مهما يكن من أمر الأديان وتاريخها، وما يكتنفها من غموض وفروقات، المهم هو الجوهر، وهذا ماثل في القرآن والأناجيل، وباقي “الكتب المقدسة” خير تمثيل، وحين يصبح “المسلمون” مسلمين حقيقيين، لن يحتاجوا بعدها إلى فرض دينهم على الآخرين، ولن يحتاج مسلم مؤمن، إلى التخلي عن إيمانه ليدخل في المسيحية، أو يحتاج مسيحي مؤمن، إلى التخلي عن إيمانه ليدخل في الإسلام. أذكر في هذه المقام كلاماً حدّثني به صديق لي من رجال الأعمال المسيحيين المخلصين، مفاده أن أحد “المسلمين” جاءه مرة وقال له، بشيء من المحاباة والتزلف، إنه يفكر في هجر الإسلام، والدخول في المسيحية، فأجابه الصديق المجرّب، العارف دخيلة محدثه: “خير لك أن تقابل ربّك مسلماً سويّاً، من أن تقابله مسيحياً منافقاً”! أذكر في هذا المقام أيضاَ العظة العظيمة التي ألقاها الإمام موسى الصدر منتصف السبعينات، في كاتدرائية مار لويس اللاتينية للآباء الكبوشيين في بيروت، وقوله فيها: “كانت الأديان واحدة، حيث كانت في خدمة الهدف الواحد: دعوة إلى الله وخدمة الإنسان، وهما وجهان لحقيقة واحدة. ثم اختلفت، عندما اتجهت إلى خدمة نفسها، ثم تعاظم اهتمامها بنفسها، حتى كادت أن تنسى الغاية، فتعاظم الخلاف واشتد، وازدادت محنة الإنسان وآلامه”.
مهما يكن، هناك أمر يجب أن يكون واضحاً لدى العلمانيين، والملحدين والمشككين، أنه مهما اختلفت آراؤنا في “الكتب المقدسة”، وتباينت حول إنسان أو “نبي” أو “ربّ” ظهر في التاريخ اسمه “يسوع”، أو إنسان أو “نبي” اسمه محمد، ولد وعاش في بلاد العرب وتلقى الوحي من السماء، أرى التجديف على الكتب، والقول للناس في المجالس، وعلى صفحات الصحف، إن كتابكم سيئ هو عمل غير أخلاقي. الناس يختلفون بحسب خلفياتهم، وكل عالم أو مثقف، درس الفلسفة والعلوم، وأوصلته علومه وتأملاته إلى اللاأدرية Agnosticism أو الإلحاد، يختلف عن مواطن ولد في قرية نائية، ولم تسعفه الظروف ليدخل كلية أو جامعة، ليقرأ كتاباً مثل “رأس المال” لكارل ماركس، وكتاباً آخر مثل “أصل الأنواع” لتشارلز داروين، أو كتاباً في الإلحاد مثل “لماذا لستُ مسيحياً” لبرتراند راسل، بل اختلف إلى مدرسة ابتدائية، وعاش حياته يفك حروف القرآن، أو الإنجيل، أو التوراة، أو “كتاب الحكمة”، أو كتاب الصابئة “كنزاربا”. المقصد من الكلام، أنه مهما فعلنا، كعلماء وأهل فكر ومعرفة، لن يكون في مقدورنا إخراج الآيات من وجدان الناس، والحكم الشيوعي الذي دام سبعين عاماً خير دليل. آيات القرآن، وأقوال “المسيح” في الأناجيل، وأسفار التوراة، وأناشيد “داود النبي” وآيات “كتاب الحكمة” مغروزة في صدور البشر منذ مئات السنين. هي تراث البشرية، ومن الخير أن تبقى، شرط أن لا تؤثر في الجوهر، وتغدو عقيدة ذاتية جامدة، تهدد النسيج الاجتماعي والروحي وأواصر التعارف بين الناس، وتتحول إلى عصبية هوجاء، ينشرها الغلاة في القرى والدساكر والأقاليم، كما النار في الهشيم.
لن ينفع التجديف على “الكتب المقدسة”، وسياسة تسفيه معتقدات الآخرين. كان جدّي أمياً، وكذلك كانت جدّتي، كذلك كان أبي وكانت أمي، ولا أذكر أن “الله” غاب عن بيتنا يوماً، بل بقي اسمه يتردد صبحاً ومساءَ، فمن أنا القادم من الغرب العلماني لأكرز بينهم بفكر جديد، وأقول لهم إنكم على خطأ، وإن ما تؤمنون به خرافة لا تصمد في وجه العلم؟! لا أحد في العالم يحق له أن يصادر الحقيقة مهما كانت جلية، وكما أن المعرفة حقيقة، كذلك هو الجهل، إنه قائم وظاهر أمام كل عين! لا يكفي على سبيل المثل، أن نلوم “الدواعش” ونحاربهم! هم مجرمون وسفاحون وقتلة بمقاييس العدل والرحمة، لكنهم، من وجهة نظر فلسفية واجتماعية، مساكين وأبرياء وضحايا، كما الضحايا الذين يموتون بنيرانهم وحرابهم. علينا أن نفهم الظروف التي تدفع “داعشياً” في مقتبل العمر، ليفجر نفسه في بيروت أو باريس. هو يبيد نفسه قبل أن يبيد الآخرين. نلومه بالطبع، لا نترحم عليه ونسجنه مدى الحياة إن بقي حياً، لكن هذا لا يكفي. وكما أنه لا يكفي أن ندين المحشش، من غير أن ندين تاجر الحشيشة، لا يكفي أن نلوم “الداعشي”، من غير أن نلوم الذين هيأوا الظروف التي جعلته “داعشياً”: أصحاب العصبيات الدينية المغايرة، سنّية وشيعية، وأنظمة الدول التي تفيأت بظلها هذه العصبيات، والدول الاستعمارية، والعربية وغير العربية، التي تذكي نار الفتن، وتقدم المال والعتاد والأسلحة.
لو كانت الدول العربية مدنية، هل كنا شهدنا هذه المظاهر وهذه الآثام؟ هل كنا شهدنا هذه المؤسسات الدينية تتصارع باسم “الله”، وهذه الأنظمة العربية الفاسدة، ومنها نظامنا الإقطاعي العنصري الذي يقسّم البلد مذهبياً، ويتعامل مع المواطنين على أسس طائفية، لا نظير لها حتى في عقائد القرون الوسطى؟ على الأحرار في لبنان إذاً، من مسلمين ومسيحيين حقيقيين، ورجال الدين الأتقياء الورعين، والعلمانيين والمثقفين، ودعاة المجتمع المدني، أن لا يعوّلوا على أحد من أهل السياسة في بناء الدولة المدنية. في كتابه “روح القوانين” يضع مونتسكيو، أحد أكبر فلاسفة التنوير، وأكبر كاره للأصولية الدينية في تاريخ فرنسا، أسس الجمهورية، ويقول ما معناه إننا لا نستطيع أن نبني قبل أن نهدم، ولا أن نركّب قبل أن نفكّك، لذلك فإن هدم النظام الإقطاعي الطائفي القائم في لبنان، شرط أساسي لبناء الدولة المدنية، والتخلص من آفة “الإنفصام الخلقي والروحي والوطني” التي يعانيها اللبناني منذ أن يولد إلى أن يموت. هذه الدولة لن تكون حلاً لهذا الوطن المعذب بتاريخه وجغرافيته وحكّامه فحسب، بل ستكون أيضاً نبراساً تستنير به الشعوب المجاورة، وخشبة الخلاص الوحيدة في بحر هذا الشرق المتلاطمة أمواجه.
لن يكون التديّن حلا لمشكلات البشر، خصوصاً حيث تتعدد الأديان والمذاهب، كما في الشرق، وفي لبنان بنوع خاص. ما يجمع البشر، وما هو أدنى إلى “الله”، الدولة المدنية التي هي دولة التعارف، ودولة الإيمان أي “دولة الله”. هكذا سمّيتها في الرسالة التي وجهتها العام الماضي عبر “ملحق النهار”، إلى السيد حسن نصر الله، وبوحي من شعور لا يعرف التديّن، ولا يعتدّ بغير الإيمان طريقاً، كتبت أيضاَ رسالة إلى “مسيحيي” لبنان للعمل على إقامة دولة مدنية، كحل لا حل غيره لهذا الوطن الصغير المعقد والمعذّب. بوحي من هذا الشعور ذاته أيضاً، أوجه هذه الرسالة إليكم يا “مسلمي” لبنان، لأقول إن لا تناقض بين الدولة المدنية والقرآن، وأن في ظلال هذه الدولة وحدها تنمو براعم إسلام صحيح، تصونه القوانين المدنية العامة، قوانين التعارف التي يوصي بها القرآن.
قد يكون من الحكمة أن أذكّركم أيها القراء الكرام، بمجتهد مجدد، أحسبكم قرأتموه أو سمعتم به، هو الشيخ الإمام محمد عبده (توفي في العام 1905)، مفتي الديار المصرية، ورائد حركة الإصلاح الديني في مصر. أنقل إليكم كلاماً قاله عند عودته إلى مصر، بعد رحلة طويلة إلى أوروبا: “ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، وعدت إلى الشرق فوجدت مسلمين ولم أجد إسلاماً”! قال الشيخ الإمام هذا الكلام بعدما وجد أن الإسلام الذي حلم به، لم يكن في مصر، ولا في أي دولة من دول العالم العربي، أو “الإسلامي”، بل في ظلال الدولة المدنية التي عاينها في أوروبا. لم يكتف الإمام العاقل الحكيم بذلك، بل ذهب إلى الأبعد، وانتقد الغلاة من الأزهريين وغير الأزهريين، وقال قولته الأخرى الشهيرة: “هو دين أردت إصلاحه، وأحاذر عليه من اصحاب العمائم”!
الدولة المدنية لا تلغي الدين من الحياة، ففي الولايات المتحدة لا يزال اسم “الله” مطبوعاً على ورقة النقد الأميركية، وفي بلاد مدنية علمانية عظيمة مثل بريطانيا لا تزال الملكة رأس الكنيسة، ولا يزال الدين أحد أعمدة الحكم، ومادة تدرّس في المدارس، ولا تزال القوانين تحمي ما هو “مقدس”، وتعاقب امرءا يعيّر آخر بدينه، أو بعرقه، أو بلونه، ولا تزال القوانين تمنع افتتاح حانة للشرب، أو نادياً للقمار بالقرب من مدرسة أو معبد، وتمنع بيع التبغ والمشروبات الروحية، لمن هم دون الثامنة عشرة، ومحظورات كثيرة لا مجال لذكرها هنا.
قد تتساءل أيها القارئ الكريم أيضاَ عن الدافع وراء هذه الرسالة، ولماذا أوجهها إلى “مسلمي” لبنان؟ الجواب نابع من محنة شخصية وعامة, فقد ولدت في بيت كان البيت “الشيعي” الوحيد، في حي من أحياء بيروت “السنّية”، وكانت مدرستي الأولى مقاصدية تأخذ بالمذهب السنّي، لكنني لا أذكر في حياتي كلها أن كانت هناك عداوة بين السنّة والشيعة، كما هي الحال في هذه الأيام. لا أظنّها كانت أيضاَ، كما هي اليوم بين سنّة العراق وشيعته، وبين سنّة سوريا وعلوييها، وبين الغلاة من “المسلمين”، وأخوانهم في الدين، ولا بينهم وبين “المسيحيين”، ولا بين الحوثيين وغير الحوثيين. كثيراً ما فكرت وأنا في الاغتراب: لماذا لا يحترب المنتمون إلى المدارس والطوائف “المسيحية”، من كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس وغيرهم، كما يحترب السنّة والشيعة، علماً بأن الفوارق “الدينية” بين المدارس والطوائف “المسيحية”، أكبر بكثير مما هي بين السنّة والشيعة، وهي تتباين حتى حول أمور تتعلق بطبيعة “المسيح”؟! لقد اختلفت الطوائف “المسيحية” في ما بينها في الماضي، وأشعلت حروباً دامت سنين طويلة، ولم تتوقف إلا عندما قامت الدول المدنية، أفلا يجدر بنا أن نتعلم من تجارب الآخرين، بدلاً من أن نحرق الأخضر واليابس لنتعلم الدرس؟! كثيراً ما تساءلت أيضاً، عن الحل الذي يمكن أن يوقف هذا الصراع، الذي بدأ يدمي جسد العرب والعروبة، ويكاد يدمي جسد لبنان، ونسيجه الوطني والاجتماعي، فلم أجده إلا في جواب يعرفه القاصي والداني من المتنورين، أي في الدولة المدنية.
نظرت من حولي في لندن حيث أعيش، في أوروبا حيث أتجول، فوجدت الملايين من “المسلمين” يمارسون طقوسهم وعباداتهم، ولم يحدث أن توترت العلاقة بينهم وبين أهل البلاد، إلا عندما تحزبت فئات قليلة منهم، نتيجة رياح دينية ومذهبية، هبّت عليهم من الشرق “الإسلامي”، فأفسدت حياتهم، ووتّرت العلاقة بينهم وبين مواطني بلاد يعيشون فيها وينعمون بخيراتها. غير أن السؤال الأساس، الذي يقض المضاجع، بقي ماثلاً: هل تخالف الدولة المدنية روح القرآن؟ هل يمكن القرآن والدولة المدنية أن يتعايشا؟
ذكّرني التساؤل بطه حسين، في مقدمة كتابه عن المتنبي. كان عميد الأدب يهمّ بالسفر إلى جنوب فرنسا لتمضية الصيف رفقة أولاده، وزوجته الفرنسية سوزان، ومعاون له كان يعتمد على نظره في القراءة. أراد عميد الأدب أن تكون رحلته فرصة يبتهلها لوضع كتاب عن المتنبي. سأله المعاون وهم يعدّون العدّة للسفر، ما إذا كان يريد بعض المراجع، وبعض كتب النقد والشروح، فأجابه الأديب الكفيف النظر البصير الرؤية: أريدك أن تحمل كتاباً واحداً لا غير، هو ديوان المتنبي، لأني أريد التعرف إلى الشاعر من خلال ديوانه، لا من خلال ما قال الناس عنه وما كتبوا. هكذا ظهر كتاب “مع المتنبي”، أحسن ما ألّف عن شاعر العرب الأكبر حتى الآن!
فكرت في عميد الأدب وكلامه في ذلك التصدير، وقلت في نفسي: سأبدأ بالقرآن، بالقرآن وحده، لأنه النبع، ولأنه المصدر، ولأنه الكتاب الوحيد المجمع عليه بين “المسلمين”. قدرت أني ما إن أفرغ من المصحف، حتى أفتح بعدها عيني وأذني لأقوال المفسرين والشرّاح. أردت أن أعرف ما إذا كان في القرآن إشارة إلى خلافة أو دولة دينية. نظرت وأنعمت النظر، فلم أجد علامة واحدة تدل على هذه الدولة المزعومة، أو هذه الخلافة التي تتمنطق هذه الأيام بالسكاكين والبارود، وتضم تحت راياتها، عشرات الآلاف من الشباب الهائج، وتدغدغ أحلام الملايين من المحسوبين على الإسلام.
يتبع ..

Social Links: