اعداد : يونادم يونادم
القسم _ 6 _
ج: تغير النزعة القومية
أنجبت العولمة خاصية ثالثة تتصل بالدولة القومية، وتتمثل في تحول بنية ووجهة النزعة القومية (nationalism) وبخاصة في اوروبا التي تفتك بها أو تغذيها نزعات متضاربة، نزعات انفتاح ترى إلى القومية كشيء ينتمي إلى الماضي، أو ميول انغلاق قومي محافظ أو (ويا للمفارقة) يساري، او حتى ديني اصولي (مسيحي – أوروبي أو اسلامي).
وتتميز النزعة القومية في اوروبا (ولربما خارجها) بأنها اكتسبت طابع رهاب الاجانب xenophobia سواء تعلق ذلك بكره المهاجر من العالم الثالث، أو بغض الاوربي للأوروبي الآخر الفاتك بالسيادة المحلية (كما تراه مارغريت تاتشر البريطانية او لوبان الفرنسي).
ورغم ان هذا التطور أضعف الاشكال السابقة (الضم او الانفصال) من النزعة القومية السياسية، الا انه لم يقض عليها تماما، بل أيقظ جمراتها الباقية حيثما لم تنح لها الفرصة لكي تحقق ذاتها. نعني بذلك انطلاق موجة (اخيرة؟) من النزعة القومية: دول البلطيق، دول الاتحاد السوفييتي السابق، تفكك يوغسلافيا.
يعيد بعض هذه التجارب اليوم، امام ناظرينا، ما فعلته قوميات اول القرن، محتربة على تعيين تخومها الثقافية/ السياسية (ارمينيا ازاء اذربيجان، البوسنة والهرسك ازاء صربيا، البانيا إزاء صربيا، ايرلندا إزاء إنكلترا) في مساع للضم او الانفصال، إلى التعبير عن الذات بصيغ أكثر توازنا (ايرلندا الشمالية).
د : المجال الباسي القومي
ادى ١لتطور العاصف، 1لذي قاد 1لى بداية العولمة، الى تغيير بنية المجتمع الرأسمالي: النمو الهائل لقطاع الخدمات، نمو صناعة الثقافة، الاضمحلال النسبي للطبقة العاملة، الاتساع الهائل للفئات الوسطى.
هذه التحولات ادت الى خفوت الفوارق بين الاشتراكية الديمقراطية والليبرالية، وتضاؤل الهامش النقدي لليسار الماركسي. ولا ريب في ان سقوط “الاشتراكية القائمة” ونهاية الحرب الباردة، من جانب، وضمور قوى النقابات، من جانب اخر، أنشأ تحولا في نمط الحركات الاجتماعية. فالحركات القائمة على هويات حركية، كالحركات الشيوعية أو الاشتراكية الديمقراطية أو الفاشية، انحسرت وتنحسر بشكل مطرد، بالمقابل أدى التكيف المتبادل (في إطار اوروبا) لكل الحركات إلى تطعيم النزعات الجماعية بالفردية الليبرالية، وتطعيم الليبرالية بالنزعات الجماعية (دولة الرفاه)، موصلا هذه التيارات إلى ما يشبه التقارب الوسطي
الذي يتوقع له بعض المنظرين أن يلغي الانفصال الايديولوجي الصارم الذي وسم العقود السابقات (شانتال موف، انطوني جيد نز، مثلا).
لقد ادى ذلك إلى التحول من الهويات السياسية الكلية (الطبقة، الأمة) إلى هويات سياسية تتمحور حول القضايا: البيئة، الانثوية، الحريات المدنية، التعليم، الجريمة، الفقر، حقوق الانسان، الأسرة… إلخ.
ومما له دلالته أن نلاحظ التناقض المطرد في عضوية النقابات والاحزاب الكبرى، مقابل نمو هائل في عدد وعضوية المنظمات غير الحكومية. فغي العام 1909، مثلا، كان عدد هذه المنظمات لا يزيد عن 176، اما في العام 1993 فكان عددها يربو عن 30 ألفا بل إن بعض هذه المنظمات اخذ يخرج عن الإطار القومي بفضل وسائل الاتصال الالكترونية وانتشار مفاهيم شاملة، مشتركة (حقوق الانسان، البيئة، الجوع، الابادة… الخ).

Social Links: