لم تهدف جموع الشعب السوري حين خرجت تهتف :(الشعب يريد اسقاط النظام)إلى تقليد الآخرين في تونس ومصر مع أنهم نجحوا في اقصاء رأسي نظاميهما فكان لهما دور مهم في التحريض على الخروج، بل هتفنا كشعب بهذا الهتاف حين تيقنا من أن هذا النظام غير قابل للإصلاح وأنه كاذب ويراوغ. فقد وعد رأس النظام بإصلاحات سياسية حين ورث الحكم عن والده ولم ينفذ ما وعد به، بل تذرعت أوساطه بأن الحرس القديم هو من يعيق هذا الإصلاح، بل قلناها لأن هذا النظام فقد أي إمكانية للإصلاح، كنا قبل الثورة ننادي بضرورة القيام بإصلاحات سياسية تحقق الحد الأدنى من كرامة المواطن، لكن النظام تجاهل هذا الأمر واستمر ببغيه، حتى انفجر الوضع، وبدلاً من أن يسارع لتهدئة الخواطر وحلحلة الأمور هدد وتوعد وقال من يريد الحرب نحن لها.
فالهبة الشعبية التي خرجت كانت بالأساس تريد اصلاحات بسيطة، في السياسة والاقتصاد والقوانين و…. ، ثم تطورت أهداف هذه الهبة الشعبية لتصبح ثورة تريد التغيير، التغيير هنا يكون بالخلاص من شكل نظام اقطاعي مافيوي، وهو استمرار لشكل الحكم العثماني بشكل أو بآخر، وفيه يكون الحاكم هو مالك الأرض وما عليها، فيقتطع ما يريد من حصص في الدولة ويعطيها لمن يريد، وهذا ما كان يفعله النظام حين صادر أملاك الناس ووزعها على أحبائه، وحين شارك التجار ورجال الأعمال برزقهم بالقوة، وحين اقتطع من الاقتصاد السوري منافع لأقربائه ومريديه، فأصبح فلان مستورداً حصرياً للسكر فمن ذا الذي يتجرأ على استيراد السكر خلاف رغبة هؤلاء؟!، وأصبح فلان مستورداً حصريا للدخان الأجنبي، بل أنشأ مصانع لتزوير الدخان الأجنبي تحت حماية النظام، وأصبح يبيعنا دخان أجنبي مستورد أو مهرب على أنه دخان أصلي وهو غير صحيح، وأصبح فلان مستورداً حصرياً لكذا والآخر …. الخ، أما أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية فقد كانت على شاكلته، فالحزب مبني على الزعيم ومريديه، وحصته من المنافع التي تأتيه من مشاركة الأسد توزع حسب رغبته، وحين يموت يورّث الحزب لزوجته وابنه، ونفس الأمر ينسحب على أحزاب المعارضة المحكومة من الزعيم الذي لا يأتيه الباطل، ويبحث دائماً في تمتين رأيه السديد وقمع أي معارضة لهذا الرأي حتى لو تسبب الأمر بانقسام حزبه وتفتته، ومن أعماله المجيدة بحثه الدائم والمستمر عن طرق لتحجيم زملائه زعماء الأحزاب المعارضة الآخرين، فيخطط في أي تحالف للاستئثار والهيمنة على القرار، حتى لو أدت هذه الطريقة في العمل لتدمير وتفتيت هذا التحالف. بالمختصر لازال النظام السائد هو نظام الاقطاع السياسي ولم يتطور النظام السياسي في البلد منذ أن جمد العسكر الحراك المجتمعي المدني والسياسي في انقلاب 1963.
هذا الوضع كان قبل الثورة، وكان المطلوب إنجاز التحول من عقلية الاقطاع السياسي إلى نظام ديمقراطي تعددي يعتمد على حكم المؤسسات والاختيار الحر والواعي للشعب وأحزاب تتنافس على ارضاء المواطنين.
لكن الذي حصل أننا وصلنا إلى مليون قتيل في سورية وتم تدمير بنية البلاد التحتية وتشريد أهلها، بسبب عدم وجود قيادة للثورة تبرمج أهدافها وتكتيكاتها المرحلية وصولاً إلى تحقيق هدفها النهائي بالتغيير. غياب القيادة نجم عن ضعف السياسة والاحزاب المعارضة والتي انشغلت بصراعاتها البينية ، ولم تتحد على هدف التغيير، فقد كانت تتصارع على السلطة فقط، وقد شهدنا عددا من الجمع التي نادت بالتدخل الخارجي وباختيار المجلس الوطني كممثل للشعب السوري و….، لهثوا جميعاً وراء تدخل عسكري خارجي توهموا أنه آت ليخلع رأس النظام ويأتي بهم، وعملوا كما عمل النظام في التشجيع على عسكرة الثورة وفي سياسة تحرير الأرض دون أن يكون لديهم القدرة على حمايتها وحماية سكانها من بطش النظام ودون امتلاك القدرة على إدارتها، وشجعوا كما فعل النظام على التشنج المذهبي والطائفي. لهثوا وراء سلطة ولم يبحثوا عن الشعب.
إضافة لضعف الأحزاب وخلو المجتمع من السياسة، لم يستطع الشباب الثائر تطوير أشكال تجمعهم الأولى – التنسيقيات – لتجمعات مبنية على برامج سياسية ونظام داخلي يرتب ويطور عمل هذه التجمعات، بسبب القمع الشديد الذي مارسه النظام على كوادر التنسيقيات الأولى التي كان لها تجربة بسيطة في العمل السياسي والمدني قبل الثورة بشكل أو بآخر، عبر قتل النظام واعتقال الكثير منهم ففرغت الساحة الثورية من الشباب المدني، ومن تجمعاتهم البدائية، وشجع تجار الدين على ملء هذا الفراغ وساعدهم، وأطلق كوادر السلفية الجهادية من سجونه وشجعهم على تشكيل المجموعات العسكرية وسهل لهم الحصول على السلاح، ونحن شعب بسيط متدين وجاء هؤلاء مدعين أنهم يريدون نصرتنا ويريدون تطبيق شرع الله واستغلوا أخلاقنا وطيبتنا فوقع الشباب الثوري المتحمس بالفخ.
حتى وقت قريب كنا نرى دفاعاً شديدا عن داعش، كونها كانت تقاتل نظام الأسد، ثم بدأت تتكشف عمالتها للنظام وإيران، فتراجعت شعبيتها، ونفس الأمر ينسحب على النصرة، وباقي الفصائل التي تدعي حماية الاسلام وحماية بلاد الشام وحماية المدنيين وغيرها من المسميات.
حتى ننجح بثورتنا ونسقط هذا المجرم يجب أن نعود إلى أهدافها الأولى ويجب أن نفهم بأنه ليس كل من قاتل النظام يعد مناصراً للثورة، فهناك من يقاتل النظام وله أهداف أخرى غير أهدافنا التي خرجنا من أجلها، نحن خرجنا نريد تغيير النظام من نظام اقطاع سياسي (الأرض وما عليها ملك للحاكم الزعيم الملهم القائد الفذ) إلى عقلية التشاركية والعمل المؤسساتي، ولا نملك مؤسسات وأحزاب وتجمعات سياسية قادرة على القيام بهذا العمل، فمن تصدر قيادة الثورة منصباً من قبل الدول على ثورتنا فشل فشلاً ذريعاً، فدمر البلد وقتل وشرد أهله بسياساته وأخطائه، لهذا وجب علينا إعادة إنتاج تجمعاتنا الحزبية والسياسية لتعبر عن أهداف الثورة الحقيقية ومصالح الثوار والشعب في التغيير متبعين مبدأ أصدقاء لا أتباع بعيداً عن محاولات الهيمنة والزعامة وعقلية الاقطاعي المتخلفة.

Pingback: مـالــمـطـلــوب؟ ــ زكي الدروبي | Al-Raafed Syria