منذ ان تم اجهاض انتفاضة الشعب السوري السلمية من اجل الحرية والديمقراطية والعدالة ، ولَم تكن هذه الانتفاضة ، التي كان يوءمل ان تكون مشروع ثورة تحررية مجتمعية شاملة ، قد تجاوزت بعد عامها الاول ، والتساوءلات المشروعة تطرح سواء من قبل الوطنيين السوريين او من قبل كل من يعنيهم الشأن السوري حول الأسباب والعوامل الي أدت الى اخفاق صيرورة هذه الانتفاضة والوصول ببلادنا الى الأوضاع الماساوية الحالية ،حيث المصير الوطني في مواجهة اخطر التحديات ، وبخاصة بعد ان أضحت الأزمة السورية في مركز الصراع الذي يشمل كل اوضاع المنطقة ،
البعض منا ، كما هو معلوم ، عزا ذلك المآل وتلك النتيجة الى قصور العامل الذاتي ،حيث ان هذه الانتفاضة ، من وجهة نظره،قد تفجرت كردة فعل شعبية عفوية ضد واقع القهر والتهميش والاستبداد، لكن لم يتوفر لها وحتى الْيَوْمَ القادة الوطنية الكفؤة الواعية ، القيادة مستقلة الإرادة والقرار ،التي تمتلك روءية استراتيجية موحدة تعبر حقا عن تطلعات الشعب السوري في وضع نهاية لنظام الاستبداد وبناء دولة المواطنة الحرة المتساوية . وهذا الامر اي قصور العامل الذاتي وعدم تدارك موجباته طوال السنوات الماضية ، هو ما يتفق بشأن تاثيره التأسيسي السلبي معظم أطراف المعارضة الوطنية الديمقراطية السورية ، ولكنه لم يكن السبب الوحيد اوالعامل الوحيد وراء المسار الخاطئ الذي دفعت اليه الانتفاضة وأدى بمجتمعنا الى هذه الحرب الأهلية العبثية المدمرة بكل ابعادها الطائفية والإقليمية والدولية .
والبعض منا كان وما يزال يعزو الأسباب التي اسهمت في وصول بلادناالى هذه المِحنة الوطنية الدامية الى طبيعة المعارضات السورية التي تشكلت وتوالدت ،ومازالت ،على امتداد السنوات الست الماضية وبخاصة منها معارضات الخارج التي ادعت لنفسها مشروعية احتكار تمثيل الشعب السوري وتجسيد ارادته والنطق باسمه . الواقع الذي لم يعد يجادل في صحته اثنان ان تلك المعارضات التي كانت في معظمها ، ان لم نقل كلها من صناعة وإدارة الأطراف الإقليمية والدولية ، قد لعبت دور الاداة التنفيذية المباشرة في حرف انتفاضة الشعب السوري عن مسارها الصحيح ،كما لعبت في الوقت نفسه دور الواجهة في عسكرة وأسلمة وتدويل انتفاضة الشعب السوري . وتجلى اخطر فصول ذلك الدور في تغطيتها ودفاعهاالمحموم والمستمر عن المنظمات الإرهابية التكفيرية وفي مقدمتها جبهة النصرة و بقية فروع القاعدة الاخرى، والتنظيمات الاسلامية التكفيرية المعادية للمشروع الوطني التحرري الديمقراطي الموحد الذي كان تحقيقه على الدوام هدف الشعب السوري الاول منذ ان احرز استقلاله الوطني . ان الدور الذي اضطلعت به تلك المعارضات السورية واقع راهن لا يمكن لأحد يملك الحد الأدنى من الوعي العقلاني ومن يقظة الضمير الوطني الا ان يعترف بخطورة حصاده المر ، والادهى والامر من ذلك كله ان تلك المعارضات بدل ان تعالج واقعها المأزوم بكيفية ناجعة ،بالاعتراف بأصل علله والاسباب التأسيسية البنيوية التي قادت اليه ، رأيناها طوال السنوات الماضية ، و مع انها كانت تعترف بين الحين والآخر بهذا الواقع ، تتجاهل تلك الأسباب التأسيسية البنيوية وتلجأ الى معالجات سطحية شكلية كالترقيع والتوسيع ،يدفعهاالى ذلك بالدرجة الاولى حرصها على استمرار المحافظة على رضى ودعم الجهات الخارجية التي ترتبط باجنداتها ،
والبعض منا كان ومايزال يعزو كل تلك الأسباب ويرجع كل أصل البلاء الذي ابتلي به وطننا ،الى نظام الاستبداد والتخلف والفساد ، الذي ما يزال، يجثم على صدر شعبنا منذ اكثرمن أربعة عقود ، والذي واجه حراكه المدني السلمي ومطالبه المشروعة ، ومنذ الْيَوْمَ الاول ، بالأسلوب الأمني القمعي الوحشي الذي كان من نتيجته تصفية رموز هذا الحراك بين الاعتقال والاستشهاد والتهجير . والواقع انه عدا ما لحق ببنية المجتمع السوري الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية والأخلاقية طوال هذه الحقبة من تخريب واستلاب وتراجع وتشويه ، فقد أدى استمرار هذا النظام الذي كان همه الاول من وراء كل الشعارات الوطنيةالتي اتقن استخدامها ،والسياسات التي انتهجها ان يعيد انتاج نفسه ولو عن طريق التوريث . وكما رأى عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو فان تعطل التطور الطبيعي للمجتمعات في البلدان التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية او فاشية التي يسودها القمع وغياب ابسط الحريات الديمقراطية وحقوق المواطن الاساسية ، فان مثل هذا المناخ اذا ما استمر فترة طويلة ،لن يوءدي غالبا الا الى نشوء معارضات قاصرة في روءيتها وبرامجها واساليب عملها لانها تكون معارضات ردود الفعل على سياسات النظام التسلطية ،التي ينحصر همها الأساسي إسقاط النظام والوصول الى السلطة دون ان تكون مؤهلة سواء بروءيتها القاصرة أم بممارساتها العبثية العشوائية وغير الهادفة على العمل من اجل بناءالنظام البديل والمستقبل المنشود الذي يتطلع اليه شعبها .
وهناك طبعا البعض منا ،الذي ما يزال يحصر أسباب فشل انتفاضةالشعب السوري التحررية في عامل واحد، ليس الا ، الا وهو تخلي المجتمع الدولي عن الوقوف الى جانب شعبنا ، ونكثه بالعهودالتي كان قدقطعها ،وتجاوزه للخطوط الحمر التي كان قدوضعها، ذلك كان موقف مختلف أطراف الوضع الدولي التي اعتبرناهاصديقة للشعب السوري وطالبناها بالتدخل العسكري المباشر في بلدنا لاسقاط النظام ، كوننا نحن البديل الجاهز والموحد والموءهل القادر على تحقيق مطالب الشعب السوري في بناء سورية الجديدة ، دولة المواطنة الحرة المتساوية ، التي تأخذ مكانها في مسار الدول الديمقراطية الحديثة في مطلع القرن الواحد والعشرين !!!!! نعم لم تنفذ الدول الكبرى الضالعة في الشأن السوري ما طلبناه منها وتبين لنا لاحقا ان ما يرسم سياسات هذه الدول في هذه المنطقة الاستراتيجيةمن العالم هومصالحها اولا وأخيرا، اما ماكان يكرره الآخرون على مسامعنا بان نحددتوجهاتنا ونصوغ خططنا وبرامجنا على أساس ادراك سليم لموضوعة تقاطع المصالح فلم نكن نقتنع بذلك ولَم نكن نعيره اي اهتمام ، بل ذهبنافي مواقفنا وتصريحاتنا اليومية الى ما هو ابعد من ذلك عندما حكمنا على مواقف تلك الدول التي كنانعتبرها صديقة لنا ، بالتواطوء ضدنا والتامر علينا ووقوفها عمليا الى جانب النظام السوري !!!!!!
ان الوضع الصعب الذي تعيشه بلادنا الْيَوْمَ ، والذي تواجه من خلال استمراره كل المخاطر التي تهدد وحدتها السياسية والجغرافية والمجتمعية ، إنما تدعونا نحن السوريين على تعدد توجهاتنا السياسية والفكرية وتنوع انتماءاتنا القومية والدينية والثقافية ، وقبل ضياع الفرصة ، ان نتوافق جميعا على الاعتراف و الإقرار بالاسباب الحقيقية التي اوصلت بلادنا الى هذا المأزق المصيري ، وان نوحد روءيتنا وجهودنا في ضوء ذلك بإرساء قاعدة الانطلاق التي على اساسها يمكن صياغة برنامج الانقاذالوطني الذي يكفل استعادة قرارنا الوطني المستقل وتحقيق تطلعات شعبنا ، تلك هي في راينا الخطوة الاولى التي تعيد المسالة السورية كهوية شعب عمره آلاف السنين ،وحقوق مشروعة سلبها الاستبداد وشوهها واغتالها ، واهداف إنسانية وحضارية الى موقعها الصحيح ،
وكي يمكننا تحقيق ذلك لا بد لنا جميعا ان نتجاوز البرامج والوسائل والاساليب واللغة التي استخدمناها طوال السنوات الماضية وان نعود الى ذواتنا الفردية والجماعية ونعترف بكل قناعة ان الأسباب التي اتينا على ذكرها ، كانت بلا ريب في راس الأسباب التي قادت الى اوضاعنا الحالية وأوضاع البلدان العربية الاخرى التي شهدت انتفاضات مماثلة في سياق ما سمي بالربيع العربي . لكن تلك الأسباب والعوامل ليست هي العامل الرئيس في فشل خططنا ومشاريعنا النهضوية لان تلك الخطط والمشاريع السابقة والبرامج والمهمات التي طرحتها معارضاتنا منذ ست سنوات لم تنطلق من الاعتراف بالحقيقة الموضوعية التي مازالت مغيبة عن واقع الفعل حتى الان وهي أزمة مجتمعاتنا المزمنة والشاملة لكل جوانب تلك المجتمعات والتي جاءت تلك الانتفاضات لتكسر قيود الاستبداد والتخلف والتهميش والتبعية ، وتطلق مسارها نحو آفاق التنمية والتقدم والحداثة،
علينا ان ننطلق في كل برامجنا التحررية من التشخيص السليم لمعطيات الواقع الراهن وهي تخلف بنيات مجتمعنا السوري السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والفكرية المزمنة ،ذلك ان مجتمعنا كان ضحية استهداف وتعطل تطوره الطبيعي في شتى المجالات ، حيث انه لم تتح له مثل هذه الفرصة من الحياة الديمقراطية النسبية الا فترة وجيزة بعد الاستقلال وفي خمسينات القرن الماضي، . لقد كانت سورية في مقدمة البلدان التي احرزت استقلالها الوطني من بين دول العالم الثالث ، والتي نجدها الْيَوْمَ قد قطعت أشواط واسعة في مضمار التنمية والتقدم وفي مختلف الميادين ،
ان أزمة مجتمعاتنا المزمنة التي لم نتصرف حتى الان ، نحن القوى السياسية ،على أساس وعيها الوعي الصحيح سواء على صعيد الفكر والتنظير أم على صعيد الممارسة والتدبير . إنما يرجع اساسها الى فشل بلدانناحتى الان في بناء الدولة الديمقراطية ،اي الدولة – الأمة ، اذ لا يمكن بالتالي لاي مشروع اصلاحي نهضوي ان يجد سبيله الى التحقق والنجاح الا اذا توجه الى معالجة جذور الخلل العميق في بنية مجتمعاتنا وإلا اذا طرحنا جانبا كل المواقف والشعارات الدوغماتية الخلبية مثل سياسات حرق المراحل ، او الإصلاحات الفوقية التي يمكن ان يقوم بها مستبد عادل او حزب واحد قايد ،!!!!
عمليا كي ننتقل من الحديث عن المنطلقات العامة التي حاولنا من خلالها شرح وجهة نظرنا في مواجهةالازمة الوجودية التي تعيشها سورية الْيَوْمَ والانتقال الى سورية التي نريدها ، سورية التي تشبهنا كما يعبر البعض عن ذلك ، والتي سنتناولها في مقال لاحق ، فاننا نكتفي الان بالتأكيد على ثلاث دعامات لا بد من توفرها الْيَوْمَ قبل الغد من اجل السير الجاد في برنامج الإنقاذ الوطني: واول تلك الدعامات ان نعود نحن السوريين للتمسك بهويتنا الوطنية التي ينبغي ان تعلو وتستوعب كل الروابط والانتماءات الاخرى ، وثاني تلك الدعامات ان يكون همنا الاول الْيَوْمَ و قبل الحديث عن اي برنامج اداري او سياسي او اقتصادي ، ان نستعيد وحدتنا الوطنية الممزقة وان نعمل على صيانتها وتصليبها باعتبارها تمثل العروة الوثقى لحيوية وقدرة شعبنا على التطور والتقدم والابداع . وثالث تلك الدعامات التي نرى انها تسهم في توحيد قاعدة الانطلاق المطلوبة هي ان يلتقي السوريون في موءتمر وطني شامل يمثل كل توجهاتهم السياسية وقواهم المجتمعية دون اي احتكار اواقصاء او تهميش ،موءتمر ينعقد تحت رعاية الامم المتحدة ، يتدارس فيه السوريون الأوضاع الخطيرة والمأساوية التي يمر بها بلدهم بكل ابعادها الدولية والإقليمية ، والذي سيوفر لهم في ضوء تجارب السنوات الست الماضية الفرصة المناسبة لوضع برنامج الإنقاذ الوطني والتحول الديمقراطي بالاستناد الى قرارات الشرعية الدولية ذات الصِّلة ،

Social Links: