اعداد: يونادم يونادم
القسم _ 5 _
ثانيا: قضايا العولمة والدولة القومية
إذا كانت العولمة تفترض انطلاق قوى السوق، وانفصالها عن البنى السياسية الموضعية، وتحول هذه الى أداة وسيطة، عاجزة عن التحكم، فان مسار العولمة يفرض سمات بنيوية جديدة على أكثر من صعيد. ويمكن لنا إيراد عدد من هذه الخصائص كما تتجلى في علاقتها بالدولة:
أ: مشكلة الحكم والتحكم.
ينبئ خروج قوى السوق عن مجال سيطرة الدولة، واقترابه، او سعيه للاقتراب من وضع ذاتي التنظيم، عن تزايد سطوة النخب التكنوقراطية وجموحها. وتنشا مفارقة مستحكمة: فالنخب السياسية المفوضة، والمخولة، على اساس الانتخاب، لن يعود بوسعها أن تتحكم بسير العمليات المعولمة (الكونية)، في حين أن النخب التكنوقراطية/ الاقتصادية غير المنتخبة تتحكم بهذا السير. هذا التضاد يطرح على بساط المساءلة قيمة ومعنى قواعد الديمقراطية من حيث حرية الاختيار، والقرار، والمساءلة، والضغط والتغيير في إطار النظام السياسي – الحقوقي الراهن. اي يطرح مشكلة من يحكم؟ سلطة سياسية منتخبة لا تقرر، ام سلطة اقتصادية غير منتخبة تحسم وتقرر؟ كيف السبيل إلى الخروج من هذا التضاد؟ اخترنا موضوعة التحكم لأنها، برأينا، ذات ثقل مركزي، ينشب حولها صراع ضار بين دعوات إلى حكومة عالمية (مبادرة ستوكهولم) او الدعوة إلى مجتمع مدني عالمي، يقيد قوى السوق، او التبشير الليبرالي الجديد بقرب زوال الدولة، والوصول إلى المجتمع التجاري الخالص كما اراده كلاسيكيو الليبرالية (آدم سميث) مجتمعا ينتظم ذاتيا على أحسن وجه، ولا يعكره (حسب هذه الرؤية) سوى تدخل الدولة.
هذه الدعوات لم تتبلور بعد في حركات اجتماعية متمايزة،الا أنها تشير إلى ان موضوع التحكم هو ميدان صراع مكشوف قد يتخذ أشكالا متباينة في المستقبل. ان النظريات المتعلقة بالدولة ومستقبلها لا تزال بالغة التطرف: القول بزوال الدولة من هنا، أو القول بان الدولة لا تزال على حالها بلا مساس، او أنها لن تمس. هذان القولان، على تنافضهما؛ وجهان لعملة واحدة.
فالدولة لم تبق بلا مساس، ذلك انها فقدت الكثير من وظائفها كناظم وضابط اقتصادي (أو حتى مالك)، كما تقلصت أهمية وظائفها العسكرية إثر انتهاء الحرب الباردة. لكنها ما تزال وستظل إلى أمد غير منظور، تقوم بوظائف وسيطة ومركزية غير قليلة الشأن. وان هناك مسارا تاريخيا مديدا ينبغي ان يقطع قبل أن نصل إلى تحول جذري يؤذن بتحول الدولة، على درجات ومراحل، إلى سلطة محلية، متناقصة الاهمية. غير أن كل درجة انتقالية ستذكي اوار تصادمات حول اشكال التحكم الجديدة في العالم.
ب: المواطنة والقومية
الخاصية الثانية، ان الدولة القومية تشهد انفصال المواطنة عن الانتماء القومي. فالعولمة، بحكم منطقها، أفضت على مدى القرن العشرين كله إلى حركة هائلة للسكان غيّرت وجه المجتمعات المتقدمة، واضفت عليها طابع بنية متعددة الثقافات. إن نظرة سريعة إلى مدن اوروبا الغربية واميركا، مهما كانت سطحية، تنبئ عن صلابة هذا التعدد الثقافي، وتسلم واقع وفكرة الدولة القومية بوصفها رقعة لجماعة ثقافية متجانسة، صوّانيه.
هذا الحال افضى إلى انفصال المواطنة كحق مكتسب (بالإقامة والعمل) عن الانتماء الثقافي الاثني كحق موروث؛ وهو ينطوي على نزاع، من شانه ان يعم العالم، بين البنية الثقافية المتجانسة، الموحدة، والبنية متعددة الثقافات.

Social Links: