لم أجد في الكتاب نظاماً للحكم. وجدت أننا متى تدبرنا الآيات بروية، وقلب سليم، سندرك أن “القرآن” كتاب يمكن أن يصلح لكل مكان وفي كل زمان، وأن حدود “الله” التي يطلب القرآن من المؤمنين أن لا يتعدّوها، لا تتعارض مع الدولة المدنية، بل تتعارض مع الدولة الدينية، التي يريدها المتزمتون، والمتاجرون بالأديان. هؤلاء يأخذون بشرعية الخلافة استناداً إلى آية تقول “فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق”. هذه الآية موجهة إلى “الرسول”، وإلى “الرسول” وحده. ثم من قال إن الدولة المدنية لا تحكم بما أنزل “الله”؟ أليست هي دولة الإيمان التي يشعر فيها المواطنون جميعهم بالأمان والعدل والمساواة وحرية الاعتقاد؟ اليس هذا ما يريده “الله” لعباده؟! هناك عشرات التجارب في التاريخ المعاصر على “صحة” هذه الدولة كدولة للإنسان، وليست هناك تجربة واحدة “ناجحة” على صحة الدولة الدينية، لا في هذا العصر، ولا في أي مرحلة من مراحل التاريخ. من ثمّ، هل كانت الدول التي سمِّيت إسلامية، دول عدل وحرية ومساواة، كما الدول المدنية الآن؟!
يستدل القائلون بشرعية الخلافة على آية تقول: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”. يتخذونها حجة ليقيموا دولة الخلافة ليكونوا هم أصحاب كراسيها ومقاليدها، في الوقت الذي يجب أن يكونوا أول من يطيع الله! هل تعني هذه الآية خلافة فعلاً؟ هي تشير إلى طاعة الله والرسول وأولي الأمر، لا إلى خلافة أو إلى أي آلية من آليات الحكم. إن طاعة “الله الحي القيوم” هنا واضحة لا جدال فيها، وأما “الرسول” فقد توفي، ولم يبق لنا إلا أولو الأمر، فمن هم أولو الأمر هؤلاء الملتزمون شرع الله، الذين يريدنا، أصحاب نظرية الخلافة، أن نطيعهم؟ هل هم موجودون فعلاً، وأين؟ هل هم أصحاب خلطة الدين بالسياسة، الذين يسيئون إلى الدين وإلى السياسة؟ هل هم أصحاب الأوقاف “الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً” كما جاء في القرآن، أم أولو الأمر من أصحاب الفتاوى، الذين يظهرون على “الفضائيات”، ويخرجون بأقوال واجتهادات يتخذها “جند الله” حجة لقتل الأبرياء، وقطع رؤوس من لا يدينون بدينهم؟!
حين لا يجد أصحاب نظرية الخلافة “الدليل القاطع” على خلافة، أو دولة دينية في القرآن، يلجأون إلى كتب السيرة والحديث، هكذا تصير كتب مثل “صحيح البخاري”، و”صحيح مسلم” سنداً “أوفى” عندهم من القرآن! أما نحن “أصحاب نظرية الدولة المدنية”، فلا كتاب في الدين عندنا، نأخذه مرجعاً وسنداً إلا القرآن (والحمد لله)، لأنه منارة الإيمان الوحيدة على طريق الإسلام، ولأنه الكتاب الوحيد المجمع عليه بين المسلمين، ولأن الدولة الدينية، مسألة لا إجماع عليها بين “المسلمين”، وكلٌّ يبتغيها على قياسه. فبينما يريد السنّة أن يسمى قائدها أو رئيسها “خليفة”، يريد الشيعة أن يكون “إماما”، هذا في رأس الهرم، فما بالك بالفروع؟!
لهذا كله، فعلتُ ما فعل طه حسين. اكتفيت بالقرآن، وبالقرآن وحده، لتأكيد الحجة. لم آخذ برأي فقهاء يفسرون الآيات وفق مزاجهم ومصالحهم، ويختلفون في ما بينهم، ولا يجمعون على رأي! لم آخذ بالسيرة لأنها مشوشة، ولا أساس تاريخياً لكثير مما جاء فيها من أخبار وأحاديث وروايات. أخذت بالقران وبالقرآن وحده، لأن فيه آية تقول “إن الله غني عن العالمين”، ولأن “الله” في القرآن يوصي بأن يكون التعبد إيمانياً، لا تديّناَ أعمى. هكذا يجب أن يُفهم الإسلام ويُعرض، شريعة يتصالح المسلم بها مع نفسه ومع بني جنسه، بغض النظر عن أعراقهم وألوانهم وانتماءاتهم الروحية، ولا يكفّر أحداً من الناس، لأن عند “الله” وحده يكون الحساب. لأجل ذلك كله، أوجّه هذه الرسالة إليكم يا “مسلمي” لبنان. أكتبها بنية صافية سليمة لا تشوبها شائبة، ولا ترمي إلا إلى الخير، فالأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى. أدعوكم إلى أن تشاركوا أخوانكم المسيحيين في بناء الدولة المدنية، لأنها كما هي دولة القرآن، هي أيضاً دولة الأناجيل، والدولة الوحيدة التي تصون الرسالات الروحية من عبث المنافقين والمتاجرين من أهل السياسة وأهل الدين!
من المتشدّدين من يرى في كلمة “خليفة” الواردة في القرآن حجة لتأسيس دولة الخلافة. هذه الكلمة لم ترد في الكتاب إلا في سورتين، الأولى في سورة البقرة، وتعني البشر أجمعين، “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقّدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون”، وفي المرة الثانية في سورة “صاد”، وفيها وعد من “الله” إلى داوود “النبي”: “يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب”. يستدل من الكلام هنا أن كلمة خليفة تعني “رسول”، أي أن “الله” جعل داوود رسولاً، وهي خاصة بداوود وعلاقته بشعبه وزمانه على أي حال، ولا علاقة لها بالعرب، ولا بالمسلمين!
سيقول قائل: ماذا عن الزواج ماذا عن الطلاق ماذا عن الإرث، وغيرها من تعاليم هي أساس الشريعة؟ ما المشكلة إذا قلنا إن “حدود الله” هنا أرضية، كان لا بد منها في أزمنة محددة، وإنه ما دام الزمن قد تغير، فلا ضير أن نتجاوزها إذا كان هذا التجاوز، لا يعني خروجاً على جواهر الإيمان؟ إذا كان “الله” يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، ألا يعني ذلك أن من حقنا أن نجتهد، ونضع القوانين التي تناسب عيشنا، ما دمنا ملتزمين روح الكتاب في الخير والصدق والتسامح والرحمة والمحبة، وما دام الحاكم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟! “الله غني عن العالمين”، هكذا يقول الكتاب، وإن نحن تعبّدنا ووضعنا ما يناسبنا من قوانين، فذلك لأجلنا، لا لأجل “الله” الغني عنا، وعن العالمين.
قد يقول قائل إن القرآن نمط حياة، وإن ما فيه شريعة لا تقبل التبديل والتعديل، وإن القوانين المدنية لا تتوافق مع القوانين الإلهية، الصالحة لكل زمان ومكان. لست فقيها، ولن أذهب مذهب الفقهاء، ولست مؤهلاً لأعتمر عمامة أحد منهم ولا أريد، لكن أقول إن التفسير ليس وقفاً عليهم وحدهم. أعمل عقلي في ما هو أمامي وأقول، إن الدولة المدنية ليست خروجاً على الإسلام، بل هي الدولة الوحيدة التي تجعل المسلم يخاف “الله”، ويؤاخي المسيحي واليهودي والبوذي والملحد، وفي القرآن آية جلية واضحة تسند هذا الرأي: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.
القرآن هنا يقول لنا إن التقوى عند “الله” تحتّم علينا التعارف مع القبائل والشعوب، وهؤلاء لا بد أن يكونوا مختلفين عنا حتماً، لأننا لو كنا شعباَ واحداً متجانساً، ولساناً واحداً، لما أوصانا القرآن بالتعارف، وخصوصا أن فيه آية تقول: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة”. هنا لا بد للعاقل أن يتساءل: هل هناك شريعة أفضل من هذه الشريعة التي جاءت من بلاد العرب قبل مئات السنين، وقبل أن يسمع العالم بشيء اسمه شرعة حقوق الإنسان، ويضع المبادئ التي مهدت لتأسيس عصبة الأمم المتحدة؟
يقول القرآن “لا إكراه في الدين”، ويقول للمسلمين أمركم شورى، وإذا اتفق أن وجد الناس الدولة المدنية خير سبيل إلى هذا التعارف وإلى هذه التقوى، فهل تكون هذه التقوى عندئذ خروجاُ على الإسلام، أم تكون من صلبه؟ الدولة المدنية ليست فكراً مستورداً، هي من صلب الإيمان القرآني. أما الذين يظنون أن الخلافة مدينة فاضلة فواهمون، وكلنا يعرف أن الدول التي نشأت في الشرق، وحُسبت على الإسلام قامت بحد السيف والغدر والقتل، وما نقلته كتب التاريخ في هذا الشأن واضح! أما المدينة الفاضلة، التي حكى عنها فلاسفة الإغريق، فهي في الأحلام، ولن توجد في الحياة الواقعة ولو بعد ملايين السنين، لأنها منافية للطبيعة البشرية القائمة على التضاد، وعلى ثنائية الخير والشر، ولأن هذا العالم سيبقى دوماً عالم لصوص وكذبة وأفّاقين ومجرمين وأوغاد كما قال فاغنر، ولقد أوضح القرآن هذه الطبيعة الخيرة الشريرة قبل أن يولد فاغنر بقرون. أوضحها في آية تقول: “ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها”. أما رافضو الدولة المدنية بحجة أنها خطر على المجتمع، ودولة فسق ومجون، فيجب أن لا يغيب عن بالهم أن دولتهم البديلة، الدولة الدينية، ستقضي على العقل إن قامت، وستكون عنصرية لا محالة، وستشعل الضغائن والفتن والحروب، خصوصاً متى ولدت في منطقة تكثر فيها الأديان والمذاهب، وهي لن تدوم على أي حال، لسبب بسيط، أنها مخالفة لروح القرآن!
قد يقول قائل إن الخلافات ستبقى قائمة إذا استبدلنا الحدود القرآنية بقوانين مدنية. أبحث في القرآن فأجد كلاماً لا مثيل له في أي كتاب سموي وغير سموي. آية يمكن أن تكون دستوراً للأمم: “إلى الله مرجعكم جميعاَ فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون”، معناها أن “الله” وحده يبّت الخلافات بين البشر، ولا يحق لغير “الله” أن يفعل ذلك! هل قرأ الداعشيون، والأخوة “المسلمون” من جميع الطوائف والمذاهب، هذه الآية المرددة في غير سورة من سور القرآن؟ أظنهم قرأوها غير مرة، لكن هل فهموها حق الفهم؟ لو فهموها لما تجرأ أحد منهم، على الأخذ بالسيف، ليفرض معتقده على الآخرين.
أعطي بعض الأمثلة التي تجعلنا نقرّ بأن بعض ما جاء من أحكام قرآنية كانت لزمن محدد، مثل الآية التي تقضي بقطع يد السارق. هل يعقل مثلاً أن ننفذ حكماً من هذا النوع في زمننا الحاضر، مع معرفة ما يمكن أن يترتب على هذا الحكم من نتائج، تتحملها دائرة الرعاية الاجتماعية، لتنفق على من قُطعت يده؟
مثل آخر: تقول آية في سورة النساء: “ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة أو ديّة إلى أهله”. ألا تعني جملة “تحرير رقبة” أنها لزمن محدد كان فيه رق وكان فيه عبيد؟ ثم إن قيمة الديّة غير محددة، وقيمتها قبل 1400 سنة غير قيمتها الآن. كذلك، هل يعقل اليوم أن يتزوج رجل أربع نساء، وأن يبقى التناسل كما هو ولا يتحدد، فيما أعداد “المسلمين” في العالم تزداد على نحو مخيف، ومعها نسب الأمية والبطالة والمرض بينهم، لا لشيء إلا لأن القرآن لم يحدد النسل؟! هذا ما يراه بعض “الفقهاء” النجباء الذين يعارضون تحديد النسل، ويبررون الزواج من قاصرات، ونكح اليتامى اللاتي لم يبلغن بعد، أو يحضن بعد.
الآيات القرآنية عند بعض الفقهاء تبيح هذا الزواج، لكن أي عاقل يتدبر الكتاب، سيدرك أنها كانت، استناداً إلى ما تقدم ذكره، تعليمات لزمن محدد، وكان هناك ما يبررها، إذا وقفنا على أحوال الأعراب قبل الإسلام، وما كانوا عليه من تخلف، وحاجتهم الماسة إلى قوانين وإرشادات تخفف من حدة حياتهم البدوية الجافة. لقد منعت دولة مثل مصر الزواج من القاصرات، فهل يعني ذلك أن الدولة العربية الكبرى، التي فيها الجامع الأزهر، وجامع “سيدنا الحسين” خالفت القرآن؟! القرآن لا يتساهل في “العبادات”، لكنه يتساهل في “المعاملات” إذا كان ذلك من ضرورات الزمن وأحكامه. هذا عند العقول النيّرة، لكنه ليس كذلك من منظور الذين “لا” يتسع القرآن عندهم إلا لدماغ واحد: الساعون في الظلم، الظلاميون الكارهون للنور، الذين لا يريدون لشمس الحياة أن تسطع.
مثل آخر يتصل بموقف القرآن من اليهود والنصارى. من يقرأ الكتاب قراءة سريعة، سيعتبره كتاباَ عنصرياً، لأن فيه آية عن اليهود تقول: “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا”. هذه الآية خير دليل على أن بعض ما جاء في القرآن من أحكام، هو لزمن محدد. القرآن لا يمكن أن يكون ضد اليهود في المطلق، بل ضد يهود قدامى خالفوا شريعة “موسى والأنبياء” يوم ظهور الإسلام. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن المسيحيين، الذين يسمّيهم القرآن نصارى. تقول الآية لرسول الإسلام “لن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملّتهم”. هذه الآية لا يمكن أن تكون ضد اليهود والمسيحيين على العموم، بل ضد المتزمتين من “النصارى واليهود”، الذين لا يرضون عن المسلم حتى يتبع ملّتهم، كما “المسلم” المتزمت، لا يرضى عن المسيحي واليهودي حتى يتبعا ملّته. قد أبدو هنا كأنني أقوم بـ”جراحة تجميلية” للقرآن، لكني لا أجد تفسيراً لهذه الآيات القرانية “المثيرة للجدل” في أذهان بعض الناس، ولا أريد أن أجد لها تفسيراً إلا في ضوء مصباح يقضي بقراءة إيمانية غير حرفية للآيات، وإلا وقعنا في حبائل المتزمّتين، وتفاسيرهم الضيقة، التي توسّع هوة الخلاف بينهم، وبين أتباع العقائد الروحية الأخرى، وتجر بلادنا وأجيالنا إلى الوراء.
مهما يكن، هناك آيات فيها مديح للنصارى، ومديح غير عادي لبني إسرائيل، كما في الآية “يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فضلتكم على العالمين”. يكفي أن نشير إلى تصالح الإسلام مع اليهودية والمسيحية ما جاء في سورة البقرة: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. لقد أتى القرآن على ذكر “موسى نبي العبرانيين” 136 مرة، وعلى ذكر “المسيح” 33 مرة، إشارة إلى عمره، فيما لم يأت على ذكر “نبي” الإسلام إلا خمس مرات، أربع منها بلفظ محمد، ومرة بلفظ أحمد، كما أن مريم البتول، هي المرأة الوحيدة التي ذكرها القرآن بالاسم، ما يدل على أن الإسلام كشريعة، استكمال لشرائع سابقة، تعززها آية من سورة المائدة تقول: “وقفّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور”.
إن قراءة إيمانية غير حرفية للقرآن، واعتبار بعض الأحكام لزمن محدد، يساعدنا على إدراك كنه الكتاب، والوقوف على حال العرب وتقاليدهم قبل ظهور الإسلام وبعده، وكما أن الأمور مرهونة بأوقاتها كما يقال، كذلك بعض الأحكام الزمنية مرهونة بأوقاتها أيضاً، أو هكذا يجب أن تكون. الحياة دورات متواصلة، لا تتوقف عند مفاهيم معينة وضعها أقدمون، سواء أكانوا من “السلف الصالح”، أم غير الصالح، وهذا ما عناه الإمام أبو حنيفة بقوله “هم رجال ونحن رجال” في إشارة إلى أن الفقه حركة حياة، وأن قراءتنا القرآن على أنه مصحف حياة وحركة، لا مصحف جمود، يخفف عنا أثقال الحياة، ويمهد لنا الطريق لبناء دولة قوانينها وأحكامها من زماننا المعاصر، من غير تأثيرات سلبية على الجواهر الكامنة في الآيات.
يتبع ..

Social Links: