من عصر (جون كالفن) الى عصر الخلافة (2/2) ــ يونادم يونادم

من عصر (جون كالفن) الى عصر الخلافة (2/2) ــ يونادم يونادم

 

ان تاريخ الحروب الدينية في اوروبا يبين ان التقليل من أهمية او الاستخفاف بما يظهر على انه مجرد ايديولوجية قديمة عفا عليها الزمن هو مسألة خطيرة جداً. ففي مجرى الحروب الدينية الاوروبية وعند منعطفات معينة منها تبين فيها ان منطق العقل والتقدم بدأ يملي على الاطراف المتنازعة وضع حد للنزاع كما هي الحال عندما أخذ النزاع البروتسنتي – الكاثوليكي ينوء بثقله على حياة السكان وعلى أوضاعهم الاقتصادية . فأثناء محطات عديدة في مجرى هذه الحروب وكذلك في عام 1555 وافق عدد من الامارات الرئيسية في المانيا على مبدأ حق تقرير المصير الديني، وخلال العقد الذي اعقب عام   1590 اي حين انتهت الحروب الدينية في فرنسا وضمنت الجمهورية الهولندية البروتستنتية استقلالها من اسبانيا الكاثوليكية خيّل للكثير ان الازمة قد زالت نهائياً، واعتقد الأمراء ، والنبلاء، ومجالس المدن واتباعهم انهم جمياً قد استقروا وتوصلوا الى اقامة سلام عملي، وان البراجماتية السياسية العقلانية اخذت تسود وبدأت الآمال تنتعش بقيام اوروبا جديدة تلبّى فيها المصالح المعيشية للناس وليس تطلعاتهم الايديولوجية.

غير ان اوروبا لم تكن مستعدة لمثل ذلك الانتقال فهي لم تتخلّص بعد من العنف الايديولوجي لأن أزمة الشرعية التي كانت قد اشعلتها بقيت نيرانها تتقد. ومعظم السكان في اوروبا ظلوا محافظين على اعتقادهم ان استقراراً سياسياً دائماً يتطلب ايضاً انسجاماً دينيا قبل اي شيء آخر، وهذا التفكير تركهم في وضع تستطيع اي شرارة مهما صغرت ان تعيد استقطاب المجتمع الى مجموعتين راديكاليتين متعارضتين. وهذا ما حصل بالفعل حين قام البروتستنتيون في بوهيميا بثورتهم فدفعوا باوروبا نحو (حرب ال 30 عاماً ) وذلك في سنة 1618، ولم تفقد العقائد الدينية من قوتها التحريضية الى ان توصّل الاوروبيون الى الفصل بين القضايا المتعلقة بالايمان وتلك المتعلقة بالسياسة.

ولقد حصل وضع مشابه خلال العهود الأخيرة اثناء الصراع الذي كان دائراً في القرن العشرين بين الليبرالية والشيوعية . ففي الثلاثينيات من القرن الماضي وبعد ان خلّف (الكساد الكبير) عذابات مريرة للشعب الامريكي وجعل قادة الفكر والثقافة في الغرب يقتنعون ان زمان الديموقراطية الليبرالية

قد ولّى تماماً، وتكون اعتقاد لفترة من الوقت ان الدول ذات التخطيط المركزي والقسري مهيأة بشكل أفضل للتعامل مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة ودفع بعض المفكرين الى التسليم والاقتناع بالشيوعية، حتى ان عدداً قليلاً منهم زار الاتحاد السوفييتي وأبدوا اعجابهم به حيث كانت الصناعة تتقدم تحت سلطة ستالين ولم تجري اية اضرابات عمالية. و لقد عبر عن تلك المشاعر الصحافي الامريكي لينكولن ستيفنس حين قال : “ لقد انتقلت الى المستقبل وانا ألمس الآن نتائجه الناجحة.” لكن الديمقراطية الليبرالية أعلنت فوزها في النهاية.

النقطة الهامة هنا ليست فيما اذا كانت الحركة السياسية للاسلام ستنتصر ام لا في الشرق الاوسط بل فيما اذا كانت النخبة الواعية قادرة على تخفيض مستوى التوقعات بشأن جدوى قيام الأنظمة السياسية البديلة وما قد تجلبه من عواقب كارثية. من الواضح ان احد الاسرار وراء بقاء الاسلام السياسي طوال هذه الفترة هو ان الغرباء او من هم خارج اجواء الشرق الاوسط كانوا يقللون من أهميته ودوره طوال تلك الفترة. لقد اثبت التاريخ ان الايديولوجية قابلة لأن تمدد حياتها حين يوجد من يتبناها داخل مؤسسة الدولة، كما حصل للديقراطية الليبرالية عام 1930 في الولايات المتحدة وكما يحصل اليوم للاسلام السياسي والذي يبدو انه بعيد عن الزوال في الوقت الحاضر، هذا ان لم يكن في حالة استعداد لجولة ثانية.

هل كل مايحصل هو بإسم الله؟

ان الاسلام السياسي مثله مثل بقية الايديولوجيات القديمة المتخاصمة لا يوجد في حالة من الوحدة والانسجام. اذ رغم ان الاسلاميين يشتركون عموماً باخلاصهم للشريعة لكنهم يأتون من مقدمات مختلفة ومتنوعة : فهناك سنة وشيعة وهناك متطرفون ومعتدلون وهناك ايضاً قوميون وأمميون لا بل هناك امبرياليون. لقد افضى كل هذا التنوع الى قيام جدل داخل القيادات السياسية في الغرب يدور حول اذا كان يجب على الولايات المتحدة وحلفائها ان تستوعب الحركة الاسلامية السياسية المعتدلة والبراغماتية اينما وجدت ضمن المناطق التي تتنافس فيها مع الحركة الاسلامية الراديكالية، وهؤلاء الذين يرفضون مثل هذا الموقف هم من النوع الذي يصور الحركة الاسلامية باعتبارها كتلة واحدة منسجمة يوحدها الحقد على الغرب، اما الذين يوافقون على هذا الموقف فهم عادة يؤكدون على وجود الانقسامات والاختلافات القائمة داخل الحركة الاسلامية . ان حدوث مثل هذا الجدل ليس شأناً جديداً وعادة ما يلجأ خصوم أيديولوجية معينة الى استغلال الانشقاقات الايديولوجية نفسها لقلب ميزان الصراع لصالحهم. فعبر تاريخ الغرب حاولت القوى الخارجية مراراَ الاعتماد على سياسة فرّق تسد رغم ان النتائج كانت أحياناً تأتي على عكس التوقعات، كما حصل في حالة ( الحروب الدينية- حروب الثلاثين عاماً ) اذ نجم عن طول مدة الصراع الى نشوء انشقاقات في الايديولوجيات المهيمنة في اوروبا حتى ان بعض تلك التحولات التي نجمت عن ذلك النزاع الطويل تمكنت من الاستمرار والبقاء لتنافس الايديولوجية الأصلية التي انشقت عنها. فالبروتستانتيية التي بدأت باعتبارها لوثرية ولكنها تحولت سريعاً الى (الزوينغيلية) في سويسرا والى حركة ( تجديد العماد- انابابتيزم) في المانيا وجرى ذلك قبل ان ينتعش التوجه ذو النمط الكالفيني في فرنسا والنمط الآخر الانجيلي في بريطانيا. ونشب صراع بين الكالفينيين والبروتستنتيين من اجل التوسع والنفوذ واصبح كل منهما عدواً للآخر اكثر من كونهما اعداء للكاثوليكية، واثناء ذلك لم تتوقف جهود سلالة (هابسبورغ) الكاثوليكية التي كانت تحكم (الامبراطورية الرومانية المقدسة) عن انعاش وتأجيج كل تلك الانقسامات الموجودة. ورغم ذلك فقد فشلت هذه الاستراتيجية في اضعاف ال (كالفينيين) ومنعهم لاحقاً من تشكيل جبهة موحدة مع ال (لوثيريين) في (حرب الثلاثين عاماً) والمهم هنا هو ان تتأكد الاطراف الخارجية من وجود بعض القادة الأيديولوجيين ممن هم على استعداد للوقوف ضد الراديكالية ثم معرفة كيف يمكن الاستفادة منهم وتحقيق النجاح في آخر الأمر. ان مسألة التدخل الخارجي ، سرياً كان ام علنياً، من قبل قوى خارجية يبقى سمة مميزة للازمات الطويلة الامد والمتعلقة بالشرعية. ان الصراع بين الحركة الاسلامية وبين العلمانية هو آخر تلك المبارزات التي يحتشد فيها لاعبون خارجيون قرروا التدخل في قضايا تتعلق بالاوضاع الداخلية لدول أخرى عن طريق نشاطات تجري من خلف الكواليس او عن طريق التدخل العسكري المباشر. البعض كان ينتقد كل اشكال التدخل الخارجي ولقد اعتبرت بعض هذه الانتقادات ان الحملات الأمريكية في أفغانستان والعراق وفي ليبيا هي بمثابة انفجارات لاعقلانية تشبه الحملات الصليبية التي تقع خارج حدود الكفاءة السياسية الحكيمة، وفي الوقع ليس غريباً ان تقوم قوة عظمى باستخدام القوة من أجل التغيير او للمحافظة على النظام في دولة أخرى ولا يمكن تجنب حدوث تدخلات خارجية اذا كان الأمر يتعلق بصراع ايديولوجي فعملية التدخل الخارجي في هذه الحالة هي جزء لا يتجزأ من القضية الأساسية.

ان عمق الاستقطاب الرئيسي الذي يفرزه هذا النوع من الصراع يساعد في تفسير اسباب انتشار التدخل، اذ ان النزاعات الايديولوجية غالباً ما تزيد من حدة الانقسامات الاجتماعية لدرجة ان ولاء الناس لأطراف خارجية يصبح اكثر متانة وقوة من ولائهم لأبناء بلدهم الذين لا يشاركونهم نفس المبادئ. كما ان هذه النزاعات تعجل في وضع الناس والدول اما في صف الصداقة والتعاون مع الأطراف الخارجية او في صف العداوة معها وخاصة اذا كانت تلك الأطراف قوية بما يكفي لمد يد العون لهم، وكذلك فان الأطراف الخارجية تجد في هذه الأزمات فرص سانحة لإيجاد أصدقاء جدد او من أجل منع بروز أعداء جدد.

ان تدخل الأطراف الخارجية لا يحتاج ان يكون لها مصلحة دينية في النزاع الدائر اذ يكفي ان يكون لها مصالح مادية للقيام بالتدخل وفي حالات اخرى تتضافر الحسابات الأيديولوجية مع المصالح المادية لكي تبادر في التدخل. ففي عام 2011 ، على سبيل المثال، وخلال أحداث الربيع العربي قامت السعودية ذات الأغلبية السنية بارسال قوات الى البحرين لاخماد تمرد شيعي هناك ولإحتواء امكانية قوة الاسلام الشيعي المتمثلة بايران. وبعدها بفترة قصيرة قامت ايران بالتدخل في سوريا ودعم نظام الأسد ضد المتمردين السنة الذين سيضعون سوريا في صف واحد الى جانب السعودية في حال انتصارهم. ان تطورات كهذه ادت الى مخاوف من زيادة حدة انجرار دول الشرق الاوسط واندفاعها الأيديولوجي لتدمير النظام الاقليمي في تلك المنطقة. حتى ان بعض المراقبين قلقون من ان ايران في حال حيازتها للسلاح النووي قد تقوم باستخدامه لقلب موازين القوى المتزعزعة في الشرق الأوسط حتى وان ادى ذلك الى حصول دمار شامل.

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply