دوستويفسكي الروايةُ والاضطهادُ 2-3

دوستويفسكي الروايةُ والاضطهادُ 2-3

عالم غير مكتمل

إن سطوة الآباء تتجسد في الأبناء، وإن مسلسل التعذيب والاضطهاد الاجتماعي العام يتأسسُ في هذه العلاقة الأساسية، بخلاف المصدر العلوي حيث الحب، كما يُفهم ذلك بحسب هذا الوعي المثالي.

إن عالمَ الزنزانة هو عالمُ الاضطهاد والمضطَهدين، وهو عالم الشعب الروسي في الراهن الروائي، ولهذا فإن كل كائن محكوم منه بثنائية أن يُعذِّب أو يُعذَّب. إن أسواط العذاب تُسمعُ في كل مكان. وأساسُ تكونِها هو في العائلة.

في الروايات الأولى القصيرة والمتوسطة يظهر موتيف الأب والابن بسيطاً وربما لا يوجد وربما غير شامل ومهيمن كلياً، لكنه يتصاعد في الظهور والسيطرة على البنية الفنية الفكرية.

ففي رواية (الزوج الأبدي) يجيء البطل (فالتشانينوف) إلى مدينة بطرسبرج من أجل قضيةِ ورثٍ في المحكمة ويتعب في دهاليز المحاكم، ولكن فجأة تنمو أعراضُ مرض نفسي غريب به، بدأ بالإرهاق والتعب ثم صار استعادة لذكريات مقبضةٍ مريرة في حياته حتى سيطرت عليه سوداوية حادة!

تنمو الحبكةُ وهو في هذا المزاج القاتم ثم تتكرس من وجود شخص ما يلاحقهُ ويلبس قبعةً سوداء دليل حزنه على ميتٍ ما. وهذا الشخص الذي يدور حوله يظهر بقوة ويقتحم حياته بفظاظة، ويسبب له قلقاً وعذاباً مضنياً، ثم يتسرب إلى منزله ثقيلاً متعباً، ويتعرف فيه على صديق قديم كان التقى معه في سنوات خلت.

إن تعذيبه الأولي لنفسه عبر الاسترجاع لأعماله السلبية لم يصل إلى المحطة الرئيسية فيها حين كان يغوي الزوجات ويهدم البيوت! وهذا الشبح الذي يطاردُهُ ذو القبعة ذات الشريط الأسود هو رجلٌ ليس حزيناً على زوجته المتوفية قبل فترة قصيرة بل هو رجلٌ يريد استثمار هذه الوفاة من أحد عشاق زوجته المتوفاة! وخاصة أنه يحمل ثمرةً آدمية من جراء تلك العلاقة الآثمة!

إن (فالتشانينوف) لا يعرف ما جرى للزوجة بعد أن هجرها وخاصة ولادة الطفلة، وحين يقتحم الزوجُ الأبدي حياتَهُ لا يذكره بكل ذلك الماضي المشين لهما معاً، فهو يطمع في ابتزازه بدهاء!

إن هذا التعذيب المتبادل ليس شاملاً، عاصفاً، فأبوةُ (فالتشانينوف) لم تكن موجودة، فهي أبوةٌ مضمرة، والبطل رجل ذاتي أناني كرس نفسه للملذات، وإذا عاش لحظة سوداوية الآن لم تصل للكوابيس المروعة، إلا في جزء ضئيل حين قام الزوج الأبدي بتعذيب الطفلة ومحاولة استغلالها تجاه أبيها المفترض، لكن الأب لم يكن أباً، ولهذا فإن العلاقةَ بين الأب والابن لم تتشكل هنا بقوة وعمق.

تتبدى هذه السيرورةُ الروائيةُ على هيئةِ مفاجآت، وهي تتحول لرحلات عذاب متعددة، للزوج الأبدي المتذكر علاقته بزوجته الميتة، ورحلة عذاب للابنة الصغيرة المريضة المضطَهدة، وللسارد المركزي الذي يُطارد وتُقتحمُ حياته ويَكتشف أن له ابنة متأخراً لكنها تُعذب وتموت

 

في أعمال دوستويفسكي الشخصية الذليلة تقوم بإذلال غيرها، والرموز لا تتطابق مع مدلولاتها المعهودة

 

مجموعة من المفاجآت الميلودرامية تتغلغلُ في السرد تتبادل فيها الشخصيتان الذكوريتان استغلالَ النساء واضطهادهن، وتنهيان القصة عند نفس الموقعين البرجوازيين الصغيرين، أحدهما يبحثُ عن نساء ليكون زوجاً أبدياً لهن، والآخر يعيش حياته الخاصة المرفهة.

فبعد أن حصل البطلُ الساردُ على تركته التي كان قد جاء من أجلها في المدينة والتقى فيها ببافل الزوج الأبدي هدأت أعصابه واستقر: فيقول «لا مانع أن ينهار نظامهم الاجتماعي، ولا مانع أن ينفخوا في آذاننا ما يشاؤون» «أما أنا فسأظل واثقاً من هذا الطعام اللذيذ» ص 155، طبعة دار الهلال، مصر.

الشخصية الذليلة تقوم بإذلال غيرها، والعقد النفسية المتراكمة تتحول إلى اضطهاد آخرين ضعفاء، والشخصيات المأزومة تعجز عن تغيير الواقع، فتعيش في شبكة من العقد، أو تنسحب إلى قوقعتها المرفهة.

إضافة إلى محدودية رمزية الأب هنا فإن الابنةَ لا تقيمُ علاقةً عميقة معه، فهي لا تتطور نفسياً وروائياً، كما يظل الأب في عيش جسدي تلذذي محدود سطحي، ولا تؤدي به هذه الفاجعة المستجدة بموت الطفلة على هذا الشكل إلى أي انتفاضةٍ في نفسه، ولهذا تتجمدُ الروايةُ ولا تستطيع أن تتمدد في الروحية الأبوية والعلاقة الأرضية الصراعية العميقة.

حين يكونُ الأبُ موجوداً تتشكلُ علاقةٌ خيرة أو شريرة مع العائلة والواقع، فالأبُ انعكاسٌ للإلهِ على الأرض، وأولاده هم (الرعية)، وكثيراً ما يكون الراعي غائباً، والولد الحساس مُلقى في ميتم أو مشرد!

هذا هو حالُ الابنِ في رواية (المراهق)، فالأب الغني يمخر الريفَ الفقير ويقتطفُ امرأةَ فلاح جميلة، ويدخل عليها، ويحوزها دون الزوج الحقيقي، ويدفعُ له بدلاً مالياً، ولا يستطيع الفلاح الفقير الكهل أن يصمد للغني المتحكم، وهو رجلٌ عملي وجد أن الفتاة قبلت بالمالك فيتركها له، ويأخذُ تعويضاً يصمد به في الحياة ويقوي عائلته الباقية، وهو رجلٌ جواب آفاق يترحل ويكتسب خبرةً وثقافةً شعبيةً متنورة دينية مبهرة، كما سوف يظهرُ مرة أخرى في الجزء الثاني من الرواية، وهو في حالةِ مرض وشيخوخة ويستقبله نفسُ النبيل و(زوجته) السابقة، مع الأولاد الذين ظهروا من هذه العلاقة الزوجية غير الشرعية، لكنهم بعد المشكلات والأعاصير يقتربون من بعض، وحين يموت الفلاحُ تظهر إمكانية الزواج وانصهار العائلة.

ذلك الاضطهادُ المزدوج نتاجُ غيابِ الريف عن الإصلاح، وعن المجتمع ويغدو البطل (المراهق) الذي وُلد في هذه الفوضى، يسمعُ عن أبيه وأمه المسَافرين عبر الأخبار، وحين يبدأ البطل الشاب بروي قصته يبدأها بالتعريف بنفسه باعتباره (ابن زنا)! فهو مزدوجُ الوجود بين أب حقيقي ينكره، وأب زائف تخلى عنه لكنه يحملُ اسمَه، وبينما اسم الأب الحقيقي نبيل، اسم الآخر وضيع فلاح! ولهذا كان دائم التعريف بنفسه بهذا الشكل المخزي المضحك، طريقةً لنفسيةٍ عصبية مراهقة.

هذا التكوين المشكل من خلال رواية الابن العدو اللدود للأب يصورُ الأبَ شريراً، منتقلاً في أنحاء أوروبا متابعاً لملذاته، وإذا جاء إلى روسيا لم يسأل عنه وواصل غزواته الغرامية!

هذه الفوضى العائلية الاجتماعية حيث الابن منفي في الوجود والأب مشبع في غواياته ولهوه، تصورُ ما هو عام سلبي، حيث القوى العليا السياسية والاجتماعية لاهية والأبناءُ سوادُ الناس في ضنكٍ وعذاب.

لكن هذه الصورة العامة ليست صحيحةً تجاه هذه الحالة الخاصة، فالعائلة أجتمع شملها أخيراً وهي مفتتة، بعد أن كبر الابنُ وصار مراهقاً جاوز الثانوية، وامتلأ بنثار العلوم، فاصطخب، وهاجم الأب الشرير الأناني، الذي تركه في عهدة الغرباء، واستغل أمه وحولها لجارية تجري وراءه من بلد إلى آخر، وهذه الهجماتُ العاصفةُ التي يقوم بها الابنُ ضد أبيه، كثيرة تفصيلية مقامة على حجج قطعية لديه، لكن الأب يتكشف بشكل آخر مناقض تماماً!

تحوي ثيمةُ الأبِ هنا فكرةَ التنوير والتقدمية، فالرجل كان من دعاة التجديد، وإذ بدا من خلال خطاباتِ الابن ملعوناً، لكنه حين يتقدم للمسرح ويتكلم يظهر كشخص ذي عقلانيةٍ ودماثة ويقوم بتضحيات في حين تُصور هذه كمؤامراتٍ خسيسة من قبل الابن! لكنه لا يعني ذلك إنه اكتمل فهو يعجُ بالتناقضات لا يزال!

وحين يكتشف المراهق طبيعةَ أبيه، نقرأ فكرةً قومية روسية تحديثية فيه يحاول أن يزرعها حوله، ورؤية تجريدية لتقدم روسيا المنتظر، تعكسُ فهماً معيناً عند المؤلف لعمليات التحول التاريخية لروسيا.

إن الأب المتنور يصف نفسه بأنه جزء من ثلة صغيرة تقوم بقيادة روسيا روحياً، يقول في نهاية الجزء الثاني، بعد المعاناة والتجارب مقارناً بين مصير روسيا وأوروبا، حين تتقدم أوروبا الغربية على خريطة الصراع الطبقي الدامي، ويُحرق قصرٌ في باريس ابان كومونة باريس، فإن روسيا لها طريق آخر، طريق مسيحي خلاصي! يقول: (إن روسيا منذ قرابة قرن لا تحيا من أجل نفسها بل من أجل أوروبا فقط! أما هم، فقد قُدرت لهم آلام رهيبة قبل أن يصلوا إلى ملكوت الرب)، ج 2، ص .345

ورغم أن الأب يتصور أن الدين سوف يتغير وأن فكرة الإله القديمة سوف تزول فإنه يتنبأ بمستقبل رومانسي تجريدي: (سوف يستيقظون فيسارع بعضهم إلى بعض وسيُعطي كلٌ منهم كل شيء لكل الناس)، السابق، ص.348

إن تغلغل الرأسمالية في روسيا بهذا الشكل التجريدي الرومانسي يتضمن عدم حدوث الصراعات الطبقية الرهيبة، وإن المسيح سيظهر (إنني لم أستطع إلا أن أراه أخيراً بين البشر الذين أصبحوا يتامى، يجيء إليهم، ويمد ذراعيه ويقول (كيف نسيتموني؟)، ص .349

 

تلعب الأيديولوجيا دوراً محورياً في أعمال دوستويفسكي

 

لعدم التغلغل التحليلي في ظاهرات الصراع الاجتماعي، وبروز ذلك عبر العائلة، فإن العائلةَ تأخذُ طابعاً رمزياً قومياً، فالعائلة التي عاشت متغربة مفككة، كالمجتمع، ونخرتها الأنانية والصراعات المادية الوضيعة، تعود للم الشمل، وهذه التجريدية تتيح للمؤلف أن يعطي التطور القومي طابع التآلف والوحدة رغم وجود الأشرار، فلعدم رؤيته للسكان كقوى اجتماعية طبقية متصارعة بحدة، وبدون إمكانية تلاق رومانسية، فإنه يُضفي عليها إمكانية القبول بالمشروع المسيحي الإنساني الذي سوف يتغلب على الصراع الاجتماعي (العابر).

هذا يؤدي فنياً إلى صراع الأخيار الطيبين المرضى المعقدين المتحولين للخير مع الأشرار المعبرين عن قوى الأرض الوضيعة عبرَ حملِ الصلبان، فيما التحالف بين الفلاح الشعبي المتنور والنبيل سينمو ويصل للذروة، كما جرى لشخصية الفلاح المتغرب المترحل، وزوجته، ومثلما جرى للنبيل الذي رأى مصيرَ أوروبا المخيف، وراح يتغير ويكشطُ الجوانبَ غير الإنسانية من شخصيته بالسكين، وهذه العلاقاتُ الإيديولوجية الفنية المترابطة والمتناقضة ستظل معبرة عن رؤية دوستويفسكي بظروفِ وعيه وشخصيته وحدود أسلوبه!

ثمة علاقاتٌ متداخلة خفية بين مستوى التطور الاجتماعي والرواية، تلعبُ فيها إيديولوجيةُ الكاتبِ دوراً محورياً، فهي الفكرةُ المعتنقة في عملية الانصهار الاجتماعي الشخصي في زمن التحول الموضوعي. إن دوستويفسكي في فقرات من رواياته يستشهد بشكسبير وغوته وشيلر وبوشكين حيث قارب هؤلاء المبدعون الواقع بأشكال عامة، فظهرتْ له قضايا الانسانية في تجريد تاريخي، له أسسٌ مشتركة، من المعاناة العائلية والعواطف البشرية (الخالدة) التي رصدها الكتاب السابقون.

روايته عامة، ورواية (المراهق) خاصة تعيش في زمنية بدء ظهور البرجوازية الصناعية وهيمنة النبلاء، والرواية تعطينا حيثيات ملموسة عن تلك البرجوازية، ومساحات كبيرة جداً عن النبلاء. عن بذخ هذه الطبقة الأخيرة والديون التي تتراكم على بعض أفرادها وكيف أن رأس المال الاجتماعي يضيع، فيما أن نموذج الرأسمالي الصناعي هو شخصٌ أبله إن لم يكن مجنوناً!

إن الأب الاسمي لبطل رواية (المراهق) ذلك الذي سلم زوجته للنبيل يظل محتفظاً بشهامة وثقافة بحث تجعل الراوي المراهق يستمع إليه ويسمع أحاديثه، فيروي بشكل شعبي عن تاجر تحول لصاحب مصنع ولكن كان سكيراً ذا تصرفات عدوانية وبخل شديد، أدت تصرفاته لموت صبي بريء ثم موت أبناء الأم الأربعة، فيتحول الصبي إلى ملاك ضائع في السماء لا يصل لسكينة، ويأتي للأم وللصناعي في أحلامهما، فيقوم الصناعي بأعمال عديدة من أجل أن تسكن هذه الروح! فيتغير ويقوم بأعمال طيبة مما يهدئ الملاك، ولكن الصناعي يعود لسكره وتبذيره وتضييعه للمال!

أمثولة الرأسمالي الفاشل مثل أمثولة الراوي المراهق الذي حدثنا في بدء الرواية عن فكرته بأن يصبح مثل روتشيلد، فيما ظل في الرواية في صدامات عصبية لا تتوقف، يحاول أن يغير النبلاء المتذبذبين بين البخل والإسراف، بين الصراعات الزوجية والعاطفية والبحث عن أفق أخلاقي، بين قضايا الفساد والجريمة وبين احترام القانون إلخ.

إن الطبقة الوسطى غير المتشكلة، المتناثرة في فئات مرتبطة بمستوى متخلف من تطور أسلوب الانتاج، ليس لديها مشروع فكري سياسي، وعلى مستوى الرواية هي تطرحُ حلمَ هذه الفئات الوسطى في تكوين مجتمع الحداثة الديمقراطي غير الموجود.

على مستوى تشكيل رأس المال تبدو في الرواية صور البرجوازية كفتاتٍ ضائع، وليس ثمة بالتالي حتى فئات وسطى قوية صاعدة. ولهذا على مستوى الرواية لن نقرأ (الرواية كملحمةٍ برجوازية). بل كحرقة شخصية معذبة متناثرة بين الإقطاعيين الديني والسياسي، وفيما يتوارى الإقطاع السياسي غير المُحلل، يتعالى الإقطاع الديني بصفة إنسانية مجردة مثالية.

لهذا فإن رواية دوستويفسكي هنا في (المراهق) تظلُ على مستوى الأحداث الشخصية الصراعية المتوترة عبر الحيل الفنية: ابنٌ يبحثُ عن أبيه كارهاً إياه وهو يعبدُهُ، ومجموعةٌ من الشخصيات النبيلة المتصارعة على الثروة وتلجأ لأساليب شريرة، مثلما تفعل (كاترينا نيقولايفنا) تجاه أبيها المبذر فتكتبُ رسالةً تدعو أحداً من أقربائها إلى الحجر على أبيها ووضعه في مستشفى المجانين، وتقع هذه الرسالة العجيبة المتنقلة أخيراً في يد الراوي المراهق، الذي يخيطها في جيبه، وتلعب (الرسالة) دوراً فنياً إشكالياً مليودرامياً في تنامي الصراعات وتحولها لمغامرات تنتهي بضرب وإطلاق نار!

الصداماتُ وتحولاتُ الأبوة والأبناء، واصطدام السادة والبرجوازيين الصغار بالحثالة الصاعدة بقوة بسبب هذا التفسخ الاجتماعي من خلال شروخ الصراع بين النبلاء والفئات الصغيرة تلك، تعبرُ عن مجتمع إقطاعي في حالةِ انهيار ولم يظهر جنينُهُ البرجوازي البديل بعد.

إن هذا كله يجعلُ الصراعَ الاجتماعي في مستوى التجريد، وتغيبُ عنه الارتباطاتُ والوشائج بصراعات القوى الحقيقية على الأرض، نظراً لأن الصراع بين النبلاء والبرجوازية كان خافتاً مضمراً، مع رفض المؤلف للاستعانة بالمستوى العالمي الذي وصل إليه هذا الصراع في الغرب بل هو يرفضه، ولهذا فإن المؤلف في زمنية عصره يدعو إلى العمل الصبور الشاق لأنه أفضل (إن التعطش إلى “المأثرة السريع” والمعادي للكد الطويل من أجل الاستعداد لهو محفوف بالمخاطر.. بل بمخاطر ارتكاب الجرائم)، فقرةٌ منقولةٌ من المراهق، ص .513 وعلى المستوى الفكري الأخلاقي يدعو للمسيحية والتسامح.

 

 تتداخل بنيةُ الرواية التجريدية الأخلاقية لدى دوستويفسكي بهيمنةِ الخطاب الديني بغياب البرجوازية الحديثة في روسيا وقتذاك

 

إن الراوي في (المراهق) لم يُوضع في تجربة المعمل والانتاج والسوق، هنا كنا سنعرفُ بعضَ آفاق التطور الاجتماعي، لكن طريقة المؤلف تضعُ الشخصيةَ في الصراعات المنزلية، وهذه تؤدي لأساليب معينة لا تغوص في صراع الطبقات. وهكذا فحين يظهر جوركي تكون هذه القضية قد وُضعت في عوالمها الاجتماعية التاريخية لكن دون خصب دوستويفسكي النفسي الفني، وقد بلغت روسيا حينئذٍ مرحلة مهمة من تطور الصراع بين النبالة والبرجوازية، كما أن سياقات الإيديولوجيات غدت مختلفة. إنه زمنُ الخروج من الزنزانةِ وتحول الرحالة الشعبي الأمي الاسطوري إلى مثقف اجتماعي، وتبدل ثقافة العذاب والصليب إلى ثقافة النقد الاجتماعي السياسي.

يغدو الأسلوب الروائي الفني لمرحلة(المراهق) عبر شخصية مؤلف ذي حساسية خاصة مثرياً لأدوات الحفر النفسي الداخلي، ولخلق التناقضات الشخصية الفكرية والاصطدامات الروحية في عالم المُثُل والتاريخ المجرد، متحسِّساً الآفاق البعيدة مُطلقاً شعارات عامة عن البناء الروحي الأخلاقي الداخلي الرصين، وتمجيد العمل الخلاق.

على المستويين الروائي والفكري تتداخل بنيةُ الرواية التجريدية الأخلاقية لدى دوستويفسكي بهيمنةِ الخطاب الديني بغياب البرجوازية الحديثة في روسيا وقتذاك.

حين يقتل راسكولينكوف المرابيةَ العجوز في الجريمة والعقاب، لا يأتي ذلك لغياب الأب، لغياب السلطة الأخلاقية الروحية فقط، بل لغيابِ الطبقة الوسطى القائدة للتحول الحديث، فيدهسُ البطلُ العجوزَ مثلما يدهسُ قملةً، مؤكداً علوّ إرادته الفردية المطلقة، خارج الدين الإنساني الذي هو المسيحية هنا، فتعيدُهُ الأحداثُ الروائية والانقلابات الروحيةُ إلى الكنيسة، إلى الأب الروحي الشخصي المفقود هنا، والذي يتجسدُ بالانجيل.

هكذا تغدو البرجوازيةُ والقوى الشعبية كائناتٍ هامشيةً، أو طفيلية، وخارج التاريخ الروائي، وهي كائناتُ المجتمع الضروري الحتمي الموضوعي. وخارج هذا المسار يغدو العالمُ الروائي أيديولوجياً وفضفاضاً متجهاً للتضخم الذاتي.

الإرادة الفردية في تشكلها الإجرامي تغدو غير منتجة، ولكونها إرادة مسيحية فإن ضميرَها ينمو روائياً، وهي عمليةٌ متعددة كثيرة لدى المؤلف، لنتذكر بشكل هنا مدونة التسامح الكبيرة عند الأب زوسيما في رواية (الأخوة كرامازوف)، وهي الرافعة الأساسية لديه للتجديد الروحي الاجتماعي، وهي في المطلق مهمةٌ لكن في التاريخ النسبي غير متحققة والعكس هو الذي يجري، لكن العكس غير المرصود فنياً، فالكراهيةُ بين الطبقات هي التي تسود.

إن التراكم المالي التحولي غير مرئي وغير معروض، فيصور المؤلفُ حدث القتل بلا سببيات مرتبطة بالصراع الاجتماعي، وفيما بعد سيطبقُ ستالين هذا التراكمَ المالي الرأسمالي الحكومي الموسّع، عبر الدهس لـ (القمل الريفي).

يعرض دوستويفسكي النماذج المتوازية، فالسكير (مارميلادوف) يقوم بسرقة خزانةَ سيدةٍ لكي يواصل سكره وعربدته، فيما عائلته تشقى، وتقوم ابنته (سونيا) ببيع نفسها لكي تُطعم الصغار.

هذه سونيا الساقطة تمثل الانبعاث الروحي، وهي تقيمُ علاقةً مع البطل راسكولنيكوف، وتجذبه للاعتراف بجريمته في قتل المرابية العجوز وبالتالي في تطهره.

مثلما تقوم أخت راسكولنيكوف بالقبول بالزواج من شخصية رديئة من أجل أن تُنقذ العائلة.

وقد استقطبت الروايةُ أبحاثاً واهتمامات بشرية كبيرة، وخاصة لهذا البطل القاتل الإشكالي.

لقد كتبَ دوستويفسكي نفسه عن البطل قائلاً:

(إن القاتل يجد نفسه أمام مسائل لا يمكن حلها، وأن أحاسيس ومشاعر مفاجئة لا يمكن الشك بوجودها تعذب قلبه. إن الإحساس بالانفتاح على البشرية أو الانفصال عنها، هذا الاحساس الذي شعر به في الحال بمجرد اقتراف الجريمة، كان يعذبه)، نظرية الأدب تأليف عددٌ من الباحثين السوفييت، مرجع سابق، ص .332

  • Social Links:

Leave a Reply