سيناء.. سيناريوهات على نتوءات الارهاب
رامي شفيق
بعد وفاة جمال عبد الناصر في ٢٨ سبتمبر، مضى الرئيس السادات في خطوات عديدة نحو تثبيت أركان حكمه، مرتكزًا على تنظيم الإخوان المسلمين، وتصفية الميراث الناصري واعتقال عدد من ممثليه في أجنحة السلطة، فيما عرف بـ”ثورة التصحيح”، وامتدت القطيعة النهائية مع طرد الخبراء السوفيت في ١٩٧2.
وبمجرد اتمام حرب أكتوبر1973، ووضع اللبنات الأولى لانهاء الصراع العربي الإسرائيلي، عبر المفاوضات، وكشف السادات عن حليفه الرئيسي في حكم مصر، ممثلاً في الإخوان، باركت الرياض بعث وإحياء التيار الإسلامي، في القاهرة خلال عقد السبعينيات، ودعمت واشنطن ذلك التوجه، فيما اعتبرته مثاليًا وضروريًا لمواجهة الرؤى الاشتراكية والاتجاهات اليسارية، في أوساط طلبة الجامعات مما يقوض تحالف القاهرة مع الاتحاد السوفيتي.
مثّل عقد السبعينيات لحظة فاصلة في النشاط المتنامي لجماعات الاسلام السياسي، داخليًا وإقليميًا ودوليًا، ومن خلال المؤسسات الدينية الإسلامية في القاهرة، انتقل فكر تلك الجماعات للعديد من الدول التي استطاعت فيما بعد ان تشهد تنظيمات مماثلة وكانت أفغانستان إحدى هذه الدول .
في ديسمبر ١٩٧٩ قام الاتحاد السوفيتي بالتدخل في أفغانستان عسكريًا، بجانب الحكومة الأفغانية ضد المقاتلين هناك في محاولة للإطاحة بالحكومة المدعومة سوفيتيًا، بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترصد الأحداث بإهتمام بالغ، حيث سعت لدى حلفاءها في العالم الاسلامي -القاهرة -الرياض-باكستان، لدعم المقاتلين الافغان ضد الجيش السوفياتي، في مطلع يناير ١٩٨٠، وذلك إبان زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي للقاهرة، لينقل رسالة الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر، إلى السادات، وفيها دعا مصر (الاسلامية) أن تقوم بدورها في “الجهاد الاسلامي”، ضد “الإلحاد السوفياتي”، الذي غزا بجيوشه بلدًا إسلاميًا -أفغانستان- واستطرد بريجنسكي قائلاً: “إن مصر بلد الأزهر ومستقر الإخوان المسلمين التي تحظى بجماعات مماثلة في عدد من الدول العربية والاسلامية عليها أن تضطلع بدورها في هذا الأمر ولن تتكلف في سبيل ذلك دولارًا، إذ أن واشنطن سوف تنشئ صندوقًا خاصًا للجهاد، في أفغانستان وتموله دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، ومن خلال ذلك تحركت واشنطن وحلفاءها في دعم المقاتلين الأفغان ماليًا وعسكريًا وعقائديًا”.
تلك الحرب التي امتدت لنحو العشر سنوات، أسست تنظيمات إرهابية مسلحة- تنظيم القاعدة- و بزغ نجم قائدها أسامه بن لادن، ومن خلال ذلك التنظيم تفرعت وتشعبت تنظيمات عديدة وتبنت عمليات إرهابية في مختلف دول العالم.
كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠١١، على واشنطن و نيويورك، والتي ذهبت التقارير الأمريكية بأن وراءها تنظيم القاعدة، مدخلاً رئيسيا لاتخاذ واشنطن قرار غزو العراق في مارس ٢٠٠٣، بزعم امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، مما أدى لاسقاط نظام صدام حسين، وانزلاق البلاد في احتراب داخلي وتحولها لساحة نفوذ إقليمي و دولي ومحط ولادة واستقرار تنظيمات إرهابية؛ هكذا بدا العراق لحظة انسحاب واشنطن من بغداد في نهاية ٢٠١١.
في عام ١٩٧٩ قامت الثورة الاسلامية في إيران، ثم مالبثت أن نشبت الحرب العراقية الإيرانية، لتعكس الصراع الجيوسياسي بين البلدين، الذي أحسنت طهران استغلاله عقب انسحاب واشنطن والفراغ الذي تركته بالعراق، مما سمح لإيران بأن تمد نفوذها من طهران إلى لبنان عبر بغداد و دمشق.
عبر شعارات الحرية والديموقراطية والعدالة الإجتماعية، تطلعت الشعوب العربية مع مطلع عام ٢٠١١، من خلال التظاهر ضد نظم الحكم المستبدة والقمع الذي مارستة تلك النظم، عبر سنوات عديدة، ما لبثت أن انهارت على صخرة التنظيمات الارهابية التي تمددت في بغداد وطرابلس وصنعاء ودمشق، وأضحت جزءًا من معادلة الصراع في الشرق الاوسط، عبر التحالف التكتيكي مع قوى اقليمية ودولية.
رئيس وزراء قطر السابق ووزير خارجيتها حتى ٢٠١٣، حمد بن جاسم، تحدث عن الدور الخليجي في سوريا قائلاً: “عندما بدأنا التورط في سوريا ٢٠١٢ كان لدينا الضوء الاخضر بأن قطر من شأنها أن تقود ذلك لأن السعودية لم تكن في ذلك الوقت تريد القيادة وأوضح أن الدعم العسكري الذي قدمته بلاده للجماعات المسلحة في سوريا يذهب إلى تركيا بالتنسيق مع واشنطن و كل شئ يرسل يتم توزيعه عن طريق القوات الأمريكية والأتراك والسعوديين”.
ربما، النقطة الأهم والأبرز في حديث بن جاسم حين قال، بأن ثمة تغير قد حدث في السياسة، والسعودية لم تبلغنا أنها تريدنا في المقعد الخلفي وانتهى الأمر إلى التنافس.
ظل الملف السوري شاهدًا على تحالفات عديدة وكاشفًا كذلك، على انهيار تلك التحالفات فيما بعد، نظرًا للتمغيرات العنيفة التي قابلتها الأوضاع في الملف السوري إقليميًا ودوليًا .
تركيا التي ناصبت النظام الحاكم في سوريا العداء، وتحالفت مع الدوحة والرياض ضد دمشق تبدل مضمون خطابها بأنها لم تعد ترى خطرًا من النظام السوري، مع الوضع في الإعتبار أن الملف السوري كان ممرًا دافئًا للعلاقات بين انقرة و موسكو.
تحت ضغط ملفات إقليمية عديدة مرة في تازم العمليات العسكرية في اليمن، وسعي الرياض نحو تطبيع العلاقات مع بغداد وتقوية تحالفاتها بالداخل العراقي، بغية مواجهة النفوذ الايراني، بالإضافة إلى التدخل الحاسم والناجز من جانب موسكو، تجاه استقرار الأوضاع بدمشق واستمرار نظام الأسد، أدى ذلك إلى تغير موقف الرياض تجاه الملف السوري، الأمر الذي يكشفه تصريح المبعوث الروسي الخاص، للرئيس الروسي، في سوريا الكسندر لافرنتييف، بأن ثمة تغير في موقف السعودية تجاه حكومة بشار في سوريا.
إن صياغة معادلات المصالح في مشهد إقليمي تتزايد وتيرة توتره وتعقيداته، إلى هذا النحو أمر ليس بالسهل ولا باليسير، وتحتاج الى قدر كبير من البراغماتية السياسية، والتموضع التكتيكي الذي يخضع لحسابات مصالح الأنظمة في كل دولة.
كان الربيع العربي في نسخته المصرية، حدثًا هامًا استحوذ على إهتمام العالم نظرًا لمحورية الجغرافيا السياسية لمصر، ودور القاهرة الرئيسي في خطط واستراتيجيات المشهد الإقليمي والدولي، الذي عرف طريقة الاضطراب واستخدام السيناريوهات البديلة، مع سقوط نظام الاخوان في ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وتولي عبد الفتاح السيسي الحكم بالقاهرة.
دعمت الرياض-ابو ظبي- النظام المصري على خلفية الرغبة المشتركة في تجاوز حكم الاخوان المسلمين، إبان حكم الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، وتوترت العلاقات بين الرياض والقاهرة عبر ملفات الصراع الإقليمي ورغبة الرياض في تجاوز دور القاهرة التاريخي في المنطقة العربية، فيما استطاعت الرياض أن تتمم إتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي انتقلت على إثرها، جزيرتي تيران وصنافير إلى المياه الإقليمية السعودية.
تعد سيناء الجزء الأهم و المتغير الرئيسي للسياسة والأمن القومي لمصر، ولطالما سجل التاريخ أن الضغط والعدوان على مصر دومًا ما يمر عبر بوابة سيناء، التي قضت إتفاقية السلام، بأن تضحى إنعكاسًا للقضية الفلسطينية، ولحظات تأزمها والوصول إلى أفضل السيناريوهات لأمن إسرائيل.
وبالرغم من أن القاهرة عرفت العمليات الارهابية منذ عقود، وخبرت التنظيمات المسلحة، منذ أربعينيات القرن الماضي، عندما أسس حسن البنا التنظيم الخاص لجماعة الاخوان المسلمين، إلا أن التمركز الذي بدا في سيناء خلال العقدين الأخيرين، الجماعات المسلحة يأتي بصورة مغايرة لا تتقاطع مع القديم، لكنها تفصح عن الأهداف الإقليمية والدولية في الشرق الاوسط.
في مطلع ديسمبر ٢٠١٧ صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن قادة تنظيم داعش والذين خرجوا من مدينة الرقة، أصبحوا في سيناء، كما أشار أن قادة داعش وكلت لهم مهام جديدة بسيناء، وسنعرف لاحقا ماهية تلك المهام. وعبر ذلك تواجه القاهرة مخاطر العمليات الداعشية من المتسللين، عبر الحدود الليبية لسيناء، فيما لا يمكن النظر إلى ذلك دون الإلتفات إلى تلك التسهيلات اللوجيستية، التي تقدم لهم من الدول الداعمة لنشاطهم إقليميًا ودوليًا.
وفي ظل تعدد العمليات الإرهابية التي طالت شمال سيناء، طيلة السنوات الاخيرة، إلا أننى سأقف أمام عمليتين، نظرًا لدلاتهما في مسار الاحداث؛ الاولى، ضرب الطائرة الروسية فوق سيناء وعلى متنها ٢٢٤ شخصًا، قضوا نحبهم جميعًا، مما أدى بالجانب الروسي إلى تعليق الرحلات مع القاهرة، ووقف تتدفق السياحة الروسية لمصر.
وأذهب بالقول ان تلك العملية تتجاوز تعليق الطيران ووقف السياحة الروسية، بالرغم من أهمية ذلك في دعم الاقتصاد المصري، إلى محاولة خلق أزمة في علاقات القاهرة –موسكو، والتي وصلت في تلك الفترة إلى درجة قريبة وتنسيق وتعاون ملحوظ، حتى قضت المتغيرات الإقليمية والدولية بالعودة مرة أخرى، ووقع بوتين في ساعات قليلة عدة إتفاقيات تبرز التفاهمات المشتركة بينهما في الملفات الاقليمية الملتهبة في الشرق الاوسط.
والعملية الثانية، التي أرى من الضروري الإلتفات إليها من دلالة التوقيت، إقليميًا ودوليًا، وقوة التاثير التي كانت ستصنعها لو قدر لها النجاح، حيث ضرب مطار العريش أثناء زيارة وزير الدفاع، الفريق صدقي صبحي، ووزير الداخلية، اللواء مجدي عبد الغفار.
تتسق أهداف العملية الثانية؛ ضرب مطار العريش في هدم استقرار النظام المصري داخليًا، وإظهاره أمام الرأي العام بعدم قدرته على تأمين سيناء، مما يتيح سيناريوهات عديدة في سيناء عبر زعم توالي العمليات الارهابية و تهديد أمن إسرائيل.
ربما ربط خيوط الإتصال بين العمليات الارهابية في سيناء والدول الداعمة لتلك العمليات إقليميًا ودوليًا، أمر يكشف عن وجود مصالح تبعثها مطامع قوى إقليمية، تسعى نحو مد نفوذها وقيادة المنطقة وإلحاق القاهرة في تبعية لها، وتقليص دورها في المنطقة عبر تفجير وتعميق بؤر التوتر لديها.

Social Links: