سوتشي ….انقلب السحر على الساحر
الجدل الساخر من جهة والجاد من جهة اخرى تلك الايام بين السوريين ، على اختلاف تشكيلاتهم الموالية والمعارضة حول مجريات مؤتمر سوتشي ونتائجه وغرابته، لا يخفي الحقيقة جوهرية وهي ان روسيا هزمت سياسيا زادت حدة بعد الضربة العسكرية الحرجة التي تلقتها في السادس من الشهر الماضي حيث قامت جهة “مجهولة” بتنفيذ غارتين جويتين بطائرات “درون” على قاعدتيها الجوية ، في حميميم والبحرية في طرطوس، طعنت الهيبة الروسية في الصميم، وضعضعت المكانة الروسية في سوريا، بل وفي العالم كله.
الجدل السوري اتسم بالطرافة، والشماتة، وبدا شبيه باللهو السياسي، الذي يبني على الحضور والغياب وعلى المكان والزمان ، وعلى وعلى الإهتمام والازدراء، أسباباً للفرقة والنزاع ، والتنافس في التعبير والراي عن موقف مرتجع من روسيا ودورها السوري المزعوم الذي يقف اليوم عند مفترق حاسم..يمكن تلمسه بوضوح صارخ في مؤتمر سوتشي، الذي كادت موسكو نفسها أن تتخلى عن فكرة إنعقاده وذلك عقب الهجوم على قاعدتيها العسكريتين الجوية في سوريا.
الجدل الدائر لن يسفر عن أي فرز جديد للقوى السورية، كذلك لم يؤد الى إنتظام التحالفات والخصومات، وبدا ان أحداً من طرفي الصراع السوري لم يلاحظ حراجة الموقف الروسي. فالنظام أغرق المؤتمر بالحضور الاستعراضي الكثيف، كان يحاول التوكيد على حيازته غالبية سورية.
والمعارضة التي قاطعت، كانت تسعى الى التعويض عن خساراتها العسكرية بالإحتفاظ بشرعيتها السياسية. ف نصف الحضور الذي إلتزمته تركيا وحلفاؤها فقد كان بمثابة وقوف في منتصف الطريق بين موسكو وعفرين.
المفرزات الأهم لمؤتمر سوتشي هي ان روسيا نفسها فقدت حماستها لذلك المحفل السوري الغريب، قبل ان يحن موعد إنعقاده، بعدما أدركت ان مشروعها السوري الذي خططت له بات يصطدم بجدار مسدود، الذي يمكن هدمه بالمزيد من الغارات الجوية والصواريخ العابرة للقارات، وبالتالي لا يمكن القفز من فوقه للاعلان عن إنتصار عسكري -سياسي روسي ما زال بعيداً، ولعله أصبح في أعقاب الغارة على القاعدتين الروسيتين في سوريا مستحيلا
والطريف بالذكر أنه بينما كانت المجموعة الاتية من المعولة على النظام لتغزو المؤتمر وتؤجج قاعته تهتف لبوتن و لروسيا في الوقت الذي كان فيه الجانب الروسي يعترف بتواضع طموحاته، وتراجع نفوذه ، مقرا بأن المؤتمر لم يعد إنقلاباً على مسار جنيف الدولي، ولن يكون بديلاً عنه .. مؤكدا بأن اللجنة الدستورية التي شكلت هي مجرد ترجمة لقرارات جنيف ، وسيتولى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا نفسه تشكيلها وتنظيم عملها و مهامها.
بهذا المعنى ، كان المؤتمر أول إعتراف صريح لروسيا بالفشل في إدارة الصراع السياسي السوري. ومثلما لم يكن بإمكان موسكو مواصلة التباهي بالانتصارات العسكرية الاخيرة على الارض السورية وذلك في أعقاب الإغارة على القاعدتين الروسيتين، اللتين مثلتا العنوان الاهم للحضور الروسي في شرقي المتوسط.. لم يكن بمقدور موسكو ان تتقدم بمشروعها الخاص للحل السياسي السوري، الذي كانت ترغب به قبل أسابيع قليلة في أن تقوم على إجبار المعارضة على رفع راية الاستسلام لنظام الاسد.
فالمؤتمر ليس نهاية الدور الروسي في سوريا. فالغارة على القاعدتين كانت بمثابة إنذار لموسكو بان ذلك التفويض الدولي الذي مُنح لها للتدخل من أجل المساهمة في المعركة في التخلص من “الإرهاب الاسلامي”في سوريا، قد إنتهى، دورها و شارف على النهاية
وثمة حاجة الى كبح جماح بوتين وجنونه المبني على أن حملته العسكرية والسياسية السورية ستفرض على خصوم روسيا الإعتراف مجددا بروسيا كدولة عظمى ذات مصالح تحظى بالاحترام في كل أنحاء العالم.
ففي سوتشي ازيلت الستائر و بدا أن روسيا أصبحت مكشوفة، بدون شركاء أو حلفاء. فالغرب قد قاطع المؤتمر، وتغيب العرب، وتردد إيران في مباركة هذا الاستعراض السياسي الروسي، اما تركيا فقد جاملته بحضور متواضع مشروط. ولعل “حضور” إسرائيل الذي تمثل بزيارة رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو الى الكرملين بالتزامن مع إنعقاد المؤتمر ، هو الدليل على أن روسيا لم تخسر بشكل نهائي بعد تفويضها السوري

Social Links: