اعداد: يونادم يونادم
القسم-١
ما أن أطلق (هربرت مارشال ماكلوهان) الكاتب الكندي تأملاته في إنجازات نظم الاتصالات الحديثة حتى انفتح حقل جديد للبحث النظري اقترن بمفهوم العولمة أو استند عليه في تطويره، أو قام عليه.
ترسخ مفهوم العولمة globalization في حقل الاقتصاد والعلاقات الدولية، ليخرج بعدها، منذ منتصف الثمانينيات، إلى حقول العلوم الانسانية الاخرى (وبخاصة علم الاجتماع) التي تعيد الان تفحص مواقعها.
تحاول ورقة البحث هذه الاطلال على مفهوم العولمة من زاوية محددة هي ارتباط هذا المفهوم بالدولة القومية
nation-state في مقاربة سوسيولوجية/ تاريخية، تقع في محورين اساسيين.
المحور الاول يتناول طبيعة التفاعل بين الدولة القومية واطارها العالمي (او الدولي) وصولا الى لحظة الانتقال الى العولمة (globalization) (والكونية)، ابتغاء تحديد معيار واضح لهذا الانتقال.
اما المحور الثاني فيعرض الظاهرات التي تؤلف العولمة بقدر تعلق هذه الظاهرات بالدولة القومية، مقتصرين في ذلك على امثلة من تجارب أوروبا الغربية.
وعلى هذا فإن غاية البحث الاساسية تتعلق بالسعي إلى الإحاطة بالمفهوم، وتحديد حدوده من زاوية واحدة لا غير. وتكشف لنا هذه الاطلالة على إطار المفهوم وعلى المظاهر، او حتى الانماط المتباينة للعولمة، ان هذا الحقل يتوافر على عمليات بالغة التشابك والتعقيد تكاد تمس كل مجالات النشاط، ويتوفر، معرفيا، على تغيرات وتأويلات شتى تنقلنا إلى حقل جديد هو حقل مذهب العالمية الذي يقع خارج نطاق هذا البحث. لكن من المفيد الإشارة ان هذا الحقل الاخير يقدم رؤى متضاربة ناجمة عن تنوع التأويلات. مرد ذلك دراسة واقع
العولمة في إطارعلوم عدة، منفصلة (علم الاقتصاد، الاجتماع، السياسة، الفلسفة، فلسفة التاريخ… الخ)، مثلما ان هذه العلوم تنطوي على مدارس فكرية واتجاهات متنوعة (ماركسية، حداثية، بنيوية، ما بعد حداثية)،
تتكون، بدرجات، بالتيارات الايديولوجية او الضد ايديولوجية تمعن في تعقيد التأويلات.
أولا – من العالمية إلى الكونية
في مطلع هذا القرن انطلقت دعوتان تعضدان حق الأمم في إنشاء دولها الخاصة، الاولى من الرئيس الاميركي يومذاك توماس وودرو ويلسون، والثانية من زعيم الثورة الروسية، فلاديمير لينين.
رفع الاثنان مبدا حق تقرير المصير لأمم الارض إلى مصاف مبدأ سام. والمبدأ، كما هو جلي، يرمي تشكيل الأمم في دول قومية٠ هاتان الدعوتان عكستا اندلاع حركة عارمة لإنشاء الامم في دول خاصة هي “الدولة القومية” في موجة مكملة لما دشنته الثورة الفرنسية الكبرى في القرن الثامن عشر، وواصلتها ثورتا الالمان والطليان في القرن التاسع عشر. وبالطبع فقد كانت كل دعوة تنطلق من موقع يعارض الآخر.
كانت دعوة لينين تسعى الى ربط حركة النهوض القومي بالثورة الاجتماعية، اممية الطابع، معتبرة الدولة القومية بمثابة طور انتقالي نحو تأسيس عالمية (أو اممية) جديدة تتجاوز خصوصية الأمم ذاتها عن طريق الثورة العمالية. أما دعوة ويلسون فقد كانت ترى الى حركة إنشاء الدولة القومية وسيلة لوأد التيار الراديكالي
العمالي، وتعزيز مواقع النموذج الليبرالي، في إطار عالمية من نمط آخر، عالمية ترى في الدولة القومية لبنة اساسية في معمار العالم وربما، وقتذاك، محطة نهائية.
يشترك هذان التياران في معلم اساسي، رغم عالميتهما، هو الاعتراف بضرورة الدولة القومية كشكل تنظيمي للوجود الاجتماعي السياسي. ونجد أن لينين عمد، في الممارسة، إلى بناء دولة قومية، شديدة التمركز في روسا، مثلما ان وودرو ويلسون عضّد بناء دول من هذا الطراز في أوروبا وسواها.
هكذا دشن القرن العشرون تاريخه بإعلاء شان الدولة القومية إلى مصاف الضرورة.
في آخر هذا القرن، وبتحديد أدق بعد مرور 70 عاما لا غير على دعوات ويلسون ولينين، بدأ خطاب العولمة (globalism) أو “مذهب العولمة”، إن شئتم، يعظ بقرب زوال الدولة القومية بوصفها شكلا باليا، ضيقا لتنظيم الجماعات وادارة شؤونها. وبات حشد الدراسات المتدفق منذ اواسط الثمانينات يتحدث بلغة الانتقال من الاقتصاد القومي إلى الاقتصاد الكوني، ومن نظام الدول القومية النظام ما بعد القومي او ما فوق القومي أو الكوني.
للبحث تتمة ..

Social Links: