من سيكسب المستقبل في سوريا
نيكولاس فان دام. أمستردام 9 تشرين 2 – 2017
(ولد 1945 م) هو باحث واكاديمي ومستشرق هولندي وسفير سابق للعراق ومصر وإندونسيا.
كتبه بالعربية هي:
«الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة»
كلنا يعرف الآن ان الوضع في سوريا قد تحول حالياً الى كارثة، وبإمكان المرء ان يتساءل فيما اذا كان بالإمكان توقع حصول تلك الكارثة او تجنبها.
انا مقتنع ان التطورات الرئيسية التي حصلت في سوريا كانت متوقعة اذا اخذنا بعين الاعتبار سلوك النظام السوري السيء، وبالنسبة للعديد من المراقبين تخطت الممارسات الوحشية كل تصوراتهم رغم انه قد تم توقعها من قبل البعض ممن يمتلكون معرفة جيدة بالنظام السوري.
ربما يوجد بعض العناصر الرئيسية التي قد لا يستطيع المراقب ملاحظتها بوضوح مسبقا ومن بينها ما أصبح يدعى “الربيع العربي” الذي نشر البهجة والنشوة لدى الكثير من السوريين بعد ان استقال او جرى اسقاط قادة سياسيين في تونس، ومصر وليبيا وذلك بمساندة دول غربية وعربية عازمة على دعم الشعوب العربية وحمايتها من الحكام الدكتاتوريين والاستبداديين. لقد اعتقدت الجماعات التي بادرت الى القيام بالاحتجاجات السلمية في سوريا حينها ان تلك الدول الغربية والعربية ستهب الى مساعدتهم، وتبين لاحقاً ان تلك المساعدة لم تكن عاجزة وقاصرة عن تغيير النظام بل ساهمت في إطالة الحرب وما جلبته من موت ودمار. ثم هناك عنصر إضافي آخر لم يكن متوقعاً عند بداية الثورة وهو ان المجموعات السورية العسكرية المعارضة كانت تتوقع الحصول على مساعدات عسكرية كافية من دول مثل الولايات المتحدة، وتركيا، والسعودية، وقطر وغيرها تلبي الحاجة لتغيير النظام. والحقيقة ان الحرب التي شنتها تلك الجماعات كانت بمثابة رد فعل على جرائم الوحشية التي ارتكبها النظام من دون ان يكون بحوزتها الوسائل والتخطيط اللازم لتحقيق الانتصار على النظام. وقبل البدء في الحرب كان على القوى الأجنبية التي تدخلت فيما بعد ان تقوم بدراسة الوضع العسكري لتضمن لحلفائهم من الجماعات الثورية السورية فرصة واقعية لتحقيق النصر.
بل لقد ساهمت التدخلات العسكرية الفاترة لبعض الدول في سوريا في خلق الكارثة. وأغلب الدول التي قامت بالتدخل (مثل السعودية، قطر، تركيا، الولايات المتحدة، إيران، روسيا، ودول أخرى) كان لها مصالحها الاستراتيجية ودوافعها الخاصة.، وهذه لم تكن بالضرورة تتناسب مع مصالح الشعب السوري ويظهر هذا الأمر بوضوح إذا نظرنا الى النتائج الكارثية. ولهذا من المشروع ان يتساءل المرء فيما إذا كان من يطلقون على أنفسهم جماعة “أصدقاء سوريا” هم حقاً “أصدقاء الشعب السوري”. فهؤلاء الذين ساندوا الجماعات المعارضة كانوا يصرحون بمطالبهم في الحل السلمي، غير ان هذا الحل كان في حقيقته ينطوي على تغيير النظام والذي لم يكن ليحصل بشكل سلمي بل بالقوة العسكرية. ولكن ذلك لم يحصل ايضاً لأن خيار التدخل العسكري الأجنبي جرى الغائه عام 2013.
لقد تدخلت روسيا وإيران عسكرياً لحماية النظام باعتباره حليف اقليمي استراتيجي. وبالنسبة للسعودية وقطر كان من المهم إزاحة النظام من الدوران في فلك النفوذ الايراني ولا تساورني شكوك في ان أولويات السعودية وقطر هي ان تفرضا بالقوة العسكرية نظاما سياسيا في سوريا تفتقده كلتا الدولتين: أي ديمقراطية تعددية علمانية.
اما الولايات المتحدة التي لم تكن يوما ما صديقة للأنظمة البعثية في سوريا فكانت تسعى الى نفس ما كانت تريده السعودية وقطر، خاصة بالنسبة الى إيران، ورحبت بإضعاف سوريا لصالح إسرائيل. كما ان تركيا كانت ترغب بنظام إسلامي شبيه بها في دمشق. ولكن لم تتمكن كل تلك القوى من احراز ما تريده وكذلك الأمر بالنسبة للمعارضة السورية.
العديد من السياسيين أرادوا وبإخلاص مساعدة الشعب السوري للخلاص من النظام القمعي، لكن المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى كانت أكثر أهمية من الاعتبارات الانسانية.
لقد كان واضحا منذ بداية عام 2011 ان نظام بشار الأسد لم يكن مستعدا للتخلي بشكل طوعي عن الإمساك بالسلطة وتقديم استقالته. التفكير ان الأسد سيقوم بالتنحي عن السلطة كما يطالب العديد من القادة في الغرب وغيرهم من القدة العرب بالإضافة الى المعارضة السورية قد يكون تفكيرا له مبرراته من وجهة نظرهم ولكن ذلك لم يكن ليحصل، فأي دكتاتور سوري قام بالتخلي عن مركزه طوعا ليتم ايداعه في السجن او إعدامه بعد ذلك؟ لا يوجد طبعا.
كل المقدمات كانت تدل على ان الحرب السورية قادمة لا محالة، لأن سوريا بقيت 40 عاما تحت سيطرة حافظ الأسد وابنه بشار الأسد وذلك بمساندة ودعم الفئة العسكرية القوية المرتبطة بجهاز أمني فعال (فعال بمعنى ممارسته للقمع الشديد). ونجم عن ذلك اطول مرحلة من الاستقرار السياسي في الداخل بعد الاستقلال، واستمرت تلك المرحلة بالارتباط مع غياب أي اصلاح سياسي ذو مغزى او تغيير في تركيب النخبة العسكرية المتنفذة وجعل هذا الاحتقان ينطوي على مستقبل يحمل في داخله انقطاعا عنيفا وحادا لبقاء النظام حالما تتعرض قيادته السياسية والعسكرية الحاكمة منذ مدة طويلة الى الخطر او السقوط. هكذا تعرض ما سمي “باستقرار النظام ” الى انقطاع مع انطلاقة الثورة السورية في آذار عام 2011.
لقد توقعت منذ أكثر من 20 عاماً (في كتابي “الصراع على السلطة في سوريا”)، ولم يكن التوصل الى ذلك الاستنتاج صعباً أي ان أي سيناريو يؤدي الى الاطاحة بالنخبة العلوية المتحكمة في السلطة سيتسم بعنف حاد وشديد، لأن النظام لم يكن يتساهل ابدا بوجود أي فسحة لمعارضة فعلية وحقيقية، والمعارضون الجديون كانوا في سجون النظام حيث يتم تعذيبهم او قتلهم. كان كل ما يجري يدور حول هدف وحيد وهو المحافظة على سلطة النظام ومصالحه بأشد الوسائل قمعاً.
في الوقت الذي كانت فيه الخلفيات الطائفية المشتركة للعائلات او القبائل او المناطق للحكام البعثيين هي مفتاح لاستمرار وقوة النظام، فان سيطرة تحكم الأفراد ممن ينتمون الى الطائفة العلوية كان يشكل نقطة ضعف النظام، وهو العامل الذي عرقل إمكانية تحول سوريا من الدكتاتورية الى نظام تمثيلي واسع.
وخلال استمراره في السلطة أصبح البعث في سوريا يقف على النقيض من مثله العليا، لقد أراد البعثيون التخلص من الولاءات البدائية كالطائفية والمناطقية والعشائرية والتي اعتبرت وبحسب أيديولوجية البعث ظواهر تفصح عن امراض المجتمع التقليدي، بينما في الواقع الفعلي انجز البعث الحاكم ما هو عكس ذلك تماما، لأن سلوك البعث الفعلي كانت تشوبه الطائفية في المجرى العملي مما رسخ وكرس نفس العوامل التي كان يدّعي انه يريد التخلص منها، وكذلك الأمر بالنسبة الى المثل العليا الاخرى في سماء البعث التي ترفرف فيها شعارات الاشتراكية والمساواة الاجتماعية والتي استعصى إنجازها على البعث بسبب ان واقع النظام كانت تنخر فيه ديدان الفساد والمحاباة والمحسوبية. اما عن مثلهم الأعلى في الوحدة العربية فقد كان من الصعب تحقيقه لأنه لا يوجد قائد عربي على استعداد لمشاركة الآخرين في لسلطة. واخيراً وليس آخرا: عوضا عن سلطة حزب البعث تحول النظام في سوريا الى سلالة حكم آل الأسد.
ورغم ذلك وبغض النظر عن خصائص النظام الأساسية والتي باتت معروفة، أراد العديد من القادة السياسيين الغربيين والعرب ان يقوم الرئيس بشار الأسد بالتنحي الطوعي عن السلطة وارفقوا مطالبهم طبعاٍ بما يكفي من توجيه اللوم والادانات وممارسة الضغوط الأخلاقية لارتكابه الجرائم الوحشية لقمع المعارضة بما فيها الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة والسلمية في كل انحاء البلاد. غير ان بشار الأسد استمر في الحكم ورفض ان يستقيل، كما هو متوقع طبعاً وفقاً لقاعدة ان الطغاة لا يتبعون قواعد المحاسبة التي تمليها الديمقراطية.
ومع هذا بقيت المعارضة السورية مثلها مثل الدول الأجنبية تصرّ على تنحي الرئيس الأسد وانه لم يعد بإمكانه ان يشارك بأي دور في المرحلة الانتقالية التي ستقود الى مجيء نظام جديد وفي مستقبل سوريا، بل لابد من محاكمته عسكريا، مثلاً، امام محكمة الجنايات الدولية في (لاهاي)، غير ان بشار الأسد بقي على رأس السلطة ولهذا بقيت هكذا مطالب وكأنها ضمانات على غياب اية مفاوضات جدّية مع النظام. ومن المؤكد ان النظام لم يكن على استعداد للتفاوض على رحيله والحكم على نفسه بالإعدام، ليس الآن ولا في المستقبل.
النظام من جهة والمعارضة من جهة أخرى لديهما وجهات نظر مختلفة حول ماذا يجب ان تعنيه المساومة والتفاوض والتي بدونها لا يمكن اجراء حوار جدّي ويستحيل قيام تفاوض ومساومة سياسية. وهذا لا يعني بالطبع ان البدء في التفاوض سيؤدي بالضرورة الى نتائج مثمرة، لا لشيء إلا لأن النظام يعتبر الحرب في سوريا تعكس فقط نضاله من اجل البقاء، او نضاله من اجل الموت او الحياة، فقط من خلال اسقاط النظام بالقوة العسكرية يمكن تفعيل عملية تغيير النظام، غير انه لا يوجد دولة ترغب في السير بهذا الاتجاه، ثم ان تغيير النظام بالقوة العسكرية لا يعني ابدا ان الأوضاع ستسير على طريق التحسن، وما علينا سوى الرجوع الى تجربة العراق، وليبيا، واليمن وأفغانستان.
بعد حوالي 7 سنوات من الصراع لا يوجد حوار حقيقي بين الأطراف، في الوقت الذي تزداد فيه اعداد القتلى ويستمر التدمير ويتراكم الملايين من اللاجئين والمهجرين وهذه كلها تعزز من سلوك الرفض لدى الأطراف. نعم، الأطراف المتنازعة تريد الحوار، ولكن فقط اذا وافق الطرف الآخر على يفعل اكثر او اقل حول المطالب المطروحة من الطرف الآخر، او من قبل مجلس الأمن والقرار رقم 2254 الذي يرفض النظام تنفيذ محتواه. ومن الجدير بالملاحظة ان النظام السوري لم يقم بأي خطوة جدّية حتى الآن للتسوية مع المعارضة الموجودة في الداخل السوري، حتى أعضاء المعارضة الذين ينشطون في الخارج ويريدون العودة الى ما يسمى “حضن الرئيس الأسد” تمّ رفضهم للدخول الى سوريا.
لقد طالبت المعارضة وقسم كبير من المجموعة الدولية، مرارا عديدة، انها تريد الوصول الى حلّ عادل ولهذا فهم يطالبون ان يتحمل النظام واعضائه مسؤولية الجرائم او جرائم الحرب التي تم ارتكابها، وانطلاقا من هذه المقدمة فهم يريدون ان يضمنوا مسبقاً ان المفاوضات ستؤدي محاكمة عسكرية للنظام. بعبارة أخرى يريدون مفاوضة النظام بشرط ان لا يكون هناك أي دور للأسد في مستقبل سوريا ومن الأفضل ان لا يكون له أي دور سياسي في المرحلة الانتقالية التي من المفترض ان تقود نحو ذلك المستقبل.
من الناحية الأخرى وبالنسبة للنظام فان “الانتقال السياسي” ليس سوى كلمة قذرة لكونه ينطوي على تغيير النظام من خلال عملية الانتقال السياسي التي تلزم النظام بأن يشارك السلطة السياسية مع خصومه وبالتالي المخاطرة بإسقاطه.
إذا كان لا بد من تحقيق العدالة فان الوصول اليها سيتم بعد الوصول الى حلّ سياسي وليس قبل ذلك. وبإمكان المرء ان يقول انه في حال افتراض ان بشار انتصر في الحرب فهذا لا يعني انه حقق انتصاراً سياسيا. لأنه في واقع الحال يكون الشعب السوري هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب المدمرة.
ان المهمة العظيمة هي في اعادة سوريا الى الحياة الطبيعية وستكون حينها نقطة ضعف النظام، وعندما تنكشف نقطة الضعف هذه على الملأ لا يمكن استبعاد ان تبرز وتنمو معارضة من داخل النظام.
يعتقد العديد من السياسيين في الغرب ان بإمكانهم اغراء النظام لتقديم تنازلات سياسية والقيام بإصلاحات مقابل تمويل اعادة الإعمار ومثل هذا التصور ليس واقعيا لأنه مبني على نفس الافتراضات الزائفة التي وجدت طوال الأعوام الستة الأخيرة والتي تعتبر ان الأسد سيقوم طوعاً بتقديم تنازلات سياسية مقابل تقديم الأموال في هذه الحالة. ان الانقطاع عن تمويل اعادة الإعمار سيصيب الأسد في أضعف نقاطه والمتمثلة بالاقتصاد رغم ان هذا الاجراء سيصيب الشعب السوري الواقع تحت سيطرة حكمه بالضرر في نفس الوقت وهذا ما لا ترغب به الدول الغربية، وطبعاً سيوجد دول، كالصين مثلا، ترغب في ان تزج بنفسها داخل عملية اعادة الإعمار في سوريا، ولكن الاشتراك في اعادة اعمار أجزاء سوريا وهي ما تزال تحت سيطرة النظام ومن دون ان يؤدي ذلك الى الاتصال مع الأسد سيكون أمرا مستحيلا.
يوجد اليوم ملايين عديدة من الجرحى والناقمين السوريين، بالإضافة الى الكثيرين ممن سبب لهم فقدان افراد من عائلاتهم آلاما لن تزول مع الزمن، كما تفاقم الفساد وتوسعت اشكال الاحتيال واشتدت طرق وأساليب القمع المحلية نتيجة للحرب، فالناس الذين كان من المتوقع ان يعلنوا ولائهم للنظام لم يستمروا على ولائهم بسبب أوضاعهم الشخصية والاقتصادية. من المستحيل ارجاع هؤلاء الذين اغتنوا من اقتصاد الحرب الى الطريق القويم ومن المستحيل اعادة شبح الصراع الاجتماعي الى داخل الزجاجة الا في حال محاسبة المسؤولين عن تلك الأوضاع، ومن الصعوبة ان تعود الحياة الى وقعها الطبيعي والعادي ما دامت الحياة الاقتصادية ونسيج الحياة الاجتماعية في حالة من الدمار.
من المتوقع ضمن الظروف الحالية ان يستمر النظام في حربه التي أعلنها حتى استعادة سيطرته على كل المناطق، وبغض النظر عن نجاحه او فشله ولان ذلك في الحقيقة سيتوقف على الأطراف الأجنبية الداعمة له، او قد يتوقف على رغبة الولايات المتحدة في المخاطرة العسكرية لمواجهة روسيا حول الوضع في سوريا.
النظام عاجز عن التحكم بمستقبل سوريا في المدى البعيد، وطالما لا يوجد حل سياسي فان تصفية الحسابات بين الأطراف المتحاربة ستستمر.
لا بد من متابعة الجهود لإيجاد حل سياسي ومن المفيد التذكير بالكلمات الختامية لكتابي الجديد “تدمير دولة” حين قلت: “لا تحدث المعجزات إلا حين نستمر في تصديقها”.

Social Links: