بنية العولمة؟ ــ فالح عبد الجبار

بنية العولمة؟ ــ فالح عبد الجبار

 

اعداد: يونادم يونادم

القسم _ 4 _

ج – تعميم المبدأ

من منظور القرن الثامن عشر، بل وجلّ القرن التاسع عشر؛ بدت الدولة القومية في الفكر الفلسفي -الاجتماعي بمظهر “ولد شقي”، اناني، بحاجة إلى لجم وتهذيب في إطار كيان عالمي؛ كما بدت هذه الدولة مجرد لحظة انتقالية، لن تعمّر في كل الاحوال طويلا. غير أن التطور العالمي اندفع في اتجاه ارساء هذه

اللحظة والامعان في تثبيتها، بدل تجاوزها. أو هكذا بدت صورة العالم، بدرجة اشد، منذ الحرب العالمية الاولى. ولعل ما من فترة في التاريخ شهدت هذا الدفق الهائل في تشكيل المزيد والمزيد من الدول القومية، وصعود المزيد والمزيد من الحركات القومية المنطلقة من أوروبا، والمكتسحة للقارات.

حتى الثورات الاجتماعية التي قادتها نخب نات منحى أممي، وجدت نفسها حبيسة هذا الشكل الخاص من التنظيم السياسي/ الاجتماعي الذي عم العالم كله تدريجيا، متجاوزا اشتراطات القرن التاسع عشر لماهية الأمة – الدولة، كأن تبلغ حجما معينا من السكان ومن طاقات الانتاج، والسعة الجغرافية، أي ما يعرف ب “مبدأ قابلية البقاء” (viability) الذي استثنيت بموجبه شعوب كثيرة من حق تشكيل دولة خاصة، بكل الازدراء المعهود لدى الدول الكبيرة المقررة.

وهكذا انحبست كل التيارات الأممية والعامية في قفص ١لدولة القومية، وبات عليها أن تحتمي بأسوار الأمة، مثلما كان ابناء الحواضر الاول يحتمون بأسوار المدن من عصف البرابرة في بوادي العالم.

اعتبر هذا الشكل الجديد أرقى من سابقه، أي أرقى من دولة المدينة، أو من الامبراطوريات الرخوة، المقدسة، سراء من الناحية العملية ام النظرية، رغم ما اكتنف مبادئ تشكيل الدولة القومية من صعاب نظرية وعملية بالمثل.

فالدولة الجديدة جهاز اكفآ للتحكم برقعة محددة، جهاز شامل يفوق سلطات المدن المنعزلة، أو الطوائف الحرفية وسواها، مثلما يفوق سلطة القبائل والعشائر، وهي جهاز أكفأ أيضا لدعم وحماية وتطوير الاقتصاد كاقتصاد قومي، بحماية حق الحياة والملكية، والتحكم بالسياسات المالية والضريبية وإصدار النقود (الاجهزة البيروقراطية)، وهي جهاز اكفا لتنظيم وضبط السلام الاجتماعي الداعم لهذا التطور الداخلي (المحاكم، أجهزة الشرطة) أو الدفاع الخارجي (الجيوش الدائمة). والدولة الجديدة يضا جهاز أكفأ لفرض تجانس ثقافة قومية موحدة (نظم التعليم الممركزة).

وأخيرا فان هذه الدولة اداة لبناء العلاقات الدولية: التجارة الدولية، معاهدات السلم، السوق العالمي، أو حروب التوسع. بتعبير آخر باتت الدولة القومية الشكل الأنسب، ظرفيا، لسير النظام العالمي القائم على تقسيم العمل والتجارة الدوليتين في هذا الطور من العصر الصناعي الرأسمالي.

لقد فككت الدولة القومية الجديدة الكيانات الشاملة ما فوق القومية، العابرة للجماعات (مثل الامبراطورية الرومانية، الامبراطورية العثمانية… الخ) مثلما فككت الكيانات دون القومية، لكنها أرست بالمقابل نظاما عالميا قوامه تعميم الدولة القومية كشكل أولي للتنظيم الاجتماعي – السياسي – الاقتصادي – الثقافي – الحقوقي – العسكري.

ولنكن على يقين أن هذا الشكل ما كان ليبرز إلى الوجود لولا أن العصر الصناعي الرأسمالي قدم لشتى الجماعات نظم اتصال مركبة: (أ) نظم اتصال مادية من سكك حديد، وسفن بخارية وخطوط تلغراف قضت على العزلة السرمدية للجماعات الصغيرة، و(ب) نظم اتصال ثقافية: الصحيفة، الرواية. الاولى خلقت هياكل وركائز متينة لاتصال شتى مكونات المجال القومي، اما الثانية فخلقت مجالا ثقافيا متجانسا وموحدا.

ويلاحظ في هذا الصدد، أن النزعات القومية (كحركات فكرية

وفكرية سياسية) التي اقتصرت في القرن التاسع عثر على النخب، تحولت، في مطلع القرن العشرين واواسطه، إلى حركات حضرية جماهيرية حقا.

هذا الانتقال نجم عن تحول نظم الاتصال نفسها. ويشير (هوبزباوم) إلى أن المشاعر القومية “لم تترسخ وسط اوسع الجماهير العريضة” بوصفها “مكونا مستقرا من مكونات الوعي” الا بعد الحرب العالمية الاولى، فهذه هي حقبة انتصار مبدأ القوميات. في هذه الحقبة بالذات توارثت بالتدريج مفردات ومفاهيم العالمية الشاملة كما تبلورت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لتطغى عليها مفاهيم القومية: اقتصاد قومي، ثقافة قومية،جيش قومي، دخل قومي، دين قومي، سيادة قومية، تحرر قومي… الخ.

اتخذت العالمية في هذه الحقبة، كما نرى، شكل انتشار وتعميم الشكل القومي في المعمورة كلها.

بتعبير آخر، كان النظام العالمي نظاما مؤلفا من دول قومية، وكان هذا النظام يدفع باستمرار ويشجع باتجاه تأسيس هذه الوحدات، مثلما أن هذه الوحدات الاولية كانت ترسخ النظام العالمي، من حيث كونه نظام علاقات تقوم فيه الدولة مقام فرد في مجتمع، فرد يتمتع بحقوق التمثيل والتصرف والتملك. الدولة القومية هي، إذن، حامية النظام العالمي، مثلما أن النظام ١لعالمي هو حامي الدولة القومية كفرد حامل للسيادة.

هنا نواجه الخصوصية (الدولة) والعمومية (النظام العالمي) كوجهين متكاملين، متضافرين يقوي أحدهما الأخر وصولا إلى نقطة لا بد بعدها من تجاوز الشكل الكلاسيكي للإثنين معآ٠

لتوضيح ذلك حسبنا الالتفات إلى دور الدول في النظام العالمي.

مثلما يواجه الفرد، في المجتمع، انقسامات واستقطابات، قوى عاتية وقوى ضعيفة، مؤسسات وجماعات، ترسم له حدود ومجالات تقدمه وتراجعه، تلكؤه، وانقضاضه، هشاشته أو متعته، كذلك فان النظام العالمي المؤلف من مونادات (ذرات معزولة) الدول، ينطوي هو الآخر على تفاوت في كثافة القوى الاقتصادية والسياسة العسكرية والثقافية. وان هذا التفاوت يهدد، في تأرجحه وتذبذباته، كامل نسيج العالم أو مكوناته الفردية.

لقد أطلق عصر الرأسمالية الصناعية، بما فيه من اختلالات اجتماعية وعالميه، ثلاث استجابات متباينة: الفردية، الجماعية، الدولتية، أو تمجيد الفرد، تمجيد الجماعة، تمجيد الدولة. وتمثلت هذه المظاهر الثلاثة للمجتمع الصناعي الرأسمالي في ثلاثة تيارات ايديولوجية هي الليبرالية، الاشتراكية، الفاشية.

وكانت كل حركة تعكس مظهرا من مظاهر اختلال أو قوة التنظيم الاجتماعي الجديد، وتحولت من خلال الظفر بالسلطة السياسية في مجموعات دول قومية متفرقة، إلى تأسيس نظم عالمية فرعية، اشتبكت في صراع مميت، مدمر، غطى جل القرن العشرين، لكأن التاريخ الصناعي عمل وفق مبدا (هيغلي)، بانحلال الظاهرة إلى مكونات ثلاثة، ثم احترابها وصراعها، لتخلص أخيرا الى نوع من الاندماج او التركيب الهيغلي لتكتسي النظم الليبرالية مظهرا اجتماعيا (نظام الرفاه الاجتماعي)، وتتطعم النظم الجماعية بعناصر فردية، فيما يعمل هذان النظامان، حتى من خلال المجابهات، على قضم الدولة، ولجمها باسم اممية جامعة، ترى الى القومية كأنانية بغيضة، جاحدة، ضيقة الأفق.

كان المبدأ الهيغلي مبسطا ابلغ تبسيط: هناك الأطروحةThesis التي تتحول الى نقيضها anti-thesis ثم هناك اندماج الاطروحة ونقيضها في مركب جديد Synthesis لكن المبدأ الهيغلي في التاريخ الفعلي اعطانا انحلال الاطروحة (مجتمع الدولة القومية) الى نقائض عديدة، ابعد ما تكون عن الثنائيات المبسطة.

خلال عملية انحلال المجتمع الصناعي الى المكونات الثلاثة (الفردية، الجماعية، الدولية) ثم اشتباك هذه المكونات التي تحولت الى نظم عالمية فرعية (sub-systems) متصارعة، كانت الوحدة الأساسية للنظام العالمي، أي الدولة القومية تتعرض لخطر داهم، واقعي او متخيل.

كان النظام العالمي يولد الاختلال تلو الآخر، وكان توازنه القلق يدفع باتجاهين متضادين، الانزواء والحماية (كما في فترة ما بين الحربين (1917 -1940 او المزيد من العالمية، كما هو الحال بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد كانت الدولة القومية تدفع النظام العالمي، مثلما كان النظام العالمي يدفع الدولة القومية إلى المزيد والمزيد

من المؤسسات فوق القومية، على كل الصعد: المؤسسات العسكرية فوق القومية (الاطلسي، وارسو… الخ)، والمؤسسات السياسة فوق القومية (عصبة الأمم المتحدة، مؤتمر عدم الانحياز، قمة الدول الاسلامية؛ قمة البلدان السبعة الكبار) أو المؤسسات الحقوقية فوق القومية (محكمة العدل الدولية، محكمة العدل الأوروبية)، او المنظمات الاقتصادية فوق القومية (السوق الأوروبية).

هذا التفاعل بين النظام العالمي والدولي القومي كان يعمل بمنطق (هوبزي – كانطي) –نسبة الى (هوبز) و (كانت)-، أي المنطق القائل بأن منطق “الطبيعة”، حسب كانط، ينمي العالمية، أو المنطق القائل بأن حرب الجميع ضد الجميع، يؤجج منطقا مضادا، منطق السلم، وأن منطق الانقسام المحترب يذكي منطق الوحدة البشرية المسالمة.

ليس هذا المنطق بطبيعة الحال مجردا أو فكرة غائبة مسبقة بل ثمرة انماط الاتصال بين البشر وتفاعل ما صنعوه من نظم منجبه للاضطراب والخطر، مثلما هي منجبه لثمار الحضارة النافعة.

اشتد منطق العالمية، كما نرى، بتطور السوق العالمي، وانفتاح المبادلات، والتجارة الدولية واسواق المال على مصراعيها، مثلما اشتد بمنطق تنامي الاحتراب ومخاطر الدمار الشامل. نظم الاتصال الحديثة اعطت زخما هائلا لهذا الدفق، اذ حلت الطائرات والسيارات، ثم التلفزيون والهاتف، والاقمار الصناعية، محل سلاحف السفن البخارية والتلغراف، لتقلص رقعة العالم وتحوله إلى حقل مكتظ، منضغط compressed كما يقول روبنسون. وجاء ابتداع نظم العسكرة الحديثة ليجهز على الطايع الموضعي للحروب ويحولها الى حروب كونية في عصر القنبلة النووية والصواريخ عابرة القارات.

كانت نظم الاتصال وما يقترن بها من عمليات تخترق المجتمعات كلها وتضيق بالحدود الاجتماعية المرسومة على الخرائط والفاصلة بين شتى |لجماعات الثقافية. وما كان لبثّ الاقمار الصناعية وهو يلفّ الكرة الأرضية يطويها مؤلفة، مثلا، من قارات او دول؛ أو انها تشتمل على حدود بلد شاسع او دزينة بلدان صغيرة.

هذا الزخم هو الذي هيأ للانتقال من لحظة العالمية، او الدولية (international) كنظام للعلاقات بين دول قومية، إلى لحظة الكونية، أو العولمة (globalization) الفالت من أسر هذه الحدود.

العولمة (او الكونية)، على هذا، تؤلف كل العمليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تجري خارج سيطرة الدولة القومية بوصفها وحدة التحكم، بعدا أن كانت هذه العمليات تنطلق أساسا من الدولة القومية باعتبارها المرجع والإطار المقرر. وإن بدء هذه العمليات بالخروج عن الإطار القومي إلى إطار يتجاوزها هو الذي حتم ابتداع مفهوم العولمة (أو الكونية).

كيف تراكمت هذه التحولات وأين حققت اولى اختراقاتها، اسئلة قد تخضع للكثير من الجدل والتمحيص. ولكن يمكن القول إن اسواق المال (في المجال الاقتصادي) وعمليات الاتصال (الثورة الالكترونية)، أطلقتا رصاصة الانطلاق نحو تجاوز الدولة القومية.

وعلى سبيل المثال، فان النظام العالمي الكلاسيكي، ما قبل الكوني، كان دوما محروسا (في مجال التبادل) بدولة قومية اساسية (كما يقول بول هيرست) أو بعدة دول. فإنكلترا في القرن التاسع عشر كانت الضامن للمبادلات العالمية، فيما كانت اميركا هي الضامن لهذه المبادلات منذ عام 1945 وحتى انهيار اتفاقية “بريتون وودز” مطلع السبعينيات. وكانت روسيا حامية للنظام العالمي الفرعي (الممثل للتيار الجماعي)، مثلما كانت اميركا حامية للنظام العالمي الفرعي (الممثل للتيار الفردي – الليبرالي) المعاكس.

لقد تبلور مفهوم العولمة (أو الكونية) لتوصيف وتعيين تخوم الظاهرات الخارجة عن سيطرة الوحدة الكلاسيكية، الدولة القومية، إما بسبب طابعها التكنولوجي المحض (نظم الاتصال) أو بسبب تعذر انغلاقها في حدود قومية (أسواق المال والمبادلات). هذا التطور قضم، دون أدني ريب، سيادة الدولة (طوعا أو كرها) بالمعنى المعروف في جل القرن العشرين. وتضاءلت الاهمية المركزية للدولة بانتهاء الحرب الباردة.

لكن المفهوم، والحق يقال، توسع توسعا فضفاضا بعض الشيء ليخرج عن حدود اسواره المنطقية، حتى صار يطبّق، بشيء من القسرية، دون تمييز أحيانا، وبكثير من الخراقة بعض المرات، على ظاهرات شتى سواء كانت معولمة (كونية) حقا، أم لا: من ازدياد حرارة الكون والبيئة، إلى الجريمة المنظمة (تهريب المخدرات، الاسلحة)، ومن الفقر والاوبئة، إلى الانفجار السكاني، وعمل الاطفال، والرقيق الابيض، وصار المفهوم، كما يقول رونالد روبرنسون، يعبّر عن “انضغاط العالم”. في رقعة صغيرة، وعن كثافه تفاعله، واشتداد الوعي بوحدة العالم ككل.

في هذا البحث الساعي لتعيين معنى العولمة يشدد على ربط المفهوم بكل العمليات الموضوعية التي لا تستطيع الدولة القومية ضبطها بوصفها أداة تحكم، إما لعجزها عن ذلك، أو لأن الضبط يولد اضرارا غير مرغوبة بل لربما مدمرة لشروط وجودها بالذات.

ولإيضاح هذه النقطة الاخيرة حسبنا القول إن دولة قومية، كبريطانيا مثلا، لا تستطيع التحكم بحركة رؤوس الاموال والسلع خارج نطاق بعض القواعد المشتركة الحامية للنشاط الاقتصادي، وتعجز عن ضبط حركة المعلومات والاتصالات. بل لوأانها سعت إلى وقفها او الحد منها لأصاب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا بشلل مدمر. ويمتد عجز بعض الدول الاوروبية مثلا إلى ميدان حركة البشر (في حدود اتفاقية شنغن)، رغم ان قوى العمل الحي لا تزال ساكنة نسبيا ومقيدة بقيود ضوابط الإقامة وسمات الدخول، رغم أن هذه الضوابط لم تدخل المسرح، ض أي حال، الا بعد الحرب العالمية الاولى.

  • Social Links:

Leave a Reply