لقد ترافق انعقاد قمة العشرين في مدينة هامبورغ مع جملة من التطورات التي ما كن ممكنا لأي منها أن يحصل ما لم يكن قد حدث تحول كبير جدا في موازين القوى والعلاقات الدولية. وكلها تؤشر إلى أن الولايات المتحدة قد انزلقت عن قمة العالم بعد أن تربعت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
التطور الأول: هو الخلاف العلني الذي يحصل للمرة الأولى بين واشنطن وبرلين حيث توجهت المستشارة أنجيلا ميركل بانتقادات علنية حادة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ووصلت فيها إلى حدود الإعلان بتاريخ 27 أيار الماضي “أن العصر الذي كان يمكن أن تعتمد فيه أوروبا على الولايات المتحدة ربما يكون قد انتهى، وأن على القارة أن تتولى أمورها بأيديها”. وفي تعليق لها على موقف المستشارة الألمانية قالت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية إن الخصوم السياسيين لها في ألمانيا يؤيدونها في موقفها من الرئيس ترامب”. وهو موقف لم يسبقها إليه أي مستشار ألماني سابق في تاريخ العلاقات الألمانية الأمريكية.
التطور الثاني: هو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج لموسكو، قبل انتقاله إلى هامبورغ، انتهت بتاريخ 4 تموز الجاري وتم خلالها توقيع سلسلة من العقود الإستراتيجية مع روسيا بلغت مئات مليارات الدولارات، أبرزها المرحلة الثانية من مشروع السيل الشرقي لنقل الغاز الذي يمد الصين بثلاثين مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا ويمكن رفعها إلى مائة مليار. كما نص البيان المشترك على نوع من التحالف الاستراتيجي بين الدولتين. وما من شك في أن لهذا التعاون مغزاه الدولي الهام الذي عبر عنه صراحة البيان المشترك الصادر في ختام الزيارة ومما جاء فيه نصا:
” إن العلاقات الصينية الروسية تجاوزت المستوى الثنائي وأصبحت عاملا مهما في حماية التوازن الاستراتيجي العالمي والسلم والاستقرار في العالم.
واتفق البلدان على أن يعطي أحدهما الآخر الأولوية في الأنشطة الدبلوماسية ويدعم كل منهما الآخر في حماية جوهر مصالحه بما في ذلك السيادة والأمن ووحدة الأراضي، مع استمرار قيام رئيسي الدولتين بدور قيادي استراتيجي في العلاقات الثنائية”.
التطور الثالث: إقدام الصين على توقيع عقد مع شركة “إيرباص” الأوروبية يتضمن شراء مائة وأربعين طائرة من طراز A 320و A350، على أن يتم شراء المزيد لاحقا من طراز A380، ما يمنح الشركة المذكورة دعما كبيرا جدا في المنافسة مع شركة بوينغ الأمريكية.
التطور الرابع: إعلان اجتماع قمة بروكسل بين رئيس الوزراء الياباني شنزو آبي وقادة الاتحاد الأوروبي عن اتفاق سياسي على معاهدة تبادل حر بين الطرفين يؤدي إلى خلق فضاء اقتصادي مشترك مفتوح، في مواجهة السياسة الحمائية الأمريكية.
التطور الخامس: تمسك جميع المشاركين في القمة باتفاق باريس للمناخ في مواجهة تخلي الولايات المتحدة عن التزامها بذلك الاتفاق.
في أي سياق تمكن قراءة هذا التمرد الكوني على سلطة “القطب الأوحد” الأمريكي؟
لقد كانت تلك السلطة على الحلفاء الغربيين مساندة في السابق على عاملين: التفوق الاقتصادي العالمي من جهة، والحماية العسكرية من جهة أخرى.
لكن هذين المعطيين تعرضا لتغير كبير خلال السنوات الماضية. فرغم أن الولايات المتحدة ما تزال تتربع على موقع الاقتصاد الأكبر عالميا.. إلا أن هذا الموقع تعرض لتحد كبير جدا في مواجهة الصعود الذي حققته الصين كثاني اقتصاد عالمي (والأول من حيث النمو)، بالترافق مع صعود كبير لدول ومجموعات أخرى كالاتحاد الأوروبي ودول البريكس منفردة ومجتمعة!
يضاف إلى ذلك أن غياب حلف وارسو ومعسكره الاشتراكي كتهديد مباشر للدول الأوروبية الغربية قد قلص إلى حد بعيد جدا حاجة تلك الدول لمظلة الحماية العسكرية الأمريكية. في الوقت الذي عادت فيه موسكو إلى تبوؤ موقع القطب العسكري المنافس للقوة الأمريكية من موقع الحليف لأوروبا وليس العدو!
من المؤكد أن هذا التحول في موازين القوى والعلاقات الدولية لا علاقة له بوصول الرئيس الجديد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وإن كان هذا الوصول، بما يمثله شخص الرئيس الجديد من حالة شيزوفرانية مهزوزة، يعبر تعبيرا صادقا عن الوضع الأمريكي الجديد على الخريطة الدولية.

Social Links: