عرضت في مقالة سابقة (الثورة ستستمر) الوضع العام في سورية قبل انطلاق الثورة السورية وخلاصته أن المجتمع السوري كان محكوماً من اقطاع سياسي يرى في سورية أرضاً وشعباً ملكاً لعائلة هذا الاقطاعي ” عائلة الأسد ” فتوزع المنافع على المقربين وأفراد العائلة، وكانت الاحزاب المنضوية ضمن مشروع السلطة الحاكمة في سورية قد سارت على نفس الوضع، فوزعت المنافع وورث الحزب لأفراد العائلة بعد موت الزعيم المقدس قائد الحزب، ونفس الموضوع ينسحب على الأحزاب المعارضة التي تمحورت حول شخصية الزعيم (اقطاع سياسي بشكل آخر) حتى بغياب المنافع المادية من السلطة، وكان الزعيم في فكره ديكتاتوريا لا يأتيه الباطل بل هو على حق دوماً ولم يسعى للتوحد والتعاون مع الأحزاب المعارضة الأخرى بل كانوا في خلاف وشقاق دائمين وكان الهدف دائماً يتمحور حول افشال عمل زعيم الحزب الآخر والهيمنة على المعارضة والزعامة عليها، دون التفكير بوضع فكر يشرح ماهية السلطة وسبل مواجهتها، وتم افشال كل المحاولات الوحدوية للمعارضة قبل الثورة لتكون كتلة واحدة بمواجهة عنف واجرام السلطة الحاكمة. وحين انفجر المجتمع السوري وانتفض الشعب على السلطة لم تتبنى هذه المعارضة مشروعاً وطنياً لقيادة هذه الهبة الشعبية وتحقيق أهدافها في التغيير من نظام استبدادي لنظام ديمقراطي، بل تبنى كل فريق منها مشروعاً يحاول النيل من الفريق المعارض الآخر واستخدم الجمهور الثائر في سبيل تحقيق غاياتهم في الهيمنة وكانت تمثل بحق الوجه الآخر للسلطة الحاكمة في الاستبداد.
مع الفشل الكبير لمؤسسات المعارضة التي نصبت من قبل الدول الخارجية لقيادة الثورة السورية، انبرى الكثير من النشطاء لتشكيل مجموعات واتس آب كي يتناقشون ويتحاورون بين بعضهم البعض وينجزون مشروع إنقاذ ما تبقى من الثورة السورية، وتمحورت الأفكار الرئيسية حول اصلاح الائتلاف عبر ادخال أفراد آخرين ذو اتجاه ثوري نظيف مع الحفاظ عليه مخافة فقدان الاعتراف الدولي به، وبين ايجاد مؤسسة بديلة عن الائتلاف معتبرين أن الائتلاف فقد مشروعيته في قيادة الثورة حين فشل بهذه المهمة، لكن الجميع يتناسى أنهم يعيدون تكرار نفس الخطأ الذي وقعت فيه المعارضة حين بنت هذه المؤسسات، وهو عدم بناء نموذج بديل عن نموذج الاقطاع السياسي الذي كان سائداً لدى النظام ومعارضته.
لكل مجتمع من المجتمعات رموز وتعابير تعبر عن هذا المجتمع، فإن كان مجتمعاً متخلفاً كمجتمعنا، سادت التعابير ما قبل سياسية، كالشخصيات الدينية والقبلية والزعامات المحلية وخلافه، وفي المجتمعات المتحضرة، سادت الرموز الحزبية، كحزبي العمال والمحافظين في بريطانيا والحزب الاشتراكي والحزب الجمهوري في فرنسا والحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الامريكية …الخ، وفي بلدنا الحبيب أوقف الانقلاب العسكري الذي جرى في آذار من عام 1963 تطور المجتمع، فبقي مجتمعنا مجتمعاً ريفياً يعتمد على الزعامات الفردية (دينية أو قبلية أو مناطقية … ) في تسيير أموره ولم يعتمد على المؤسسات الحزبية والمدنية، وكي ننجز الانتقال من نظام الاستبداد الممارس من السلطة الحاكمة ومن المعارضة المهترئة فلا بد لنا من انجاز تعابير سياسية تنظيمية تعبر عن وجه الثورة الحقيقي المطالب بالتغيير الحقيقي وليس تغيير شخوص السلطة الحاكمة فقط.
هذه التعابير السياسية يجب أن تنطلق من الأرض ومن الناس عبر تشكيل أحزاب وروابط سياسية ومدنية لتعبر عن مصالح هؤلاء البشر المسحوقين في القاع، وتجمع المتقاربين فكرياً لينتجوا برنامجاً سياسياً حول رؤيتهم للثورة وطريقة الوصول لتحقيق أهدافها، ثم تجتمع هذه التعابير السياسية الممثلة لقوى حقيقية داخل هذا المجتمع لتشكل فيما بينها تحالفاً يسعى لإنجاز أهداف الشعب السوري الثائر بالتغيير.
ما هو مطلوب الآن وفي الحال مؤتمر وطني يجمع كل القوى السياسية والعسكرية، دون هيمنة أو تسلط من أحد على أحد آخر ويكون من مهمة هذا المؤتمر بحث ما سبق من أمر الثورة والأخطاء التي ارتكبت، ووضع خطة عمل للقادم من الأيام لإنقاذ ما تبقى من الثورة ثم انتخاب قيادة لتنفيذ هذا البرنامج المتفق عليه، بالتوازي مع استمرار التشجيع على تشكيل التجمعات السياسية وتوحيدها مع بعضها لتقوية المجتمع ونشر الأفكار الديمقراطية ونشر قيم الدول الحديثة بين أفراده.

Social Links: