الوطن العربي قليل عليك ــ مصعب الحمادي

الوطن العربي قليل عليك ــ مصعب الحمادي

 

كنت في سهرةٍ من سهرات بداية الصيف مع مجموعة من شباب ضيعتنا القاطنين في بلدة الريحانية التركية عندما رحنا نسترجع بين الهزل والجد ذكريات الشهور الأولى من الثورة السورية وحوادثها ونوادرها في ضيعتنا والقرى المجاورة لها في منطقة الغاب بريف حماه.

وعندما تُذكر الشهور الأولى من حوادث الثورة في ضيعتنا لا يمكن تجاهل عضو مجلس الشعب السوري الذي كان وقتها ممثلاً لمنطقة الغاب في المجلس السيد خالد العلي الذي صار ربما أشهر أعضاء مجلس الشعب في التاريخ السوري. كم كنا سنفخر بذلك لو أن تلك الشهرة نزلت على الرجل من اجتهاده في الدفاع عن مصالح منطقتنا أو جرأته في قول الحق في وجه سلطان النظام الجائر. لكن شهرة الرجل طبقت الآفاق بجملته الشهيرة التي قالها لبشار الأسد في خطابه الأول أمام مجلس الشعب بعد أسابيع من انطلاق شرارة الثورة في مدينة درعا جنوب البلاد أواسط آذار من العام 2011.

يذكر المتظاهرون الأوائل من أبناء الشعب السوري كم كان خطاب الأسد مخيّباً يومها. فقد أثبت الأسد أنه أدنى من التوقعات المتواضعة لبعض الناس به بأن يكون أقل إجراماً أو ساديةً أو دموية من أبيه. وخيّب رأي من اعتقد أنه سيعتذر لأهل درعا الكرام ويتعهد – ولو من باب المجاملة – بمحاسبة ابن خالته عاطف نجيب الذي تسبب بانتفاضة أهل حوران في وجه الذل والإهانة.

ففي الوقت الذي لم يكن قد سقط فيه ذلك العدد الكبير من الشهداء في درعا وغيرها من المدن وكان الوقت ما يزال مؤاتياً لتدارك الموقف خرج الأسد بضحكاتٍ صفراء ممجموجة راقصاً على جثث الشهداء ومعلناً أن ما يجري هو مؤامرة خارجية على البلاد وأنه لن يقدّم أي تنازلٍ في الاستجابة لمطالب المتظاهرين التي كانت بسيطة ومتواضعة في تلك المرحلة ولم تكن قد دلفت بعد إلى المناداة بإسقاط النظام.

وأمام هذا الخطاب الذي أتى بمثابة إعلان حرب على الشعب السوري كان من المتوقع من أعضاء مجلس الشعب أن يخففوا التصفيق قليلاً, أو أن يكبحوا جماح التشبيح والنفاق لدكتاتور البلاد, لكنهم فعلوا خلاف ذلك تماماً حتى دبّ الحماس بممثل ضيعتنا ومنطقة الغاب لينهض ويخاطب الأسد ببلاهةٍ وسماجةٍ فيقول:

“الوطن العربي قليل عليك يا سيادة الرئيس!!! أنت لازم تقود العالم!!”

لم يجد عضو مجلس الشعب “الأمّي” الجاهل طريقة يتملق بها الرئيس الأسد أفضل من هذه. فخالد العلي صاحب محطة وقود وتجارة غير مشروعة بالبنزين والمازوت ازدهرت بعد أن أصبح عضواً بالمجلس بالكاد يعرف القراءة والكتابة. وإذا حضر في مجلس بالكاد يعرف كيف يركّب ثلاثة جمل على بعضها البعض. لكنه – كالكثيرين من أقرانه – مؤهلٌ تماماً لكي يصبح عضواً في مجلس التصفيق الذي لا يتطلب من العضو إلا أن يكون خادماً عند مخابرات النظام, وفاسداً في نفسه وأهله, وعدوّاً لمجتمعه أو منطقته التي انتخب ليمثلها.

ذكرنا خالد العلي في تلك السهرة بكثير من الضحك الممزوج بالخيبة والمرارة. فمنطقة الغاب التي يمثلها العلي كانت من أولى المناطق التي  انتفضت في وجه النظام. وسهل الغاب, هذا المرج الخصيب المعطاء, طالما جاع أهله رغم كل ما يبذلوه في أراضيهم من كدحٍ وتضحيات, وما ذلك من قلة عطاء الحقول, بل من جور آل الأسد الذين طالما بخسوا الفلاحين أثمان القطن والحنطة والشوندر وأبقوا الناس في حالةٍ مدروسة من الفقر والعوز.

ذكر بعض الأصدقاء عادة خالد العلي المعروفة في مجاملة الناس باستخدام صيغة لغوية مشابهة لتلك التي استخدمها في مخاطبة الأسد. فالعلي إذا أراد أن يهنّئ أحدهم بشراء سيارة نوع هونداي مثلاً يقول له: “أنت الهونداي قليلة عليك, أنت لازم تركب مرسيدس!”

بهذه الطريقة المكرورة والسخيفة اعتاد العلي أن يخاطب الناس وهو بالكاد يعرف بديهيات السلوك اللبق وديبلوماسية الحديث حتى أن أحد أبنائه حاول الاعتذار لأهل الضيعة في اليوم التالي مبرراً ما حصل بالقول:

“أبويي مهبول ومخرّف ولم يكن يعرف ماذا يقول. هو كان يريد أن يرقّق قلب السيد الرئيس حتى يخفّض سعر المازوت!!!”

لم يمكث خالد العلي في الضيعة طويلاً بعد أن قال جملته المشهورة. فقد أصبح مكروهاً أكثر فأكثر كلما اشتدت المظاهرات في وجه النظام واضطر في نهاية المطاف أن يغادر منطقة الغاب نهائياً لأن أهل المنطقة اختاروا طريق الكرامة التي تزكم أنفاس العبيد من أمثال العلي وزمرته البلهاء في مجلس التصفيق.

  • Social Links:

Leave a Reply