الأديان والعقائد والأفكار… والسلطة السياسية

الأديان والعقائد والأفكار… والسلطة السياسية

 

كل العقائد يساء لها عندما تصنع دولتها الشمولية الاستبدادية، يتحول الفكر ليغطي المستبد ويبرر استبداده، تصنع شرعية كاذبة، ويشرعن قهرها وطغيانها واستغلالها للشعب؛ لنسأل التاريخ؟.

الأيام السورية؛ أحمد العربي

أولاً – إن الاجتماع البشري ومنذ البدايات الإنسانية محكوم بضرورة العيش الجماعي لاستمرار الوجود عبر النسل ولتحقيق الحياة الإنسانية الأفضل، وإن هذه الحياة الاجتماعية لا تتحقق دون أن يكون لها ضوابط تربط بين الحاجات وبين كونها للجماعة والأفراد في نفس الوقت وتناقضها وصراعها أيضاً، هذا الضابط الذي نشأ عبر التاريخ وكان اسمه السلطة، ومن يومها اجتمع الناس والأرض والسلطة السياسية، لتكون أول اجتماع بشري مهما كان بدائياً وتطور عبر الزمن.

ثانياً – لم تكن السلطة عبر التاريخ حلاً سحرياً لتحقيق حياة الجماعة الأفضل، صحيح أنها قننت العنف بها وأصبحت هي مصدر الشرعية والمعبرة رمزياً وجماعياً عن الجماعة الإنسانية مهما كانت، ولكنها لم تكن في أي مرحلة في التاريخ تحقق فعلاً مصلحة هذه الجماعة، بل سرعان ما تتحول من أداة تحقق مصلحة الجماعة لأداة تحقق مصلحة الممسكين بها، وأصبحت أداة إعادة استغلال الجماعة لمصلحة الفئة الممسكة بهذه السلطة، وعلى حساب الجماعة بالعنف أو بالعرف أو بعقائد وضعية أو سماوية، كلها لخدمة هذه السلطة وعصبتها.

تنوع عبر التاريخ من يمسكون بالسلطة حسب التطور الاجتماعي، ففي القبيلة يكون الأكثر عدداً وقوة ومنعة، وفي الحضر الأكثر عدداً وثروة وسطوة، وفي العصر الحديث من يمتلك عنصر القوة والثروة، والجميع محكوم بقاعدة إعادة تدوير السلطة السياسية التي من المفترض أن تخدم الجماعة في أرضها، إلى مصلحة العصبة الحاكمة وهذه السلطة الاستبدادية بأشكالها القبلية أو السلطانية (دينيه وغيرها)، أو الحديثة الشمولية من قومية إلى الشيوعية وحتى الرأسمالية أيضاً.

ثالثاً – لم يكن البشر ليقبلوا أن يخرجوا من الغابة بفوضوية الحياة للأقوى وصراع البقاء، ليدخلوا عصر الجماعة الإنسانية والبحث عن الحياة الأفضل ليكونوا ضحية للاستغلال أو العبودية أو السلطان الاستبدادي والوحشي الطاغي عبر التاريخ، وتحرك البشر منذ أول اجتماع إنساني لنيل حريتهم ورفضهم لأن يكونوا عبيداً لمستغل أو متسلط. ونشأت ثورات الإنسان عبر التاريخ؛ لنيل حريته (بكل المعاني كحق معرفة للوجود، ولما يجب أن يفعل، وآلية التحقيق، ولتحقيق الحياة الأفضل فعلاً).

تحرك الإنسان لينتصر لحقه بالعدالة والمساواة، كل ذلك كان من خلال دعاة كانوا منارات عبر التاريخ، وكان أهمهم الأنبياء والديانات والدعوات السماوية منها والأرضية، ولم تخلو مرحلة تاريخية ولا بقعة من الأرض من هؤلاء الأنبياء والدعاة من فجر الإنسانية إلى الآن.

إنهم دعاة للانتصار لإنسانية الإنسان وحريته وللعدالة ولحياته الأفضل، هذه القضايا المشتركة للدعوات كلها، وهذا مبرر وجودها واستمرارها على الأرض.

رابعاً – كثير من هذه الدعوات بقيت حبيسة أصحابها، وبعضهم كانوا ضحيتها وشهدائها أيضاً، فلم تقبل كل السلطات أبداً وعبر التاريخ بأي فكر جديد يأخذ منها امتيازاتها ومحاربته من المهد، لكن بعض الدعوات ومنها الأديان قاومت واستطاع بعضها أن يصنع حكماً ولمئات السنين، ولكن كل الدعوات وحتى الديانات عندما استلمت السلطة وأغلبها عبر ثورات اجتماعية عديدة وعميقة التأثير، سرعان ما أن تتحول لسلطة مستبدة ومستغله، وخاصة بعد موت المؤسس كنبي أو داعية، ولم ينجوا من هذا الواقع أي دعوة دينية وغير دينية.

في الديانات الهندية والصينية القديمة التي قامت انتصاراً للإنسان وللعدالة وحياته الأفضل، سرعان ما تحولت لحكم استمرت عبر قرون لتثبت واقع استغلال البشر وتفاوت حياتهم وصناعة عقلية قبول هذا التفاوت، واستقرت عقائد تؤيد الواقع الظالم بعد أن كانت قد ثارت عليه. وأصبحت تحتاج لثورة عليها هي، وهكذا حصل في العصر الحديث في الهند والصين وغيرهما.

أما المسيحية التي انتشرت تحت الظلم بداية، كانت ولأكثر من مائتي سنة تتحرك منتصرة للإنسان وكرامته والعدالة الإنسانية، وعندما تلقفتها روما وحولتها ديانة رسمية للسلطة، لتأخذ من خلالها شرعية إلهية، سرعان ما تحولت إلى سلطة قاهرة والمسيحيين أنفسهم ضحيتها، وحولت المسيحية عبر تقنينها وتحويلها لكنيسة ناطقة باسم السماء وعبر التزاوج بين رجال الدين ورجال السلطة إلى شرعية استغلال العالم، والانتشار بالقوة وتبرير التسلط والفتوح واستباحة المجتمعات الأخرى واستغلالها واستعبادها أيضاً.

خامسا ً- وعند الحديث عن الإسلام ونبيه العظيم محمد، فنحن أمام رسالة سماوية ونبي عمل في أجواء اضطهاد وعداء وتعب هو وأصحابه، حتى تمكن من أن يصنع نواة دولة يطبق بها دعوته التي كانت في عمقها دعوة توحيد وخير وعدالة وحرية وتحرر، وفرضت نفسها بقوة بعد أن حوربت من حكام مكة وبقية قبائل الجزيرة العربية لأنها تلغي شرعيتهم وامتيازاتهم واستغلالهم للناس عندهم، لذلك التحق الناس بالدعوة ووجدوا بعبودية الله برسالة الإسلام حريتهم والعدالة التي يبتغونها، والإنسانية التي هي حقهم الوجودي، وكانوا في دولة الرسول نموذجاً إنسانياً رائعاً ( إذا أخذنا نسبية المكان والزمان والعصر)،  وصنع صورة عن السلطة وكيف يجب أن تكون: شورى بين الرسولr وصحبه، فهي من الناس ومن مصالحهم انبثقت، ولأجلها على الأرض تحركت، وكان الرسولr والهداية الإلهية كقرآن النور الذي أكد ذلك ونفذت، وكانت تجربة النبيr ولا تزال بهذا المعنى نوراً هادياً في تاريخ البشرية إلى الآن.

سادساً – كان لا بد أن يتوفى النبيr، وأن البشر مستمرون بالحياة، وأن الحاجة للسلطة مستمرة، وكان تداعي صحابة الرسول بعد وفاته لتولية خليفة له أمراً مهماً للدولة الوليدة وللمسلمين أنفسهم، لأن الرسولr لم يكن قد قنن آلية محددة للحكم بعده، ولأنه كان في القرآن نصوصاً توجيهية نحو الشورى في كل شؤون المسلمين، ولأنه مارس الشورى في كل أمور المسلمين الحياتية، وحتى في مناقشة بعض أمور الدين أيضاً، لذلك تداعوا لمشورة بينهم ليحددوا من يخلف رسول اللهr كسلطة متابعة أمور المسلمين، واستلمها أبوبكر وكانت مدته قصيرة، وكانت محكومة بثوابت الرسولr وتجربته، فكان يستشير المسلمين في أمرهم وكان عادلاً ومنصفاً ويقف على حقوقهم، وبوفاته واستلام عمر بعده عبر نظام الـ(شورى)، والذي كان يتميز بالحزم والعدل والحفاظ على حرمات المسلمين، وفي عصره بدأت تنتشر الدعوة الإسلامية والفتوحات وتقوى وتصبح رقماً دولياً في عصرها، وعندما قتل غيلة صار عثمان خليفة عبر الـ(شورى) أيضاً، والذي لم يستتب الأمر له أيضاً لصراع على السلطة تزعمه معاوية والي المسلمين بالشام، والذي انتهى بموت علي غيلة واستلام معاوية للحكم وبداية عصر الملك العضوض الوراثي. (الحكم الجبري الذي لا يأخذ برأي الناس)، وهنا دخل الإسلام والحكم والمسلمون عصراً جديداً على مستوى الحكم السياسي.

سابعاً – منذ بداية حكم معاوية وبعده وراثة بني أمية، دخل الحكم في إعادة استخدام العقيدة لخدمة السلطة الحاكمة ومصالحهم ومناصريهم وخلق نفوذهم وامتدادهم في الأرض، وعبر الزمان وهذا لا يلغي أنهم توسعوا في الامتداد وفي كل أطراف الأرض بالدعوة الإسلامية. لكنهم وفي العمق ظهرت فيهم أمراض السلطة المستبدة بكل موبقات الفساد واستغلال وظلم واضطهاد وتحويل المسلمين عبيداً عند بني أمية وعصبتهم وجندهم وحكامهم وولاة أمورهم، لذلك كانت الدولة الأموية تداعى من الداخل وقوي عليها خصومها وكان مصيرها السقوط، كانت تتغطى بادعاء أنها شرعية وبأنها دولة المسلمين، ولم يكن ذلك ينفعها ولا يبرر ظلمها، وكان الثوار عليها والذين ينقضون أيضاً مسلمين ويرفعون الإسلام راية لمطالبتهم بإسقاطها وتحقيق العدالة وحياة الإنسان الأفضل.

نجح العباسيون بإسقاط الأمويين ولكنهم ساروا بنفس الطريقة: إعادة تدوير الحكم بشرعية إسلامية مدعاة، ومن أجل خدمة عصبة الحكم (العائلية أو القبلية ) وامتداداتها من ولاة وجباة وعسكر وسلطان، وعملت على تأبيد سلطانها عبر فقهاء السلطان وعبدة الحكام في كل زمان ومكان.

وكذلك في مرحلة انفراط عقد الدولة الإسلامية الواحدة ودول الأطراف والفاطميين وحتى الحكم العثماني، كلهم استخدموا الدين مطيه للحكم والاستغلال والاستبداد والفساد وظلم العباد، والناس غرقوا في الفقر والجهل والتخلف، وتحولت نهبا للسلطان في الداخل أو العدو بالخارج، وأصبح الدين عند الناس أمل تحقيق العدالة والحياة الأفضل، ولم يعد له على الارض الا حضور لنقيضه سلطة غاشمة وفقهاء مرتزقة عبر استثمار الدين واستغلاله هذه المرة والمجتمع كله ضحية.

ثامنا ً – عندما سقطت الخلافة العثمانية..لم يأسف أحد عليها، واكتشف المسلمون ونحن العرب منهم كم نحن متخلفون عن العصر علماً وتقدماً وإمكانيات حياة وتقدم، واكتشفنا أننا ضحية استعمار جديد من الغرب وأننا رجعنا ضحية سلطة ولكنها غريبة وغربية هذه المرة، وأننا دخلنا في حالة الاستعمار والاستغلال والتبعية، وصار لنا مهمات جديده: فعلينا أن نتحرر من المستعمر والتخلف وأن نلحق بركب التقدم وصناعة حياة تليق بالإنسان فيها الحرية والكرامة والعدالة والتقدم. بما يعني حياة الإنسان الأفضل.

أخيرا ً – نحن مجدداً أمام بدأ الحديث وأن السلطة السياسية وعبر تاريخنا وحتى الآن كانت تستخدم العقائد مطية للهيمنة والاستغلال ولأجل مصالحهم كعصب، وأن الإسلام كدين ورسالة أستغل عبر التاريخ في ذلك، وأننا وعندما ثرنا في تاريخنا ضد الظلم كان الإسلام منطلقنا العقائدي أيضاً، وأننا أخيراً أصبحنا متخلفين وخارج العصر، وأننا مطالبون أن نقول كيف نكون مسلمين، ولا نكون ضحية سلطات إسلامية أو قومية أو شيوعية أو رأسمالية كأفكار، ولكنها كلها كانت مطية الحاكم الذي استغلها، لنستمر عبيداً والبلاد مزرعة الحاكم المستبد الخاصة، وهكذا عبر أغلب التاريخ وللأسف.

كيف نحفظ أدياننا وعقائدنا وقيمنا وحقنا بالحياة الأفضل والكرامة والعدالة والحرية والتقدم كل ذلك مع بعضه؟

هذا حديث آخر…

  • Social Links:

Leave a Reply