“صدمتي التي أنستني اعتقالي مدة 22 سنة ” – محمد احدب

“صدمتي التي أنستني اعتقالي مدة 22 سنة ” – محمد احدب

محمد احدب

“صدمتي التي أنستني اعتقالي مدة 22 سنة “.

في العام 2001 على ما اذكر تم إطلاق سراح دفعة من المعتقلين السياسيين في سوريا…وكان من بينهم قريب لي قربة بعيدة مقيم في قرية من قرى درعا خرج بعد 22 عاما قضاها في سجن تدمر..

بعد ثلاثة أيام من خروجه رافقت والدي رحمه الله لتهنئته بالسلامة. ..وبعد أن وصلنا إلى متزله وتبادل القبلات وكلمات التهاني والتبريكات بالخروج حيا من أسوء ما يتعرض له بشري على وجه البسيطة. ..

كان قريبنا يجلس مدهوشا في غياب عن الوعي الزماني ويتفرس كل شيء حوله ليكتشف ماهيته..

ﻻ أعرف كيف تذكر والدي رحمه الله اللذان كان يلعبان سوية صغارا…حينما كان يحضر إلى منزل جدي رحمه الله الذي لم التقيه أنا…

كانت علائم الألم والقهر بادية على وجهه والدموع تبرقان في عينيه…انبرى والدي يربت على كتفه ويسعفه بعبارات الصبر الذي كنا نلوكها مذ أن جئنا إلى الدنيا. .و مذ أن جاء حافظ إلى الحكم..

-طول بالك وصلي على النبي. .الحمد لله على السلامة يلي طلعت عايش وكل شي بيتصلح وأمر الله وهيك ربك رايد وهذه الكلمات…

قال الرجل: بتعرفوا ليش أنا بهذه الحالة و صافن ورح انجلط ومالي بوعيي

الكل أعتقد أن سني السجن وماقاساه من ألوان العذاب التي عجز عن اختراعها إبليس ذاته والتي ذاقها الرجل هي السبب

لكن الرجل قاطع نظرات حيرتنا وعجزنا أن نقول ما نعتقد. ..وقال: والله دخلت المعتقل من 22 سنة وكنت أبا جديدا لطفل..وﻻ أعلم ماحدث له ..22 عاماً تقلبت فيها بين صنوف العذاب والقهر أنستني حتى اسمي وحروف لغتي..لن احدثكم عما رأيته وسمعته وعشته وذقته من العذاب لكن حين أعلموني بنبأ الإفراج عني وتجهزت للخروج..أصابتني لحظات إنكار للذات ونسيت سنواتي ال22 بكل ثوانيها البشعة ولحظاتها المقيتة…المهم بعد أن اصطحبوني بسيارة قاموا بوضعي في مدينة درعا البلد..وانصرفوا..

سألت الناس أين انا وكيف الوصول إلى قريتي فدلوني وقام أحدهم بعد أن عرف من أنا وأين كنت بايقاف سيارة أجرة سيرفيس صغير وقام باعطاء السائق مبلغاً من المال لايصالي للقرية التي تبعد ثلاثة أرباع الساعة عن درعا البلد. ..

وفي الطريق إلى منزلي الذي لم أعد أعرف كيف السبيل للوصول إليه ..كان السائق ينظر إلي من المرآة ويتفرس وجهي بعيون صقر ..ويقول بين الفينة والأخرى أهلين حجي…ثم تجرأ وسألني لوين رايح حجي…قلت له: للقرية الفلانية. ..

سألني: .ومين الك بالقرية

قلت له: أهلي وقرابتي

قال لي: وكيف هيك أنا من القرية يلي أنت رايح عليها وما أعرفك كلنا مئة بيت ونعرف بعض…لعند مين رايح بالضبط

قلت له: رايح عند بيت فلان ، أقصد نفسي

فجأة توقف السائق في وسط الطريق والتفت إلي وقال: شو إلك ببيت فلان ومن وين تعرفهم هلئ بدك تخبرني

قلت له: أنت يا أخي وصلني لعندهم وماعليك بالباقي

قفز السائق الى حيث أجلس وأمسك بياقة قميصي حتى كاد أن يخنقني وقال لي: اسمع ولك هذا بيتنا يلي أنت رايح عليه وأنا صاحب البيت وشلون تجي لعندي وانا ما اعرفك

هنا والله لم ادري مافعلت لكن قلت له: أنت أحمد

قال لي: اي أنا أحمد بدي أعرف شو بدك ومين أنت

فما كان مني اﻻ أن قبلت يديه التي ﻻزالتا على الياقة وقبلت وجهه ورأسه وأنا أقول أنا أبوك أنا أبوك واخبره أجزاء من ذاكرتي عنه وعن والدته

واسقط في يده واحتضنته واحتضني في عاصفة من الدموع والموقف ﻻتصفه كل الكلمات .

حتى وصلنا إلى المنزل. ..ومن يومها وأنا اعيش صدمتي هذه التي أنستني سنواتي ال 22 التي قضيتها في سجون حافظ الأسد. ..

منقول من : محمد عمر

طبعاً لايزال بعض أشباه البشر من السوريين من يقول : كنا عايشين ..!

  • Social Links:

Leave a Reply