في الخامس من أيار مرت مئة و تسعة وتسعون عاماً على ولادة ماركس مالئ الدنيا وشاغل الناس ،و في الرابع عشر من آذار مرت مئة و ثلاثون عاما على و فاته ثم نشأت الماركسية .
لقد ظهرت باسم ماركس أحزاب شيوعية واشتراكية في كل أنحاء العالم، وانتشرت في أوساط جميع شعوب الأرض باستثناء الشعوب البدائية.
باسم ماركس قامت ثورات وحركات تحرر، بعضها نجح، وبعضها الآخر فشل.
باسم ماركس ولدت دول ذات أيديولوجية ماركسية – شيوعية في الجزء الشرقي من القارة الأوروبية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي الذي كان ينافس الولايات المتحدة بالقوة والتأثير على العالم، وقد أنتج الصراع بين هاتين الدولتين الحرب الباردة التي انتهت بانتهاء وجود الدولة السوفييتية.
باسم الماركسية سالت دماء وفُتحت سجون وعُذب بشر. سجون امتلأت بالماركسيين ، وسجون أخرى امتلأت بأعداء الماركسيين . من وحي ماركس ولد قادة و زعماء وثوار .
كما ظهر من معطفه فلاسفة ومثقفين نبلاء في هذه اللحظة من التاريخ، وقد انتهت الحرب الباردة، وضعفت الحركة الشيوعية و الإشتراكية في العالم كله ، في هذا الشرط التاريخي من زوال النقاش حول البنية التحتية والبنية الفوقية والصراع الطبقي والتشكيلات الاجتماعية وأولوية المادة على الوعي وقوانين التطور التاريخي والمنطق الديالكتيكي وبناء الاشتراكية في هذا الوقت من التاريخ ألا يحق لنا أن نتساءل ما الذي تبقى من ماركس؟ للإجابة على هذا السؤال يجب التمييز أولاً بين ماركس والماركسية.
ماركس فيلسوف ومفكر ديالكتيكي كان مهجوسا بمصير سعيد للعالم ، وهو جزءٌ لا يتجزأ من مفكري تاريخ الحداثة الأوروبية. فيما الماركسية مذهب سياسي اقتصادي فكري فلسفي أيديولوجي.
الماركسية اتجاه يبدأ من تأسيس أول حزب شيوعي إلى أحدث حزب شيوعي راهن.
الماركسية تعني بليخانوف و لينين وتروتسكي وخالد بكداش و غيفارا ،تعني غرامشي وبوالنتزاس و لوكاتش وألتويسر و فيشر و العالم و ومهدي عامل وما شابه ذلك.
الماركسية تعني الماركسية الروسية والماركسية السوفييتية والماركسية الصينية والفيتنامية والفرنسية والإيطالية و اليمانية الجنوبية وبقاياها.
لكن السؤال عن ماركس ليس هو السؤال عن الماركسية .
السؤال: سؤال عن ماركس سؤال ينتمي إلى تاريخ الفلسفة وتاريخ الفكر.
أشير بدايةً أن الفيلسوف -أي فيلسوف بمعنى الكلمة- لا يبلى أبداً، وإن لفّه النسيان في لحظة تاريخية ما، فإنه سرعان ما يعود للحياة عبر استحضار مفاهيمه أو بعض مفاهيمه لتطويرها و إغنائها لفهم العالم المعيش .
إن ماركس الفيلسوف، حاله حال (كانت وهيغل وفيورباخ وسارتر) و حال ابن رشد ابن طفيل، حاضر بوصفه منتج أفكار منتج مفاهيم. وإعطاء بعض المفاهيم المألوفة دلالات جديدة. أي إن الذي تبقى من ماركس، ماركس المتنوع والمتعدد هو الفيلسوف ماركس و ليس ماركس الذي يعيش في الماركسية .
الفيلسوف ماركس هو فيلسوف الحرية. أجل على عكس ما يعتقد به أعداء ماركس و ما اعتقدت به التيارات الشمولية التي سادت لدى الدول الشيوعية . أجل ماركس هو فيلسوف الحرية بامتياز.
ماركس دافع عن الدولة المعقولة، والدولة المعقولة هي دولة الحرية، دولة تعيّن الحرية، الأصل إذاً في قيام الدولة المعقولة يقع خارج المسيحية خارج الدين، إنما هي ناتجة عن التاريخ الواقعي. الذي هو مسار وعي الحرية لذاتها.
فمعيار الدولة المعقولة هو الحرية. ولهذا فدولة الحرية عند هيغل الفيلسوف في مرحلة الشباب هي انتصار عقل الحرية.
ماركس الفيلسوف يدافع عن مركزية الإنسان، بل هو المدافع القوي عن الإنسان المتمرد.
ماركس فيلسوف التمرد يستعير أسطورة برومثيوس الذي حمى الإنسان عندما أراد زيوس إفناءه بالطوفان، هو الذي سرق قبساً من نور الشمس وخبأه في قصبة وأعطاه للإنسان، برميثوس هو الذي خدع زيوس ولهذا غضب زيوس على برميثوس. والفيلسوف هو الذي أخذ قبساً من نور الشمس من أجل الإنسان.
ماركس فيلسوف الحرية يسعى لتحرير الإنسان من سلطة المال ويرى في المال اعتداء على ماهية الإنسان، وما ماهية الإنسان إلا الإنسان كما هو قبل أن يحوله المال إلى ما ليس هو.
ماهية الإنسان هو الإنسان في الواقع، قبيح وجميل، مستقيم وحقير، ذكي وغبي، وفيّ وخائن، محب ومبغض، فاضل ورذيل، سيد وعبد.
في حقل المال لم يعد بالإمكان تحديد صفات الإنسان كما هو في الواقع، بل في علاقته بالمال الذي يقلب الأمور رأساً على عقب، وبالتالي المال هو التشوه الكلي للإنسان الواقعي، في المال يغترب الإنسان عن ماهيته.وفي استمرار في الدفاع – دفاع ماركس عن ماهية الإنسان- يرى ماركس أن ماهية الإنسان هي الحرية.
الحرية من كل ما يستعبد الإنسان، اللاهوت، الدولة، المال، وبالتالي إن الفلسفة المدافعة عن فلسفة الإنسان هي فلسفة الحرية، وما الحرية سوى أن يتحول الإنسان إلى سيد هذا العالم، إلى تطابق الإنسان مع ماهيته، تطابق الإنسان مع ماهيته يعني تحرر الإنسان من الأصنام، كل الأصنام التي تستبد به.
لا شك أن هذا الذي تبقى من ماركس من حيث هو فيلسوف الحرية هو الذي يجعل من ماركس دائم الحضور.
أما ماركس الطوباوي، فهو الآخر، ماركس الذي يحلم بالمجتمع الذي يحقق الحرية.ولعمري، إن ما من فيلسوف إنساني إلا ويجنح نحو الطوباوية، لأن الطوباوية هي رفض للواقع المعيش، وفهم مجتمع السعادة المطلقة على هذه الأرض.
أجل، شيوعية ماركس هو أوتوبيا جميلة، شيوعية مجتمع يعيش فيه البشر متساوين، لا سلطة عليهم إلا سلطة أنفسهم.
المجتمع الشيوعي الطوباوي، مجتمع لكل حسب حاجته، مجتمع زوال الفرق بين المدينة والقرية، زوال الفرق بين العمل اليدوي والعمل العقلي، مجتمع الشخصية المزدهرة التي تجد الوقت الكافي للإبداع، مجتمع زوال الاغتراب بكل أشكاله العملية والدينية.
وإذا كانت البشرية تسير نحو زوال الفرق بين المدينة والقرية، واقتراب أسس العمل اليدوي عن العمل الفكري مع استمرار التمايز فإن طوباوية ماركس هي حلم إنساني، جنة أرضية رآها صديقه انجلز منجزاً علمياً و ما هي بالعلم .
وعلى أية حال لابد من أن نكون دائماً حالمين بالمجتمع الأمثل حتى ولو كانت الطريق إليه طويلة.
ما تبقى من ماركس كثير جداً و حسبنا أن الحياة ما زالت جاعلة من الحالمين علةً للتغيير فيها.
Social Links: