إدلب مدخلا لنهاية حرب تقليدية وبداية صراع دولي جديد
نصرة الاعرج
بتغير مسار ما يحدث في سوريا من ثورة إلى أزمة، و اختزاله بحرب “الإرهاب”، ذلك المصطلح الذي يشكل ذريعة قانونية للتدخلات الدولية والإقليمية اصبحت سوريا مرتع للتنافس والصراع، وسقطت الأولويات فتبدلت من إقصاء الأسد إلى القضاء على تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة.
لكن هزيمة تنظيم الدولة وبعد اظهر حقيقة الصراعات الدولية، ثقلها في إدلب، لابد من اعادة النظر في تعريف الإرهاب. فالهجوم على إدلب كان يستند إلى كونها تخضع لجبهة النصرة، والتي باعتبارها تنتمي لتنظيم القاعدة، رغم فك ارتباطاتها وتغيير المسمى لها من “جبهة فتح الشام” إلى “هيئة تحرير الشام”.
بحلول كانون الثاني/ 2017، اصبحت روسيا اللاعب الرئيس في المنطقة ، بمسار “أستانا”. تلك لحظة هاوية للمسار التاريخي لسوريا ؛ فمن أطلقوا على انفسهم “مجموعة أصدقاء سوريا” تخلوا عن المعارضة السورية، ، لتصبح المنافسة بين روسيا وتركيا وإيران.
واجتماعات أستانا لتكون برعاية روسية تركية إيرانية، في 23 كانون الثاني/ 2017، مسألة وقف إطلاق النار، حيث شهدت الجولة الرابعة من مفاوضات أستانا في أيار/ 2017؛ الاتفاق على مناطق اربعة لخفض التصعيد والتأكيد على وقف إطلاق النار، واتخاذ التدابير اللازمة من طرف المشاركين لمواصلة القتال ضد جبهة فتح الشام و تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الأفراد والمجموعات التابعة لهما في داخل مناطق خفض التصعيد.
اجتماعات “أستانا” برهنت على أن ثمة استراتيجية روسية واضحة تقوم على الحفاظ على نظام الأسد.
وإذا كانت المعارضة المسلحة ترددت في البداية في حرب جبهة النصرة فقد أصبحت لاحقا ركنا أساسيا بقبول الزج في حرب النصرة وما نتج عنها ، كجبهة فتح الشام ثم هيئة تحرير الشام، ليصبح العنوان الرئيس لاجتماع “أستانا 6″، المنعقد في 14 أيلول/ 2017، سيناريوهات معركة إدلب وطرد هيئة تحرير الشام.
العام الماضي توج بهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية بالنسبة لروسيا، لكن العام الحالي ستخصصه للتخلص من تنظيم القاعدة.
حينها أعلنت وزارة الدفاع الروسية في 7 كانون الأول 2017 أن الجيش الروسي “أنجز” المهمة في سوريا، وأن هذا البلد “تحرر بالكامل” من تنظيم الدولة الإسلامية. وقد احتفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتحقيق النصر وهزيمة تنظيم الدولة، وأعلن من قاعدة حميميم، انسحاب بلاده من سوريا. وقد هدد بوتين من سمّاهم “الإرهابيين” قائلاً: “إذا رفع الإرهابيّون رأسهم من جديد، فسنوجه إليهم ضربات لم يروها من قبل”، مضيفاً: “لن ننسى أبداً الضحايا والخسائر التي تكبّدناها أثناء محاربة الإرهاب ،
انسحاب روسيا انسحاب دعائي هدف إلى نزع ذريعة وجود أي قوات أجنبية في سوريا، والتي دخلت بذريعة حرب الإرهاب.
سيناريوهات الإعلان عن الانسحاب الروسية باتت مكررة فعندما أعلنت عن انسحابها في المرة الأولى نهاية 2016، اطلقت حملة عسكرية جوية على مدينة حلب، وفي تلك المرة – اطلقت حملة أعنف على إدلب.
فإذا كانت الحملة الأولى أفضت إلى تفاهمات تركية روسية كان نتيجتها سيطرة النظام على حلب مقابل إطلاق يد تركيا في “الباب”،
فالحملة الحالية على إدلب ماتزال قائمة عن صفقة بمبادلة إدلب بعفرين، الأمر الذي يكشف عن جوهر الاستراتيجية الروسية بالتفرد في سوريا.
ردة فعل تركيا كانت مفهومة حيث استدعت وزارة الخارجية التركية سفيري روسيا وإيران للاحتجاج على انتهاكات لاتفاق خفض التصعيد في إدلب وحماة. واعتبر وزير الخارجية التركي أن “استهداف النظام للمعارضة يقوض عملية السلام السياسية . وقال في تصريحات صحفية بمقر البرلمان التركي؛ إن “قوات النظام تستهدف المعارضين المعتدلين تحت ذريعة مواجهة جبهة النصرة
وهذا أمر يقوض عملية الحل السياسي الجارية”.
كما أكد على ضرورة تجنب الأطراف التي ستجتمع في مدينة سوتشي الروسية ارتكاب مثل هذه الأفعال،
ضمن هذا السياق، حاولت الفصائل المسلحة، إيقاف هجوم النظام في محيط مطار أبو الضهور، عبر هجوم منسّق استهدف خطوط التماس غرب بلدة أبو دالي في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، وشنت هجوما معاكسا يستهدف خط إمداد القوات المتقدمة نحو المطار، في ريف إدلب الجنوبي الشرقي.
في ذلك الوقت بالتحديد رفعت الولايات المتحدة وتركيا من مستوى خطابها حول مصير الأسد ومستقبل الحل في سوريا
لا تزال معركة إدلب بانتظار صفقة ما، لكنها كشفت ووضعت الاختلافات الاستراتيجية الدولية والإقليمية تحت المجهر
فقد خفضت الولايات المتحدة الأمريكية مستوى تمثيلها في مفاوضات أستانا ، ومؤكدة أن الأمم المتحدة هي من تستطيع إضفاء الشرعية على المفاوضات، وأن واشنطن لن تدعم إعادة إعمار سوريا إذا بقي الأسد
وقال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد إن واشنطن فعلت ذلك خشية أن “يتجاوز الاعتراف بأستانا الأهداف التي وضعت من أجلها، والتي دعمناها”. واكد ساترفيلد أن الأمم المتحدة خفضت من مستوى مشاركتها في المفاوضات للأسباب ذاتها، معتبراً أن الأمين العام للأمم المتحدة هو من يملك القدرة على إضفاء الشرعية أو دعم أي مسار قد يقال إنه يدعم مسار جنيف بموجب قرار 2254.
وأشار ساترفيلد ايضا أن الامين العام للأمم المتحدة متحفظ بشأن الضمانات الروسية المتعلقة بمؤتمر سوتشي، وهم “يقامرون في هذا الأمر”.
لكن المسؤول الأمريكي أشار إلى أن إدلب تشكِّل منطقة مضطربة بسبب “سيطرة فرع القاعدة عليها بشكل واسع .
من الرسائل الأكثر تصعيدا في الصراع الإقليمي والدولي الدائر في سوريا؛ تشير إلى أن التفرد الروسي ليس مضمونا. فنهاية “حرب الإرهاب” تشكل بداية لحروب الوكالة الدولية،
سلسلة من الهجمات الغامضة التي استهدفت القاعدة العسكرية الروسية بسوريا، ومن ضمنها هجوم الطائرات المسيَّرة من دون طيار ، ضعف روسيا الذي بدا واضحا بالرغم من ادعاءاتها بلانتصار في الحرب السورية. فقد اعترفت وزارة الدفاع الروسية، في بيان صحفي أنه “تم في ليل الخامس من كانون ثاني/ مهاجمة قاعدة حميميم الجوية، ونقطة إمداد الأسطول في طرطوس، باستخدام 13 طائرة بدون طيار على الأقل”. وجاءت هذه الهجمات بعد أقل من أسبوع من مقتل جنديين روسيين في هجوم بقذائف الهاون، استهدف القاعدة نفسها، وتسبب في خسائر بالمعدات العسكرية الروسية بقاعدة حميميم.
ومما لاجدال فيه أن الهجمات على القواعد الروسية تحمل بصمات الصراع الدولي والإقليمي، فقد اتهمت وزارة الدفاع الروسية الولايات المتحدة بالوقوف وراء ذلك الهجوم مشيرة إلى أن “طائرة استطلاع أمريكية، من نوع بوسيدون، كانت تحلّق في سماء المنطقة مدة أربع ساعات خلال الهجوم. مؤكدة أن القدرات الهجومية لتلك الطائرات لا تتوافر لدى أي جماعة مسلحة في سوريا”.
إلا أن المتحدث باسم “البنتاغون”، كذّب هذا الكلام تماماً، مضيفاً أن تنظيم داعش سبق له أن استخدم مثل هذا النوع من الطائرات ضد القوات الأمريكية بالعراق وفي شرق سوريا،
الهجمات على القواعد الروسية اظهرت حجم التنافس والصراع وعمق التناقضات الدولية والاقليمية
حيث ظهرت عدة نظريات حول الجهة المنفذة للهجوم
فمن بين تلك النظريات حسب واشنطن بوست ان العلويين الساخطين على الاقلية الحاكمة هم من يقفون وراء ذلك الهجوم
حيث أعقب الهجوم إعلان حركة على الإنترنت، اطلقت على نفسها “الحركة العلوية الحرة”
. وثمة نظرية أخرى، تحدثت عنها وسائل إعلام المعارضة السورية، إلى أن “مليشيا مسلحة تابعة لإيران وتعمل لصالح النظام السوري، هي من يقف وراء تلك الهجمات، تحليلات اخرى ذهبت إلى وقوف جماعات مدعومة من تركيا خلف الهجمات. هذا ما أفادت به صحيفة “النجم الأحمر”، الناطقة باسم وزارة الدفاع الروسية، بأن الطائرات المسيرة التي هاجمت قاعدة حميميم؛ انطلقت من جنوب غرب منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب، على حد زعمها.
وذلك في حال أصرت روسيا على المضي بمعركة إدلب والتفرد بالحل في سوريا،
فإن الهجمات على قواعدها شكلت رسالة واضحة قاسية بنفس الوقت بأن الثمن سيكون باهظا
فمعركة إدلب نقطة تحول أخيرة في مسار الثورة
/ الأزمة/ في سوريا، إذ تسعى كافة أطراف الصراع الدولي والإقليمي إلى حرمان أي طرف من فرض استراتيجيته في المنطقة
وفي حال تعنتت روسيا على المضي بمعركة إدلب حتى النهاية والتفرد ، فإن الهجمات على قواعدها شكلت رسالة قاسية وواضحة وأن الثمن سيكون باهظا، ذلك أن الإعلان عن هزيمة “الإرهاب” سيشكل مدخلا لنهاية حرب تقليدية وبداية حرب دولية جديدة.

Social Links: