احمد نسيم برقاوي  – المصادفة والتاريخ

احمد نسيم برقاوي – المصادفة والتاريخ

تُعرّف المصادفة بأنها كل واقعة حدثت خارج السياق القانوني و الضروري للطبيعة والتاريخ و الإنسان. وعليه فإن المصادفة غير قابلة للتوقع ، بل قل هي واقعة حدثت و لا يمكن توقعها . و بالتالي هي حدث غير قابل للتكرار . فالأحداث التي تتكرر هي الخاضعة لمبدأ الضرورة . 

وإذا كانت المصادفات في الطبيعة محدودة ، فإن المصادفات الإجتماعية والتاريخية لا حصر لها . ورب مصادفة واحدة قد قادت إلى تغيير مجرى التاريخ والفرد . 

فظهور فرد ما في التاريخ حاكماً قد يغير مسار تاريخ البلاد و العباد سلباً أو إيجاباً ، و فكرة ما قد يطرحها فرد و تلقى قبولا وتصبح محركة للسلوك السياسي قادرة على تحويل الإرادات و فاعلياتها وهكذا . 

و لا يأخذ الفاعلون في السياسة عادة بعين الإعتبار إلا ما هو متوقع ، وفي الغالب هو محدود بالإحتمالات ، أو بالممكنات ، وهذا أمر طبيعي ، إذ لا قِبل لأحد أن يتوقع المصادفة ، وإلا لكفت عن أن تكون مصادفة .

غير إن المصادفة ليست حدثاً يتم بمعزل عن شروط تحققه ، فكتابة أطفال درعا على الحيطان ضد الجماعة الحاكمة هو محض مصادفة ، وكان اعتقالهم سلوك منسجم مع السلوك العام للجماعة الحاكمة المتخلفة سياسياً و أخلاقياً و عاطفياً .لكنها ما كان لها أن تقع لولا شروط القمع والقهر والكره للجماعة الحاكمة .لقد وصل المجتمع السوري بعامة ، باستثناء المنتمين إلى عصبيته الطائفية ، إلى مستوىً من الحقد و القرف و الإحتقار للجماعة الحاكمة حداً كان يحتاج إلى مصادفة كي تشعل النار في السهل كله. 

فكانت حادثة اعتقال الأطفال وتعذيبهم . 

أجل لقد أشعلت المصادفة هذه النار في السهل كله ، و فجرت الديناميت السوري الذي تراكم عبر عقود من الزمن . فليست القشة هي التي قصمت ظهرالبعير ، بل الحمل الثقيل الذي حملة ، و ما القشة إلا المصادفة التي جعلت البعير يبرك أرضاً . 

و المصادفات التي تغير من مسار التاريخ لا يمكن فهمها إلا في إطار التاريخ كله ، فمصادفة وجود ستالين المزعجة ، كما وصفها تروتسكي ، لا تفهم إلى في إطار بنية البلشفية ذاتها و ما استنته من طريقة حكم ، ولنشر فقط إلى أن هناك نمطاً من المصادفات قد لا تحدث تأثيراً ما في حركة التاريخ ولا تكون سبباً لأن تحدث انقلاباً رديكالياً في مسار التاريخ المحلي والعالمي كمقتل الرئيس الأمريكي كندي مثلاً . 

أما مصادفة كمصادفة حرق العزيزي لنفسه و التي أشعلت ثورة أهل تونس إنما حدثت في ظل احتقان المجتمع التونسي عبر تحمله مشكلات الحاكم الفاسد و القمعي ، ولهذا أذنت بالتحول الرديكالي في هذا البلد . 

لب قولنا هو : إن المصادفات الإجتماعية والسياسية لا حصر لها وهي إذ تحدث فإن ذلك يتطلب من الفاعلين ثلاثة مواقف ضرورية : 

فهم المصادفة بعد حدوثها و لماذا حدثت ، فكل ظاهرة أو حدث أو واقعة إنما حدثت لأسباب وشروط لم نلتفت إليها . فدراسة الظاهرة بعد حدوثها أمر في غاية الأهمية ، ثم دراسة النتائج المترتبة على حدوثها ، ثم معالجة آثارها القريبة والبعيدة .

فحادثة سير لباص يحمل طلاب مدرسة على طريق غير معبدة تعبيداً جيداً وانقلابه الذي أدى إلى مقتلهم ، هو مصادفة توافرت شروطها الذاتية والموضوعية ، لأنه ليس جميع الباصات التي تسير على هذه الطريق تنقلب بالضرورة .

هب إن هذه الواقعة قد ألهبت أهل الأطفال ثم انتشر التعاطف معهم و قامت الدنيا ولم تقعد فعم الإحتجاج البلد كله . و السؤال هو لماذا تحولت واقعة حادثة سير و مقتل راكبين من الأطفال ، حدثت مصادفة ، إلى فعل سياسي وحالة غضب عامة؟ إن المصادفة هي العلة المباشرة فقط فيما العلل قابعة في قلب الواقع . ودراسة النتائج التي تمخضت عن هذه المصادفة تحيلينا إلى نظرة كلية تتجاوز المصادفة ، وبالعكس إذا لم نر إلا المصادفة وحدها فإننا نقع في ورطة الأخطاء . 

وعندها لا يكون الحل في إصلاح الطريق ، وإن كان إصلاحه أمراً ضرورياً ، بل الحل أو الحلول في الإجابة عن السؤال الأرأس ألا وهو : لماذ فعلت المُصادفة هذه فعلها على هذا النحو . وهذا ما يتطلب البحث والتنقيب والتحليل والتفكير منهجياً ، إذا ما أريد لمصادفات مشابهة أن تفعل فعل ما سبقها من مصادفة . 

إن حادثة السير المصادفة نفسها لو حدثت على طريق سريع وكانت نتيجة خطأ من السائق و كانت الدولة ذات رعاية فإن آثارها لن تتجاوز الحزن على الضحايا. 

أجل لا يمكن عزل مسار التاريخ عن المصادفات التاريخية ، ولو إن التاريخ يجري بلا مصادفات لكان من السهل علينا أن نتوقع كل شيء . ولكن ليست المصادفة وحدها هي التي صنعت التاريخ ، بل المصادفة التي تمت في شروط تاريخية لم تصنعها المصادفة .

  • Social Links:

Leave a Reply