السلفية والاستبداد البعثي
السلفية والبعثية طريقان مغلقان للخروج من الأزمة السياسية ـ الثقافية الطاحنة، وحين يهتف أحدهم في سوريا: الله وبشار وسوريا وبس.. (بس معناها فقط) هو في الواقع يقول بشار وبشار وبشار وبس. هو يقول بشار هو الله. بشار هو سوريا. وليس ثمة بعد بشار ولا قبله أحد. كان فرعون صريحا حين قال ماعلمت لكم من إله غيري. وأنا ربكم الأعلى. الجدد جبناء مخادعون لايجرأون على التصريح، ويلبسون الحق بالباطل، يساعدهم في هذا الخبث المفتي ورجال الدين.
ومن أراد معرفة حقيقة الإلوهية فهناك تجربة بسيطة؛ أن يتجرأ أحمق فتكلفه كلمة حياته؛ فيهتف بسقوط زعيم عربي في ساحة عامة، وليجرب نفس التجربة على التعرض للذات الإلهية، حتى يحكم على النتائج ليكتشف من هو الله الفعلي في حياة الناس؟ ليس غريبا أن يختم القرآن سوره الـ 214 بسورة تضغط كل معاني القرآن في ثلاث جمل: أن الله والرب والملك هم مرادفات لحقيقة واحدة .
قل أعوذ برب الناس. ملك الناس . إله الناس إنها معادلة ثلاثية الأبعاد كما نرى الرب = الملك (الحاكم) = الإله. بالطبع هذه المعادلة هي السارية في معظم زوايا لعالم العربي وتظهر بشكل فاقع جدا في الأنظمة الشمولية والجيوب الستالينية، وهي مازالت تعشش في كثير من أركان العالم العربي، لأننا نعيش في الزمن الهجري؛ فيختلط علينا العام الهجري والقمر ورمضان ورؤية الهلال من عدمه في غشاوات وظلامات تشهد على أننا لم ندخل العصر بعد.
وحين نتأمل التاريخ نرى أن ماحصل في الغرب سوف يمتد أثره إلى الشرق فيتحول الحكام إلى مسئولين أمام الجماهير، وينزلوا من رتبة القداسة فلا يسألون إلى البشر المسئولين. في القرآن وقفوهم إنهم مسؤولون.
وفي مقابل عبيد بشار الأسد كما في تعبير القرآن حين يدمج ثلاث فصائل من المخلوقات فيقول القردة والخنازير وعبد الطاغوت، والطاغوت هو إله السياسة مقابل الجبت الطاغوت الديني. نرى مقابل عبيد بشار خوارج العصر الحديث الذين يزعمون بناء خلافة تجعل نفس عمر ر يضحك في قبره من سخف التصور.
خوارج العصر الجديد يدبون على أربع مفاصل؛ من الطقوسية والحرفية وقتل القرآن والمشي للأمام بالخطوات إلى الخلف؟؟
حين يهتمون بالحرفية أكثر من المعاني، كما تفعل حشرة العت وهي تأكل السطور بمتعة.
إنهم يعطلون القرآن من حيث لا يشعرون، مع أن النص الأساسي الذي لم يدخل له ريبة وشبهة هو الفرقان وسبعا من المثاني. مقابل اعتماد الحديث الذي يفيد غلبة الظن من رواة آحاد فأوقعوا الأمة في إشكالات لانهاية لها من موضوع فرضية وجود المحرم وحرمة الموسيقى وقتل المرتد وطول اللحية ومسواك الحنك وقصر الثوب وعظم اللحية ورفع السلاح في خطبة الجمعة أو رديفه من عصا غليظة.
إنهم يدورون في دوامات الطقوس إلى درجة الدوار؛ فحركة الإبهام في التشهد، وزاوية وضع اليدين في القيام، والهبوط في السجود كالبعير أهم من معاني القرآن. وإزعاج المصلين بالضغط على من جاوره إلى حد الوقاحة زعما بتطبيق السنة ومخالفة لطف المصطفى ص.
إنهم يرون أن التقدم هو في التراجع، وأن مفارقة العصر إلى عصر قديم لم يعيشوه هو عين الحقيقة. هم ينفصلون عن حركة التاريخ ينفكون عن الواقع كما يحدث في المريض المسبوت في العناية المركزة بدون شعوره أين هو في إحداثيات الزمان والمكان.
وأخيرا وهو الأخطر شعورهم العميق أن الله يتحدث من خلالهم كما حصل يوما في فرنسا لجان دارك فقادت الجموع العمياء بالأسطورة. الفرق بينهم وبين جان دارك ألف سنة، ولكن الزمن متوقف عندهم منذ أيام كربلاء وآسك. (الإيديولوجيين من شيعة وسنة).
نموذج عبيد بشار الكيماوي وخوارج العصر الجديد هي من نفس العملة في وجهين متشابهين جدا ولكن بدون أن ينتبه الناس إلى تقارب هذين النموذجين فكلاهما يدعي الإلوهية على صورة من الصور.
إن ظاهرة التكفير هي في الواقع لوناً من إدعاء الإلوهية؛ فهي تعني أن طرفاً يحكم على طرف آخر منافس أنه حرم من رحمة الله.
وهي تأتي من خلال (وهم) مفاده أن طرفاً يملك الحقيقة النهائية المطلقة وأنه (الممثل الشرعي الوحيد) لله. وتقود إلى كارثتين: الأولى (الانغلاق على النفس) و (عدم التطور) لأنه طالما قنص طرف الحقيقة وتكلم نيابة عن الله فهو لا يحتاج إلى نصيحة أو تطور أو مراجعة لأنه سقف التطور وآخر الحقيقة وسدرة المنتهى.
والأمر الثاني هو بناء طريق أحادي. تماماً كما في طرق سريعة بدون عودة فيها. فطالما احتكر طرف الحقيقة فإن الطرف المقابل ليس أمامه إلا أن ينصت لهذا الوحي الذي يتدفق على ألسنة كائنات أرضية من بشر مختارين لا يخالطهم النقص أو يقترب منهم الخطأ. وأي مناقشة لهؤلاء (البشر) تعني التشكيك في (الحقيقة الإلهية). وهو يعني من باب خفي اختلاط الإلهي بالبشري أو معادلة الإلهي بالبشري. الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا.
وهذه الخطيئة القاتلة لا تنفرد بها أمة دون الأمم أو جماعة دون أخرى. ولكنها مرض إنساني يصيب الجماعات التي تتحنط عبر التاريخ وتموت على شكل طوائف لا تسمح بالتعدد أو اختلاف وجهات النظر كما حصل مع طائفة الاميش في بنسلفانيا في أمريكا أو الاسكيمو والبدو واليهود كما ذكر ذلك المؤرخ توينبي في معرض حديثه عن الجماعات المتحجرة التي تخسر الرهان في التحدي التاريخي.
إن ظاهرة التكفير وعدم التسامح مع الآخر وإغلاق باب الحوار والاضطهاد والإكراه والنفي من الأرض والقتل والتهجير الجماعي تكررت في القديم والحديث وعند كل الأمم. وأمريكا تم استعمارها على يد جماعات مضطهدة هاربة من أوربا. كما أن الفاشية والنازية أهدت أمريكا خير العقول. وهرب الهوجنوت من اضطهاد الكاثوليك في فرنسا إلى ألمانيا وهولندا ليبزغ عصر التنوير. وحيث تدفق البروتستانت ولدت الرأسمالية كما ذهب إلى ذلك عالم الاجتماع الألماني (ماكس فيبر).
إن الخوارج قديماً والصهاينة والكنيسة المتعصبة والأسبان الذين دمروا حضارات الإنكا والأزتيك والنازيين والفاشيين وجماعات التكفير المعاصرة والشيوعية والبوجروم ضد اليهود والحروب الصليبية التي دامت 171 سنة والشاب الألماني روبرت هويزر الذي قتل في 26 ابريل من عام 2002م 17 شخصاً في ضربة واحدة. وكل هذه الأمثلة تغرف من نفس النبع أي اعتبار الآخر مارقاً مجرماً كافراً يجب التقرب بدمه إلى الله.
ومن هنا فإن مشكلة التكفير تنبع خطورتها أنها ليست حركة انعزالية سلبية بل شيطانية عدوانية. والأنظمة العلمانية القومية تبقى أرحم من الاتجاهات المتدينة المتطرفة فيما لو صار الأمر إليها، لأن الأنظمة القومية تبقي على المخالف ما لم ينازعها كرسي الحكم فإذا نازعها نزعت روحه. أما المتدينون المتشددون فسوف ينزعون الروح وهم يفتشون عن صحة العقيدة كما فعلت محاكم التفتيش لمدة خمس قرون. ويبقى هامش الخطأ عند القوميين أرحم أما الخطأ مع المتشددين فهو الكفر ويجب أن يستتاب صاحبه وإلا قتل.
إن كارثة اختلاط الإلهي بالبشري يقود إلى اختلاطات لانهاية لها مثل انتشارات السرطان. وهذا يقود إلى سلسلة من النتائج المفزعة تبدأ من (سيطرة الوهم) ثم (قتل آلية النقد الذاتي) فـ (توقف حركة التصحيح) فـ (توقف حركة النمو) فالوصول إلى (الموت الظاهري) وتحصيل حاصل أن هذا يقود إلى برمجة كل أنواع الحروب الأهلية ومع الجيران والعالم. لذا كانت (حركة التكفير) اختناق داخلي وانتحار عقلي وهوس ديني ورعب اجتماعي وتصفية لكل مبادرات التفكير وفي جو التكفير يتم اغتيال التفكير. فلا تفكير في جو التكفير.
في كتاب (بجعات برية) للكاتبة (يونغ تشانغ) تروي عن أمها التي انضمت للحزب الشيوعي أن (ماوتسي دونغ) أطلق في عام 1957م شعار لتتفتح مائة زهرة. وكان يعني فتح الباب على مصراعيه من اجل النقد ولأي مستوى قيادي. وفي نفس الوقت أوعز لمن حوله شعار مضاد بعنوان “استخراج الثعابين من جحورها” وهكذا فكل من مارس النقد أصبح يمينياً متطرفاً عدو للثورة يجب التخلص منه وكانت حصة والدة الكاتبة أن تدل على مائة من اليمنيين المرتدين الكافرين بالثورة. وفي مركز الأبحاث في سيشوان كلف رئيس المركز العالم (هاو) أن يقوم بنفس الشيء بتقديم لوائح اليمنيين ذوي الأصول الرديئة. وعندما رفض هدد تحول إلى (كنَّاس) في نفس معهده زيادة في الإذلال. أما هي فقد تم التأكد من طهارتها الحزبية أن نامت معها جاسوسة في نفس سريرها فلعلها نطقت بأحلامها بكلمات ضد الثورة والقائد؟

Social Links: