(طريقة جديدة لأحد القتلى في قياس مدى أهمية الروايات) – مصطفى تاج الدين موسى

(طريقة جديدة لأحد القتلى في قياس مدى أهمية الروايات) – مصطفى تاج الدين موسى

مصطفى تاج الدين موسى

(طريقة جديدة لأحد القتلى في قياس مدى أهمية الروايات)

كنتُ أحياناً أمرُّ بحانوته لأحصل على السجائر وبعض الأشياء التي أحتاجها في وحدتي الدائمة، ابتسامته اللطيفة وصوته الودود جعل صداقتنا العابرة هذه تتعمق مع الأيام، أحياناً تكون الشاي جاهزة فيناولني كوباً.

حتى عندما أكون بعيداً عن بيتنا، أنتظر حتى أرجع لأمرّ به من أجل السجائر وابتسامته تلك، وكوب الشاي.

انتبه لي ــ في زياراتي السريعة لحانوته ــ متأبطاً كتباً، ذات مساء كنتُ أشرب الشاي عنده، تساءل فأخبرته أنها روايات، طلب واحدة وهو يتذكر بأسى أنه عندما كان صغيراً كان يقرأ كثيراً، تأملتُ الكتب وأعطيته رواية قصيرة.

بعد يومين مررتُ به فأرجعها لي وكان سعيداً، حدثني ببلاهة عن حكايتها الجميلة، ثمّ طلب راوية أخرى.

وقفتُ طويلاً أمام رفوف مكتبتي، انتقيتُ له مجموعة روايات صغيرة الحجم، من تلك التي أعتقد أنها سوف تعجبه.

انقضتْ أسابيع وأشهر، وهو يقرأ فيها، بعد أن يغلق حانوته كل ليلة.

لم أفهم إلا متأخراً أنه كان يفعل هذا، كان جانب المدفأة كل ليلة، يقرأ بصمت في الروايات، بينما زوجته وطفلاه الصغيران منشغلون بالتلفاز أو الطعام أو الألعاب. كان كلما قرأ مقطعاً أو سطراً مدهشاً، أو تعثر بموقفٍ ما أثناء القراءة وتأثر به، يرمي الرواية ويسرع إلى زوجته بعينين دامعتين، ليحضنها ويتنفس قليلاً، كأنه طفل عثر على أمه بعد فراق طويل.

في البداية، كانت زوجته تستغرب هذا الهجوم العاطفي المفاجئ، سرعان ما فهمتْ الأمر، أعتقد بعد روايتين.. راقتْ لها هذه الحالة، وصارتْ مع كل رواية جديدة تنتظر مُعانقات حميمية أخرى، أحياناً كثيرة وأحياناً قليلة، دون أن تعرف ما هي الصفحة أو السطر أو الكلمة أو الموقف الذي فجّر داخل صدر زوجها، رغبة عارمة واشتياقاً لعناقها بحنان.

في صباح ما، تأملتْ زوجته رواية كانت مرمية على الأريكة، قلبتها بين أصابعها، لم تعرف حكايتها لكنها أحبتها، لقد عانقها زوجها كثيراً خلال صفحاتها الليلة الماضية، خلاف بعض الروايات الأخرى، لهذا، عانقتْ هي أيضاً هذه الرواية ممتنّة لها دون أن تعرف عنوانها.

ثمّة رواية عانقها خلالها مرات، في رواية أخرى عانقها مرة واحدة فقط، أنا شخصياً أعتقد أنها طريقة نبيلة في قياس مدى أهمية أي رواية، وهي: كم مرة أجبرتْ قارئها العادي على أن يعانق زوجته في ليلة شتوية.

بعد أشهر أعتقل من حانوته، آنذاك تم اعتقال العشرات، كانت الأصوات قد بدأتْ تعلو هنا وهناك بين الناس ضد النظام. 

بعض أولئك الشبان رجعوا من السجن، بعضهم لم يرجع، منهم من قتل تحت التعذيب، ومنهم لا نعرف عن مصيره أيّ شيء.

حملوا جثة الحانوتي الطيب إلى زوجته وأهله، أخبروهم أنه مات بسبب مشكلة في القلب، وكأن كلّ تلك التشوهات على جسده لا تقتل الإنسان، تدغدغه فقط.

صرتُ كلما مررتُ بحانوته المغلق، أتوقف قليلاً، أشعل سيجارة وأتذكر ابتسامته اللطيفة، أزفر بحنق، تداعب أنفي الرائحة الدافئة للشاي الذي كان يعده بحرفية عالية، ثمّ أعانق الهواء في الشارع.

بعد أن قالتْ لي على الهاتف (ألو) عرفتُ أنها زوجته، أعرف صوتها جيداً، كنتُ مستغرباً، ماذا تريد مني؟ أردفتْ بعد السلام بكلمات متحشرجة:

ــ إذا سمحت جارنا، هل أستطيع أن أحصل على تلك الروايات التي كان زوجي يستعيرها من عندك؟ وكلما انتهيتُ من واحدة أرجعها لك..

ـــ بالتأكيد، تكرم عينك.. لكن لا أتذكر أنكِ سابقاً كنتِ تقرئينها؟

ـــ صحيح.. أريد الآن قراءتها، أريد أن أكتشف، أين تحديداً، في أيّ صفحة، وفي أيّ سطر، وبعد أيّ كلمة، كان زوجي يعانقني؟..

  • Social Links:

Leave a Reply