صعدت إلى باص النقل الداخلي، بجسمها المليء، و لباسها التقليدي الذي شمل :
المانطو الأسود، الحجاب الأسود، الحذاء الأسود، و حقيبة يد سوداء كبيرة الحجم تتناسب مع ضخامة قوامها و لباسها .
الولد معها يمسك المانطو بكلتا يديه، ولد ضغير لم يتجاوز السادسة، نعرف من أول لحظة نراه، أن مزاجه معكر، و كأنه قام من نومه منذ قليل …..
وقفت هذه المرأة، التي تجاوز عمرها الأربعين عاما، قرب سائق الباص، أمسكت العمود الحديدي بيدها اليسرى، و مدت يدها اليمنى و أدخلتها إلى حقيبة يدها الكبيرة التي تحتوي عادة، و في الحد الأدنى، على أربعين غرضا، بدءا من المرآة الصغيرة و مجموعة حباسات الشعر، دون أن نقف عند كيس صغير فيه بزر شمس و كعب حذاء مكسور و نصف صندويشة فلافل للولد ….. إلخ …..
الولد يشد مانطو أمه صارخا : ماما بدي كاتويه …
تجيبه : سكوت ولاك، خليني أحاسب الزلمة …
في هذه اللحظة وصل عدد الركاب خلف المرأة إلى سبعة، ينتظرون منها أن تدخل الباص …
أخيرا أخرجت يدها من حقيبتها، ماسكة الجزدان، همت بفتحه، لكنه سقط إلى أرضية الباص، قرب قدم السائق اليمنى ….. مالت المرأة لالتقاط الجزدان، فارتطمت مؤخرتها بمقدمة الرجل رقم واحد الذي خلفها، إحمر وجه الرجل، إلتفتت هي بسرعة، نظرت نظرة خاطفة إلى لا شيء و إلى لا أحد، ثم عادت إلى جزدانها الذي انفتح هذه المرة …..
جاء صوت من داخل الباص :
إدخلي يا مرا، أنا بدفع عنك …
المرأة لا ترد، إنما تخرج من داخل الجزدان، ثم تعطي سائق الباص ورقة من فئة الألف ليرة …
و ألف ليرة كمان ! خيتو ما بقا بدي الأجرة (قالها السائق بنزق و صوت غاضب) …
ما بصير يا إبني (قالت المرأة، بينما طفلها يصيح) : ماما بدي كاتوية …..
لم ترد الأم هذه المرة على إبنها، بينما قال الرجل رقم إثنان خلف المرأة : خلص يا حرمة، إدخلي للباص، و أنا بدفع عنك، و مد يده إلى السائق ليدفع …..
قال الرجل رقم ثلاثة خلف المرأة : خلصينا، تأخرنا على الشغل …..
المرأة لا زالت تمسك الألف ليرة، و سائق الباص يتردد في أخذها .
إلى أن قالت : و الله يا أخي ما معي فراطة …
أمري لله (يجيب السائق بتسليم، و يأخذ الورقة من يدها، ثم يبدأ بقطع الأجرة …..
في هذه اللحظة وصل عدد الركاب خلف المرأة إلى ثلاثة عشر، ينتظرون منها أن تدخل إلى الباص …..
صوت من الداخل : لا حول و لا قوة إلا بالله .
الرجل رقم إثنان خلف المرأة : أستغفر الله العظيم، بس بدي أعرف .
الرجل رقم أربعة خلف المرأة : و الله العظيم تأخرنا .
الرجل رقم ثلاثة خلف المرأة : شو هالحالة يا عالم يا خلق، السرفيس صار بمية ليرة، و الباصات متل ما شايفين .
الطفل يصيح : ماما بدي كاتوية ….. بس القصة ما خلصت .
ما زالت المرأة تتنقل داخل المدينة بالباص، بلباسها الأسود، و حقيبتها السوداء الكبيرة، و ما زال ابنها (فجعان و عينو جوعانة) …..

Social Links: