العرب وأوروبا.. المركز والهامش ــ د. حسن حنفي

العرب وأوروبا.. المركز والهامش ــ د. حسن حنفي

 

البحر الأبيض المتوسط بحيرة عربية أوروبية واحدة. العرب في الجنوب والشرق، والأوروبيون في الشمال والغرب. فهناك ملايين العرب في أوروبا موزعين في كل مكان، في الجنوب: إسبانيا وإيطاليا واليونان، وفي الشمال: هولندا والبلاد الإسكندنافية، وشرقاً في أوروبا الشرقية، وغرباً في فرنسا، وفي الوسط في ألمانيا. فامتلأت أوروبا بالعرب. ويضم العرب ليس فقط المسلمين بل أيضاً الأقباط، وغير العرب من المسلمين، من الماليزيين والإندونيسيين والباكستانيين. وتتوقف الهجرة على كثافة سكان الجنوب مثل المغرب الأقصى وقلة السكان في البلد المهاجر إليها مثل البلاد الإسكندنافية. وبين أوروبا والعرب تقرب المسافة. وتربط جزر البحر الأبيض المتوسط مثل سردينيا وصقلية وقبرص بين شاطئيه.

والهجرات العربية على مستويات عدة: الأول، هجرة العمالة غير المتخصصة التي تريد عمل أي شيء كي تعيش، ولتقتصد المتبقي لإرساله إلى موطنها الأصلي، لأن المهاجر منها في الغالب يهاجر بمفرده مؤقتاً حتى يستقر. والثاني، هجرة الجامعيين الذين درسوا في بلادهم ولم يجدوا عملاً مناسباً لهم. وهي طبقة الكتبة والإداريين ومن يعملون على الحاسبات الآلية وشبكات الاتصال. والثالث، حملة الدكتوراه والهجرة المؤهلة للعمل في الجامعات أو في المعامل ومراكز البحث. وهم الذين يساهمون في بناء المجتمع الأجنبي ويعملون على تنمية اقتصاده. وطبقاً للإحصاءات، فحوالي ثلث العمالة المؤهلة في أوروبا وفي الولايات المتحدة هم من العمالة المهاجرة. وقد حصل بعضهم على جوائز نوبل في العلوم مثل أحمد زويل، وفي السلام مثل البرادعي.

ونظراً لقرب المسافة بين شاطئي المتوسط، الشمال والجنوب، كانت العلاقة بينهما إما عداوة أو ثقافة. فإذا قوي الشاطئ الشمالي كما هي الحال في العصر اليوناني الروماني والعصر الحديث انتشر على الجنوبي، وهذا هو الاحتلال القديم. وإذا قوي في العصور الحديثة أعاد انتشاره على الساحل الجنوبي وهذا هو الاحتلال الحديث. وإذا قوي الساحل الجنوبي العربي انتشر فوق الساحل الجنوبي الأوروبي كما حدث أثناء الفتح العربي الذي وصل إلى الأندلس وصقلية ومالطة وقبرص. وإذا قويت ثقافة الساحل الجنوبي الغربي انتشرت فوق الساحل الشمالي الأفريقي العربي كما حدث أثناء انتشار الثقافة اليونانية واللاتينية في العصر القديم وهو ما يسمى بالهللينستية. وإذا قويت في العصر الحديث بعد اليقظة العربية منذ الطهطاوي وخير الدين التونسي فاضت على الساحل العربي ترجمة وتأليفاً. والأمر كذلك حتى الآن. وإذا قوي الساحل العربي ثقافة وعلماً وفناً فاض على الساحل الأوروبي كما حدث في العصر الوسيط. فالساحل الأوروبي استقبل الثقافة العربية مرة ونحن العرب استقبلنا الثقافة الأوروبية مرتين. فمتى تستطيع الثقافة العربية أن تنتشر مرة ثانية إلى الشمال، إلى الساحل الأوروبي حتى يحدث تبادل بين الثقافتين من دون أن يكون الشمال هو المركز والجنوب هو المحيط، وأن تعطي كل ثقافة وتأخذ، تترجم وتبدع. وقد كانت الأندلس على مدى ستة قرون ملتقى للثقافات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وما زالت مدنها وآثارها موجودة: طليطلة وسورها القديم، وغرناطة وقصر الحمراء، وإشبيلية و«الخيرالدا»، وقرطبة ومسجدها الكبير ومعبدها اليهودي وسورها. والآن تبرز مأساة فلسطين في شرق المتوسط، طرد شعب وإحلال شعب آخر محله. وقد كان غرب المتوسط، الأندلس، العصر الذهبي لليهود في العصر الإسلامي، حيث نشأت علوم الفقه والكلام والفلسفة والتفسير، مقارنة باليهود في أوروبا واضطهادهم عرقياً ودينياً إلى درجة المحرقة على أيدي النازية في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية في أوسشفيتز Auschwitz، وداخاو Dachau.

العرب وأوروبا جغرافيا واحدة، وتاريخ واحد، وثقافة واحدة، إلى درجة صياغة بعض المفكرين العرب مفهوم ثقافة المتوسط. وإن كان هدفه التقارب بين العرب وأوروبا، بين المحيط والمركز أي كيف يكون العرب مثل أوروبا ثقافة وسلوكاً، وأن تكون أوروبا بين العرب أكثر مما يكون العرب في أوروبا. فأوروبا هي النموذج الذي يُحتذى من وجهة نظر هؤلاء، والأوروبيون هم الذين أثبتوا جدارة في العصر الحديث في العلوم والآداب والفنون. ويتم تبادل الخبرات بين الضفتين. وتنتهي صورة الأوروبي القادم نحو الساحل المتوسط للاحتلال أو الاستغلال، وصورة العربي المهاجر إلى الشمال. عابراً المتوسط في قارب، الهالك فيه أكثر من الناجي. وتنتهي القصة التي تُروى في جنوب المتوسط عن خطورة التغريب في الثقافة العربية مما يؤدي إلى الاغتراب عن ثقافتهم. كما ينتهي الاستشراق أي رؤية الأوروبي للجنوب بكل ما فيها من استعلاء وإسقاط. ويتعامل مع الجنوب كطرف مساوٍ له وليس كذات صاحب رؤية على موضوع. وبالتالي يعم السلام بين الشاطئين. وإذا كان السلام قد عم بين ساحل أوروبا الغربي وساحل أميركا الشرقي وبينهما المحيط الأطلسي فالأقرب أن يعم السلام بين شواطئ المتوسط شمالًا وجنوباً، وشرقاً وغرباً. وتبقى قضية فلسطين. وهي مسؤولية كل شعوب المتوسط حتى يعود المتوسط بحيرة وئام وسلام. ويصبح ميزان ثقل بين الشرق والغرب، بين روسيا وأميركا وأيضاً بين الشمال والجنوب. فالعرب لهم أهمية جغرافية وتاريخية وثقافية وعلمية وفنية وأدبية كبرى بحيث لا يمكنهم أن يكونوا طرفاً لمركز. بل هم مركز لأطراف. وإذن العرب في أوروبا ظاهرة تاريخية قد تعطي المتوسط مساراً جديداً بدلاً من العولمة الشاملة.
* أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة

  • Social Links:

Leave a Reply