الحلقه التاسعه
تاريخية الدولة: إنجلز
يعتبر كتاب إنجلز “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة.” على انه النص الكلاسيكي الوحيد المكرس لموضوع الدولة. معروف أن إنجلز يؤكد، منذ السطر الأول لمقدمة الطبعة الأولى (1884)، أنه يضع هذا الكتاب بمثابة “تنفيذ لوصية” ماركس، مؤكدا بذلك الطابع غير المنجز للمشروع الذي كان قد بدأه صاحبه الأصلي.
الكتاب، إذن، هو مسعى لسد الفراغ النظري الذي خلفه ماركس، وتتركز بؤرة الكتاب في الجانب التاريخي، اي دراسة الشروط التاريخية لنشوء الدولة في العالم القديم: أثينا، روما؛ الجرمان.
ويعتمد إنجلز على الانجازات المتحققة (المحدودة بالطبع) في علم تاريخ الأثنوجرافيا حينئذ، فينهل من أبرز المؤلفات والمؤلفين في زمانه: مورغان “المجتمع القديم”، تايلور “أبحاث في تاريخ البشرية البدائي” وكتاب جون ماكلينان “الزواج البدائي”، بالإضافة الى مؤلفات عن “حق الام” و”نظام المدن” وآخرون، وبتعبير آخر، يقتفي إنجلز منهج ماركس فى دراسة وتمحيص الوقائع التجريبية بهدف تحليلها واستخلاص ترابطاتها، مدركا في نفس الوقت الطابع المحدود لهذه المعطيات في علم ما زال يحبو مع بداياته الأولى. ونراه يشير في مقدمة الطبعة الثانية إلى مدى تطور هذا العلم خلال السنوات السبع الفاصلة بين الطبعتين (1884 – 1891)، واضطراره إلى إدخال “إصلاحات وتعديلات” و”إعادة نظر” لكي يأخذ “حالة العلم” بعين الاعتبار.
الفرضية الأساسية في هذا الكتاب الكلاسيكي تربط نشوء الدولة ببروز الانقسامات الطبقية إثر نشوء الملكية الخاصة، ونموها إلى تناحرات طبقية افرزها تطور القوى المنتجة وتوحدها داخل مجتمع القبائل في المدينة الكلاسيكية. يدرس إنجلز تفاصيل نشوء الاتحادات القبلية والعشائرية، ثم بدء هذه الاتحادات في الانحلال، وتحول الرئاسة العشائرية، بالتدريج، إلى “مؤسسة سلطة”، أي إلى أجهزة دولة منفصلة عن الجماعة.
ان التفاصيل أخاذة حقا، وبخاصة تلك التي تتعلق بنشوء زعامة القبيلة، وتمثيل القبائل في القوة العسكرية الموحدة للاتحادات ما فوق القبلية، ثم انفصال هذه المؤسسات التدريجي، واستقلال الوظائف الإدارية والعسكرية عن بقية النشاطات، واحتكارها في أي عوائل معينة تتحول إلى ارستقراطية. لسنا في باب عرض هذا الكتاب الكلاسيكي، بل في معرض التذكير بخلاصة فكرته.
تتركز٠ أهمية هذا المؤلف الكلاسيكي في تحليل حقل تاريخي هام لنشوء الدولة، إلا أنه، في آخر المطاف، حقل محدود تجريبيا، من حيث إطاره المكاني، إذ يقتصر على أوروبا الغربية، ومن حيث إطاره المعرفي إذ يعتمد على المعطيات المتاحة لدراسات تاريخية واثنوجرافية وأنثروبولوجية محدودة.
إن إنجلز يبقى أمينا لمنهجية ماركس في دراسة المعطيات المفصلة للحالات الجزئية قبل صوغ أي تعميم نظري شامل، أي لا اشتقاق للعام قبل دراسة الحالات الخاصة. فالنظرية عنده، كما عند ماركس، ليست إلا الواقع منقولا ومحولا إلى لغة الفكر. وريما لهذا السبب يجد إنجلز صعوبة كبيرة في الربط المباشر بين نشوء الدولة، كسلطة عامة منفصلة عن الجماعة او “الشعب” (حسب تعبير الترجمة العربية)، وبين احتدام التناحرات الطبقية. فهو يقدم وقائع هامة على نشوء “السلطة العامة” الجديدة حتى قبل حصول أي تناحر طبقي؛ الواقع أن العرض المنطقي لعملية تحول “الزعامة القبلية” إلى “سلطة دولة”، محفوف عنده بالتحفظات . فهو يتحدث عن بعض المواضع بلغة الاعتذار بسبب قلة المعطيات المتاحة. وعلى سبيل المثال نراه يؤكد (ص 113) أن تاريخ أثينا السياسي “ليس معروفاً بصورة كافية” خلال فترة التحول المذكورة، وان تاريخ روما يلفه “ظلام كثبف…. -يستحيل معه ” قول اي شيء (ص 132) زد على هذا أن تلخيص إنجلز للفوارق في جذور نشوء الدولة في أثينا وروما والجرمان (ص 975) لا يحيل نشوء الدولة، في كل الأحوال، إلى التناحرات الطبقية. بل إن هذه الفرضية تقتصر، حسب عرضه، على حالة اثينا، التي يصفها بأنها تمثل “الشكل الأنقى؛ الكلاسيكي الصرف” (ص 175)، بينما نجد أن ١لصراع بين العوام والشعب في حالة روما يشكل، عند إنجلز، أساس نشوء الدولة، رغم أن العرام والشعب لا يؤلفان طبقتين اجتماعيتين، بل جماعتين من اتحادات عشائرية مغايرة. فالعوام كانوا ملاكا أحرار للأرض سوى أنهم لم يدرجوا في نطاق الاتحادات العشائرية في روما بسبب انعدام صلة الرحم. كما نجد، في حالة الجرمان، ان الدولة شألت عندهم حسب قوله بسبب “فتح مناطق شاسعة من أراضي الغير”.
إن مغزى هذه الملاحظات يدور في أن إنجلز يربط مسبقا، فرضية نشوء الدولة بتطور الصراع الطبقي ونموه إلى تناحرات مستعصية. ولما كانت الدولة، حسب المعطيات الي يدرسها، قد ظهرت حتى قبل احتدام هذه الصراعات أو تبلورها، فإنه يحاول جاهدا الخلاص من هذا الفراغ. ونرى ذلك، على أوضح صورة في الإشارة الصريحة لوجود نقص وتعتيم وغموض في بعض المراحل.
إن هذا الكتاب، ينطوي، في جانب منه، على مفارقة: إن ثراء التفاصيل يتعارض مع الخلاصة التجريدية للكتاب. فالمعطيات التي يوردها إنجلز تؤكد، مثلا، أن الهيئات والمؤسسات المنفصلة التي نشأت لتولي شؤون الإدارة والقضايا والأمور العسكرية في المدن، كانت أساسية منذ لحظة نشوء المدينة نفسها. فالمدينة، بالتعريف، تفترض وجود تقسيم عمل متشعب، واستحالة قيام كل أفراد الجماعة بوظائف عسكرية إلى جانب وظائفهم الإنتاجية، خلافا للقبائل الرعوية أو الزراعية التي يمكن لسائر الذكور الراشدين فيها، التحول إلى جماعة مسلحة فور نشوء خطر داهم. زد على ذلك أن المدينة القديمة، المسورة بالطبع، هي بالتعريف أيضا، كيان بحاجة إلى حماية في ذلك العالم، عالم تضاد المدن والبوادي. ولا يمكن أصلا تخيل فكرة المدينة القديمة من دون جهاز حماية متخصص ومنفصل عن السكان، قبل نشوء أية صراعات طبقية. أما أن الطبقات نشأت بعد ذلك، فلا مراء في هذا. وأما أن احتدام التناقضات زاد من أهمية “المؤسسة المتخصصة” وأعطاها وظائف جديدة فلا مراء في ذلك أيضا.
إن هذه الملاحظات لا يمكن في اي حال ان تقلل من شان هذا السفر الكلاسيكي، ولكتها تحاول تبيان محدوديته التاريخية -العلمية، شانه شأن أي عمل فكري آخر. كما تحول الإشارة إلى وجود عنصر “أيديولوجي” بالمعنى السيء للكلمة، في جانب آخر. ان المحدودية التاريخية لعمل (انجلز) تتجلى، كما فعلنا من قبل، عند المقارنة مع (مونتسكيو) في “روح الشرائع”، حيث يعتمد الأخير على ما يقارب 300 مرجع فكري وتاريخي، بما في ذلك المدونات والمؤلفات الحقوقية والتاريخية الرومانية والإثينية، بينما يعتمد إنجلز على بضع عشرات من المراجع، مع إدراكنا أن الأول كرّس لكتابه جهود نحو ربع قرن من البحث الواعي، في حين أن إنجلز وضع كتابه خلال بضعة أشهر.
أما الجانب “الايديولوجي” أو النصي في كتاب أصل العائلة، فجدير بالانتباه لما قد يمثله من خطر كامن داخل كل نظرية عندما تواجه ثراء التجربة الإنسانية لا بانفتاح على التنوع الموجب لتعديل النظرية وتوسيعها، بل ان تجعل منها انتظام “ثابت” مقحم على الواقع. ان خلاصة إنجلز تتعارض مع بنية الوقائع التي يوردها من حيث أن هذه الوقائع تقدم قرائن واضحة على “لتنوع” في وظائف الدولة، و” التنوع” في أشكال وظروف نشوئها، بما يتجاوز الواحدية المجردة التي ينسبها إنجلز إلى الظاهرة في خاتمة عمله. مع هذا ينطوي الكتاب على تطبيق جانب اساسي هام من المنهجية الماركسية العميق: تحليل الواقع المفصل قبل أي تعميم.
النص النصي: الدولة والثورة.
على غرار إنجلز، لم يترك لينين غير كتاب كلاسيكي واحد هو: “الدولة والثورة”، الذي اعتبر، لعقود طويلة، مرجعآ أساسبأ في نقد الدولة الرأسمالية، وفي دراسة “نظرية” ماركس في الدولة.
أول ترجمة عربية للكتاب صدر تحت عنوان.. “الحكومة والثورة” لا أدرى إن كان هذا بحكم المصادفة، لكنه ليس الالتباس الوحيد في قراءة هذا المرجع.
أشرنا إلى أن إنجلز ركّز على الحقل الثالث لاهتمامات ماركس بالدولة (تاريخ نشوء الدولة القديمة)، أما (ليئين) فركّز همّه وانتباهه على الحقل الأول: الدولة كأداة للهيمنة والقمع الطبقي، وضرورات التحطيم والاستبدال والإحلال.
ولا حاجة للامعان كثيرا لتجلية هذا الاختيار وهذا التركيز. فالكتاب وضع في تاريخ حساس: 1917 م أي في الفترة التي كانت فيها روسيا ستجتاز عتبة ثورتين متلاحقتين: ثورة فبراير(شباط) البرجوازية، وثورة أكتوبر البلشفية، على إيقاع وهدير معارك الحرب العالمية لأولى. ومما حفّز على الكتاب الخلافات الشديدة داخل الأممية، والاتجاهات المتضاربة داخل الحركة العمالية الروسية، كما في صلب الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلاشفة) نفسه.
معروف أن اللجنة المركزية لحزب البلاشفة كانت تتطلع، حسب تحليل ظروف روسيا، إلى ثورة ديمقراطية (اي سياسية -برجوازية)، أما تحليل لينين فكان يتجاوز هذه النظرة بشكل راديكالي، إلى القول بآن العالم كله على عتبة الثورة الاشتراكية، وأن بوسع روسبا، الفلاحية المتأخرة، وان بوسع روسيا ان تتقدم مع هذا المنعطف التاريخي، وان تطرح على جدول العمل ((ثورة بروليتارية)) في بلد لا يشكل فيه العمال سوى اقلية حضرية، معتمدة على جر جموع الفلاحين، أو تحقيق نسخة معدّلة، طبعة جديدة من كومونة 1871.
بخلاف ذلك، كان تيار المناشفة (بليخانوف مثلا) يرى أن روسيا مقبلة على ثورة سياسية (لا ثورة اجتماعية) ديمقراطية برجوازية، (لا ثورة بروليتارية)، فالبلد متخلف، اقتصاده الفلاحي مجزّأ، وبروليتاريته ضئيلة العدد، وأن بلدا كهذا لا يمكن أن يعطي سوى دولة أوتوقراطية استبدادية حتى لو ارتدت رداء بلشفيا. (التعبير لبليخانوف).
الشطر الأعظم من التيار البلشفي (بالأحرى كل اللجنة المركزية عدا لينين) كان تتطلع إلى دور بارز للعمال وحركتهم في الثورة الديمقراطية، اما الانقلاب الاشتراكي فلم يكن مطروحا في فكر هذين التيارين، وينبغي ان نضيف إلى ذلك الاتجاهات الفكرية الأخرى في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية (وسواها) والمغايرة في نظرتها إلى المسألة كما وردت في “الدولة والثورة، بسبب تباين شروطها التاريخية الملمومة.
كتاب لينين هو جزء من مناظرة فكرية مناوئة لهذين الاتجاهين في التفكير ومحاولة لتجاوزهما، وهو جزء من فكرة عملية تهدف إلى الاعداد لتحطيم الدولة الديمقراطية الروسية وتجاوزها.
من هنا أيضآ طابع السجال العنيف، بل لغة القدح التي تملأ صفحات الكتاب واسلوبه، ومن هنا أيضا الطابع “النصّي” لمساجلاته اعتمادا على مرجعية ماركس.
تلك هي الظروف التاريخية لتأليف الكتاب، التي أسبغت عليه روحية خاصة، اي الاعتقاد بقرب الثورة الاشتراكية عالميا، والإعداد لها روسيا، وقدح كل من يحمل تصورا مغايرا.
لعل عجالة الظروف تقف وراء الاستعجال في وضع الكتاب (الكراس في الحقيقة) كما تقف وراء اللهجة المدوية والاحتدام في السجال، الأقرب إلى المشاحنات العامية منها إلى التحليلات الرصينة. لقد وضع لينين مؤلفات كثيرة نات أهمية تاريخية كبيرة مثل: “تطور الرأسمالية في روسيا” (الذي لا يقرأ في العادة)، أو “المادية والمذهب التجريبي النقدي”، (المثير للجدل)، كما وضع
عشرات الكتيبات العملية العامة. لكن الحال لا ينطبق على كراس: “الدولة والثورة”.
ولعلني اصدم القارئ في طريقة النظر إلى هذا الكتيب ولا اروم سوى تقديم قراءة، او رؤية، ممكنة بين قراءات ورؤى أخرى. خلاصة ما أراه أن أهمية كتاب “الدولة والثورة”، تكمن في انعدام أهميته، النظرية أو العملية.
فالكتاب لا يزيد عن تلخيصات لما قاله ماركس وانجلز بصدد الدولة، وضرورة تحطيمها، واستبدالها بدولة جديدة تقوم على المبادئ المعروفة (استخلاصات ماركس من تجربة الكومونة):
- انتخاب الموظفين وعزلهم.
- احلال الشعب المسلح بدل الجيش الدائم.
- دمج السلطة التنفيذية والتشريعية بيد هيئات الطبقة العاملة.
Social Links: