من عصر (جون كالفن) الى عصر الخلافة (1/2) ــ يونادم يونادم

من عصر (جون كالفن) الى عصر الخلافة (1/2) ــ يونادم يونادم

 

توطئة :

لكوننا نعيش في القرن الحادي والعشرين فلا يوجد داع لكلمة تعرّف ب(ثقافة) داعش وأخواتها التي يمكن اختزالها بحد السكين، بثقافة جزّ الرقاب، ولكن المقاربة التاريخية تستدعي تعريفاً برسول آخر يدعى (جون كالفن) المولود في فرنسا. والكالفينية نسبة الى (جون كالفن)الذي عاش بين عامي ( (1564 – 1509، وكان يؤمن بمبدأ الاختيار المسبق أو ما يعادل القول بمبدأ الجبرية في التاريخ الاسلامي ، أي أن الإنسان لا يستطيع أن يمتلك الإرادة الحرة، أما كل الذين سينالون الخلاص فان الله قد سبق واختارهم قبل إنشاء العالم.

اعتبر كالفن ان الكتاب المقدس يشكل المرجعية الأولى ذات الشرعية والتي يجب أن تخضع لها كافة السلطات الأرضية، وقد نجح من خلال هذا الفكر بتشكيل حكومة صارمة في جنيف عرفت بنظامها المتشدد، حيث أسس (المجلس الكنسي) واعتبر ان من واجب الكنيسة وبمساعدة ذلك المجلس ان تقوم بالاشراف الكامل والمراقبة التامة على كل جوانب الحياة في المدينة ومراقبة الناس من أجل تنفيذ وتطبيق ارادة الله على الأرض فأصدر اوامر (او قوانين) تحرم نهائيا التراخي او الكسل، والرقص، والتلهي، ولعب الورق، والكلام البزيء، والفحشاء، وكذلك الزواج من الكاثوليك، كما أصدرت كنيسته حينها تعليمات صارمة حول الطريقة التي يجب ان يلبس بها الناس ثيابهم وكيف يجب على النساء ترتيب شعر رؤوسهم بل وما هي الأسماء التي يجب ان يتم اختيارها لمواليدهم من الأطفال. كان (كالفن ) عديم التسامح ازاء اي مظهر للضعف عند البشر، حتى ابسط (الخطايا) كان يتم معاقبة مرتكبيها بقسوة لا رحمة فيها.

بعد ظهوره الاول في مصر منذ اكثر من 100 عام تقريباً، يعود الاسلام السياسي الى البروز مرة أخرى لكي يعيد تشكيل العالم الاسلامي و صياغته وتمديد نفوذ ايديولوجيته مستنداًفي ذلك من يتبعون تلك اليديولوجية والذين يتجاوز عددهم البليون في كل انحاء العالم، ويشكلون قوة كبرى اذا تسنى لهم بلوغ التقوى الدينية، وبعبارة اخرى اذا تمكنوا من العيش في دولة تفرض الشريعة الاسلامية كما كان الحال خلال معظم التاريخ الاسلامي. ويتصدى لهؤلاء الاسلاميون الأصوليون كل المسلمين وغير المسلمين الذين لا يقبلون بالعيش في ظل الشريعة الاسلامية. وبقيت هذه المواجهات حميدة احياناً وذات طابع عنيف احياناً أخرى، كما حصل حين ألتهبت الثورات التي قامت في مصر عام 1952 وفي ايران عام 1979 وكذلك الهجمات التي نفذتها القاعدة عام 2001 ثم احداث الربيع العربي التي بدأت عام 2011   وبروز الجماعات الاسلامية الراديكالية كالدولة الاسلامية والمعروفة ايضاً باسم (داعش).

ليس الاسلام كدين هو الذي يولد ويحدث كل هذا التضارب والشقاق، بل يرجع السبب الى عمق الخلاف بين المسلمين انفسهم حول الدرجة التي يتعين فيها على الاسلام ان يقوم بصياغة القوانين والمؤسسات الاجتماعية. ان معظم المسلمين ليسوا جهاديين او ثوار، ولكن التنافس الدائم حول الصيغة القادرة على تأسيس نظام اجتماعي صالح وضعهم جميعاًفي حالة استقطاب نشأ عنه عداء وحشي لا يقبل المساومة، وكانت النتيجة ان تكونت انشوطة عقدية من المشاكل، بحيث انه كلما حاولت اي من هذه القضايا الاشكالية ان تشد من خناق الانشوطة ادّت الى جعل القضايا الاشكالية الاخرى ان تزيد، هي ايضاً، من خناقها.

لقد حاول المختصون والخبراء والاكاديميون والساسة ان يتفهموا طبيعة هذا الصراع ولكن جهودهم لم تصل الى ما كانوا يصبون اليه، رغم كل ما قدمه المختصون في مجال التشريع والدين والتاريخ الاسلامي من مادة غنية فهم كانوا يميلون الى التعامل مع هذا الموضوع وكأنه حالة خاصة فريدة من نوعها. وهم غالباً ما ينسون ان الحركة الاسلامية ليست حركة دينية فحسب بل هي أيضاً ايديولوجية تخطط لقيادة الشأن العام وتنظيم الحياة الجتماعية برمتها مما يتطلب تحليلها والتعامل معا على غرار الايديولوجيات الأخرى. ولا يوجد منطقة ما في العالم افرز كل هذا العدد من الايديولوجيات كما فعل العالم الغربي ولهذا سيكون مفيداً اليوم من اجل التوصل الى نوع من الوضوح الفكري حول الشرق الاوسط المعاصر الرجوع الى تاريخ النزاع الايديولوجي الخاص بالغرب.

هناك تشابه غريب بين اجزاء من العالم الاسلامي اليوم مع اوضاع شمال غربي اوروبا قبل 450 عاماً مضت، اي أثناء ما أصبح يسمى ( الحروب الدينية) . فحينها نشبت وعلى طول مسافات شاسعة سلسلة من الانتفاضات ذات الطابع الديني اجتاحت عدد من البلدان مهددة بالاتساع والشمول نحو بقية البلدان .

ففي عام 1560 واجهت كل من فرنسا وهولاندا وسكوتلاندا انتفاضة في كل منها يقودها اتباع فرع جديد من البروتستانتية يدعى ( الكالفينية – اتباع جون كالفين) . كانت حينها(الكالفينية) الحديثة النشوء – مثل اللوثيرية والكاثوليكية – تعتبر بمثابة ايديولوجية سياسية بالاضافة الى كونها نظام من المعتقدات الدينية، ولقد برزت في مرحلة كانت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية قد شيدت أثنائها النظام الاقتصادي الاجتماعي الاوروبي حول هذه المؤسسة الكنسية، ولقد اعتبرت (الكالفينية) نفسها انها تقف على تعارض تام مع النظام السائد حينذاك. وهكذا فاي خيار ايديولوجي سيعتبر خياراً سياسياً بلاضافة الى كونه خيار ديني، اي يمكن القول ان ماجرى تسميته ( الحروب الدينية) هو في نفس الوقت حروباً سياسية.

لقد حدثت تلك الانتفاضات في منتصف مرحلة تمتد 150 عاماً من التنافس حول اي من المذاهب المسيحية يجب على الدولة ان تقتدي به، واليوم يتناهى الى مسامعنا أصداء تلك الدعوات على شكل اصوات يتعالى ضجيجها. وأثناء تزاحم الايديولوجيون من اجل النفوذ والسلطة يقومون بارتكاب أبشع الاعمال وحشية لخنق اية معارضة، وتتكرر مشاهد مجازرهم الدينية وتتدخل القوى الخارجية لصالح الاطراف المتنازعة، ولقد أدى هذا الاضطراب الى ( حرب الثلاثين عاما) البائسة التي امتدت بين عامي 1618 و 1648 واودت بحياة ربع سكان المانيا حينذاك وكانت تعتبر مركز الامبراطورية الرومانية المقدسة. وفي اعقاب انتهاء تلك الازمة تبعها معركتين ايديولوجيتين الاولى بين الملكيين والدستوريين في القرن الثامن عشر والثانية بين الليبرالية والشيوعية في القرن العشرين.

هذه الفترات الثلاث الطويلة من الصراع الايديولوجي والتي انقسمت فيها الدول الغربية حول افضل السبل التي يجب تبنيها من اجل تنظيم المجتمع تقدم لنا دروس هامة وحاسمة من اجل الحاضر. ويبين تاريخ الغرب ان الازمة الراهنة التي يمر بها الشرق الاوسط حول مبدأ الشرعية ليست مسألة جديدة لا في حجمها ولا في سهولة حلّها.

ان الاسلام السياسي، مثله مثل ايديولوجيات صعدت وبرزت في الماضي، استنهض قوى جديدة من داخل النزاع الاقليمي الذي ساهم باندلاعه وما زال يصب الوقود فوق ناره، بالاضافة الى ذلك، ان الصراع الأيديولوجي الذي مرّ ويمر به الآن الشرق الأوسط نادراً ما يختتم بطريقة تقليدية حيث يربح الفائز ويستولي على كل شيء، فهذه النزاعات غالباً ما تتأجج حتى تصل الايديولوجيات المتنازعة الى مرحلة من التحوّل والتغيّر او الى التقارب والالتقاء، وغالباً ما يحصل ذلك بعد ان تتفاقم الأزمة وتتسع حتى تجرّ معها وتورطّ قوى خارجية في النزاع يؤدي لاحقاً الى اعادة تشكيل النظام الاقليمي. ان مجمل الدروس المطروحة لا تحمل في طياتها عصا سحرية لمعالجة كل التحديات التي يواجهها الشرق الاوسط، ولكنها تبين على الاقل ان مشاكل المنطقة ليست حصرية او استثنائية كما انها تدل ايضاً على ان الدول المعنية بالنزاع وقادتها بامكانهم ان يتخذوا خطوات واجراءات تساهم في تخفيض مستوى العنف وخلق ظروف اكثر ملائمة لتطوير وازدهار الانسان.

من (كالفن) في اوروبا الى (هوبز) في الشرق الأوسط :

رغم ان الاسلام السياسي في الشرق الأوسط برز كظاهرة حديثة غير ان الطريق الذي اتّبعه والأزمة التي أشعلها تعيد الى الأذهان أجزاء ومراحل مّر وعانى منها الغرب ايضاً. فما ظهر في البداية على انه تنافس بسيط بين الاسلاموية والعلمانية ثم تفاقم فيما بعد وتحول الى صراع متشابك ومعقد. غير ان جوهر السؤال المطروح بقي كما هو ويدور حول مفهوم السيادة في المجتمع، اي ما هي السيادة ومن الذي يحوز عليها في المجتمع. ونقطة الانطلاق في هذا المنعطف هو : مصدر التشريع ومحتواه. هنا يصر الاسلاميون على ان هذا المصدر يجب ان يكون الشريعة، اي ان النصوص المقدسة في الاسلام يجب ان تكون مصدر القوانين وهي في هذه الحالة الوحي الذي نزل من الله على النبي محمد المتضمن في نصوص القرآن بالاضافة الى اقوال الرسول كما وردت في الأحاديث النبوية. ويرد العلمانيون بان القوانين يجب ان يكون مصدرها العقل والتجربة الانسانية وليس الاسلام، او كما يفضل العلمانيون المعاصرون ان يقولوا انه لا يجب ان يكون الاسلام هو المصدر الوحيد للقوانين .

لقد جاءت العلمانية الى الشرق الاوسط عن طريق المستعمر الاوروبي، حيث تبنتها النخب المسلمة بعد ان نالت دولها الاستقلال وذلك لأن الدول الاوروبية القوية المتفوقة انتصرت على الامبراطورية العثمانية وأذلتها والتي كان ينظر اليها على انها دولة الخلافة، اي النظام الحكومي الاسلامي المهيمن.

غير ان العلمانية قوبلت بالرفض من قبل الاسلاموية ( الحركة السياسية الاسلامية). ومع ان هؤلاء لا يقدمون او يطرحون افكارهم باعتبارها ايديولوجية بل بكونها وبكل بساطة : اسلاما، اي ديانة النبي العريقة، الا ان افكارهم في الحقيقة لها جذور أكثر عصرية.

ففي الربع الثاني من القرن العشرين توصل الاسلاميون الاوائل الى قناعة انه من الصعب على المسلم ان يعيش تقيّاًفي ظلّ نظام علماني مما جعلهم يبادرون الى تشكيل وتنظيم حركات للمقاومة. وخلال الخمسينيات اصبحت هذه الحركات اكثر راديكالية وصاروا يتحمسون للدعوة الى دولة تفرض الشريعة بالقوة. وكان للعلمانية اليد الطولى في الستينيات من القرن الماضي غير ان التراجعات والارتدادات التي حصلت في العقود التالية اعادت نفوذ الاسلاميين كما حصل بعد هزيمة العلمانيين في مصر اثر حربها مع اسرائيل عام 1967 ، ثم بعد الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 ، وكذلك حرب الخليج 1990-91 .

بمعنى ما يمكن اعتبار ان الاسلام السياسي قد حقق انتصاراً، مع العلم ان المسلمين اليوم لا يمكن وصفهم على انهم علمانيين او اسلاميين بالمطلق وان كان معظمهم يميل باتجاه الاسلاميين. لقد بين استفتاء قامت به (بيو ريسيرتش سنتر) ان الأغلبية في كل من مصر، العراق، الأردن، المغرب والأراضي الفلسطينية يفضلون ان تكون الشريعة قانون البلاد.

وفي احصاء آخر قامت به مؤسسة (غالوب) ان النساء في خمس دول عربية هي: مصر، ليبيا، سوريا، تونس، واليمن يفضلن تطبيق الشريعة. ومازالت تقوم داخل المعسكر الاسلامي انقسامات عميقة حول دور الدين في الحياة العامة وكذلك دور رجال الدين في المؤسسة الحكومية، ولهذا يوجد حكام علمانيين يتبنون بعض عناصر الدين الاسلامي.

ورغم هذه النجاحات ما زال الاسلام السياسي يواجه بعض الشكوك حول قابليته للاستمرار والبقاء، وقد لاحظ الباحثون منذ البداية ان الاسلام السياسي لا يمكن ان يتلائم مع قضايا العصر، وبينت لهم الأحداث مؤخراً ان تزايد العنف في الشرق الاوسط بما فيها الأعمال الانتحارية للارهابيين وقيام المجموعات الجهادية بقطع الرؤوس مثل داعش، تدل كلها على ان هذه الحركات تعيش حالة من اليأس في مراحلها الاخيرة.

وان وجد في تارخ اوروبا درساً اساسيا يمكن للشرق الاوسط ان يتعلم منه فهو ان لا يقلل المرء من أهمية وجدية الخطورة المرتبطة بالاسلام السياسي.

يتبع..

  • Social Links:

Leave a Reply