها، إلى المصداقية المتوخاة، لأن لا نجاح لأي حوار،إلا في ظلّ الشفافية، والوضوح، والحب، والنوايا السليمة، ونبذ الكراهية، والأضغان، وهي كلها تشكل التربة الخصبة لإنبات الحوار، وإطلاقه، في فضاءاته المطلوبة، لتؤتى أكله، في المستويات كافة، لا أن ينظر إليه كوسيلة موقوتة، لتكريس ثقافة الإلغاء والقطيعة المنبوذة.
_ الكاتب ونبوءة الطوفان :
يعد الكاتب، من العناوين الأكثر استقطاباً لمن حوله، أنى تلبدت الآفاق بالغيوم الداكنة، وغابت شمس النهار، كي يستوي بالليل الذي يتبعه، مادامت الكواكب الأخرى، ضمن المنظومة الفلكية متوارية وراء الحجب، ومبتلعة في أحشاء الكون، بكل تفاصيله، ما يجعل الجهات تتساوى في”لعبة التيه” والبوصلات تتوقف، ويستوي الإبصار والعمى، وليت الأمر يبقى عند هذه الحدود، بل إنه يتعداها، في لغة الواقع نفسه، بمفرداته المأخوذة من معجم الطبيعة، حيث دوي الرعد، ووصول الهطل إلى أقصى أمدائه، بما يعزز من حالة الطوفان التي طالما تكررت في ثقافات شعوب العالم، وكان طوفان نوح الأرومة الأولى له، مقروناً ببروز مفهوم الخلاص الذي سيفكر به المرء -لا محالة- أمام مثل هذا المناخ الأكثر حرجاً، ورعباً، إذ يبدأ البحث عن مكان لا يمكن للعواصف الجبارة أن تقتلعه، مكان راسخ الجذور، حيث نكاد لا نجد سوى الطود، وهو ما تناولته الأسطورة-ذاتها- قبل أن تتوثق ضمن آية الخالق في الخلق، ليكون الجودي موطأ الخطوة الأولى، لانطلاقة الحياة الجديدة.
وبعيداً عن موضوعة الحدث، في تعدد قراءاته، ونوسانه بين حدود:الماضي والحاضر والمستقبل، في لا نهائياته، فإن أسطورة الطوفان- في حالاتها المتعددة وأرومتها الواقعية- لا تفتأ تلوح بحضورها، وديمومتها، وكأنها مجرد طوفان مفتوح، وإن كان يذكر بأمرين متناقضين: أحدهما استهدافه الرجس الأرضي، ومحوه، و ثانيهما منح كائن ما بعد الطوفان مفاتيح مرحلة الطهر، على اعتبار أن”الماء” خير مطهر، ولعلنا نجد أن التطهير الأكبر، هو ذلك الذي يستهدف أعماق الإنسان، وهنا، فالمعني بالحاجة إلى تطهير أعماقه، هو من تلوثت جدران روحه بالشرور، وفي مطلعها-الأنانية- التي هي مصدر كل إثم، ويعد من أكبرها استهداف: كرامة الإنسان، ودمه، وأرضه، و إن مثل هذا الاستهداف تلك الثلاثية، لينمّ عن أن العالم ليس بخير، إلى أن تنبذ هذه الثقافة التي يدخل في إطار ألفبائها: بناء سعادة الذات على حساب آلام الآخرين، وكانت مدار اهتمام رجال الدين، والفكر، والفلسفة، منذ بداية وعي الإنسان، إلى ساعة حاضره، الآن، حيث حصيد الدم الهابيلي بحار، ومحيطات، وأرخبيلات، لا تفتأ أمواجها ولججها تتلاطم، كي يكون ضريبة ذلك سلسلة من عذابات الكائن البشري، طوال هذا الشريط الزماني.
لم يكن الطوفان، منذ نشأة مفهومه، رحلة سياحية، ترفية، وإن كان هو نفسه، على أشكال، وأصناف، وأنواع، حيث أن هناك طوفان الخلاص، والتأسيس للحياة الجديدة،كما أن هناك طوفان الفناء، الذي يرمي إلى إغراق العالم كله بمائه، كي يغدو سيد المكان مجرد جثة طافية،لا أرض تبتلعه. ولعل الرغبة في صناعة مثل هذا الطوفان باتت تتعاظم، مع ولادة أدوات جديدة، تحقق الهدف ذاته، سواء اعتمدت على الرياضيات في لغزه النووي، أو على الكيمياء في أحماضه وغازاته، وهي بالتالي صدى لاختلاجات نفس، قاتلة، أمَّارة بثقافة الكراهية، مقابل جنون عظمة الذات، ما يجعل مهمة رسول الثقافة أكبر، ليساهم من جهته، بإنتاج ثقافة ترمي إلى غسل الأرواح والأذهان الملوثة من أدرانها، وهي مهمة شاقة لابد من التنطع لها، ضمن فرق كونية، منتظمة، تستعين بكل ما يلزمها من إمكانات تربوية، إعلامية، من أجل كرة أرضية، لا مكان فيها للكره الأرضي، كرة للحب، لا للكره..!.
– الرواية و المفاجأة ..
لا يمكن لقارئ أية رواية، إلا وأن يضع نصب عينيه عنصر المفاجأة الذي يزرعه ويوزعه الروائي-بحنكة وهندسة عاليتين- تبعاً لإمكاناته وخبراته في عالم الكتابة، وقد تبدأ هذه المفاجأة منذ استهلالة الرواية، كي تجذب قارئها، لتمدَّ برأسها-بين الفينة والأخرى- تشدُّ من أزر النص، وتؤازره على إغواء مغامر عملية القراءة، كما تشدُّ من أزر هذا المغامر، متغلباً على مثبّطات القراءة، وهي تظهر من خلال سلسلة العيوب الفنية، والجمالية، التي تفلت رغبة المتابعة من بين يديه وملكات حواس التلقي عنده.
والرواية-دون عنصر المفاجأة- مجرد شريط لغوي باهت، قد تعلق على مشاجبه بعض عناصر القص أو الحكي أو الحدث، وهو ضمن هذا التوصيف تراكم لغوي، ما يشبه الهذي، أو أنه – وهو الأدق- محض جسد تنقصه الروح، من دون هذا العنصر الذي تأتي ترجمته سلسلة دهشات متتالية، على اعتبار المفاجأة تشكل نواة مصطلح الدهشة ذي المفهوم الأوسع، وهو يشمل الشعر والفن، إلى الدرجة التي يكاد يقال فيها:” لا إبداع من دون الدهشة”، لأن الإبداع مرهون بالدهشة، أو إن كليهما وجهان لحالة واحدة.
وإذا كانت المفاجأة- روائياً-على هذا النحو، فإنها في الواقع قد تكون جد مختلفة، حيث أن الروائي قد يكتشف، نتيجة حساسيته العالية، بعض ضروب الفجاءة التي قد لا يمكن اكتشافها، لأول وهلة، من قبل سواه، وهو ما ينطبق على الشاعر، والرسام، والموسيقي، والمسرحي، كما أن مفاجآت الواقع قد تكون أعمق بكثير، من ترجمتها الفنية، مادام أن الواقع، هو المصدر الرئيس للمفاجأة، وكأني بالمبدع-هنا- ذلك الصيرفي، الماهر، الخبير، الذي يبرع في التعامل مع خلائط الواقع والفن، مع خلائط المعدن والكيمياء، وهو يصنع جبلَّته الخاصة، هذه الجبلَّة التي هي الواقع وهي المتخيل، هي الفعل وهي الأثر، هي الصوت وهي الصدى، ما يعيد إلى البال، ما كان يحكى عن تلك الشخصيات النصف بشرية والنصف ما فوق بشرية-كما هو حال الأسطورة- عندما كانت هذه الشخصيات تأخذ بألبابنا وأرواحنا وعواطفنا-بل ومازالت- مادمنا في حضراتها، وهي تفسر اللاواقع واقعياً، أو الواقع لا واقعياً، سيان ذلك، حسب متطلبات اللحظة أو الحاجة، ضمن إطار مهمة الفن، في روحه الكارزمية الآسرة التي لا يمكن لمن يقع في إسارها الفكاك منها البتة، سواء أكان من خلال ممارسة متعة القراءة، أومن خلال من ممارسة ما هو أعمق منها، وأجدى وهي الكتابة: بل الإبداع..!.
والمسافة بين بعدي المفاجأة، في واقعها، وترجمتها الفنية، لأشبه بالمسافة بين الأرومة/ الأصل، والشبيه، بين الدم واسمه، بين الحرب وانعكاسها في صورة فيديو، أو قصيدة، أو قصة، أو رواية، وإن كان هناك من هو قادر أن يحاول إيجاد الموازن بين الواقع والحقيقة، بل ولا يرتقي إلى مستوى درجة أن يعيشهما معاً، كما ندهت عن ماركيز تلك الصرخة المدوية، التي اخترقت الآفاق، وهو يقبل على قتل بطله سانتياغو نصار في”قصة موت معلن”،تلك الصرخة التي لم تصدر حتى الآن- عن أي مراقب للدم وهو يجري في أحرج لحظاته، وعناوينه، حيث وطن يتقاسمه التلظي بالسفود الذي يخرقه مترجماً لغة اللهب، والمجزرة التي ترتكب بحق أبناء قراه ومدنه العزلاء من أدوات الحرب، تمحقها آلة الحقد والإبادة، وهو ما يبدأ ب”منقار بطته” العين ديوارية حتى “نواه”.
يتبع ..
Social Links: