المسلم .. بين مطرقة الحياة المدنية وسندان النص الديني !
أينما تجولت في مدن الشتات والمغترب في أوربا وغيرها .. تجد المسلمين والشرق أوسطيين في كل مكان ولو اقتربتَ منهم وحاورتَهم لوَجدتَ أنهم أناس ذوي أحلام بسيطة كسائر البشر .. جل تلك الأحلام تأمين مستلزمات الحياة الكريمة للعائلة .. العمل، بيت ، سيارة ، نزهات، طبابة ، تعليم الخ .. ولو حاورتم أحد الشبان أو الشابات في عمر المراهقة عن الحب لفوجئتم بولعهم بفكرة الحب وشفغهم لخوض غماره … وهم بالجملة ..يجدون أنفسهم محظوظين اذا ما قورنوا بأقربائهم وأقرانهم ممن يزالون في الأوطان الأصلية .. ورغم مرور سنوات طويلة أو عقود من مكوثهم في تلك البلدان والبعض منهم قد ولد هناك وحاز على جنسية الدولة التي دخلتها عائلته لعملٍ أو بلجوء .. ولربما نسي جزءٌ كبيرٌ منهم اللغة العربية .. إلا أن احساساً داخلياً بالغربة وعدم الانتماء لتلك المجتمعات المدنية ، أمرٌ ينهش في داخلهم كل يوم .
هو من ناحية المبدأ انسان مسالم ملتزم بالقوانين سعيد بوجوده في تلك البلاد .. زيارة واحدة إلى مسجد المدينة ، أو قرآءة متدبرة لبعض النصوص القرآنية تجعل هذا الفرد في حالة من الدوخة بين الانتماء إلى القيمْ في تلك النصوص وبين الانتماء إلى مدنية يعيشها ويستفيد منها وتعجبه ويحبها … وفقا للنصوص..
المرأة ذات اللباس الغير محتشم هي حتما عاهرة ، وفقا للنصوص اي علاقة خارج إطار الزواج هي زنا وما ينتج عنها من اولاد هم ابناء زنى ازدائهم وتهميشهم أمر غير مستهجن ، وفقا للنصوص اليهود والنصارى حتما في النار ، وفقا للنصوص المسلم مأمور بالقتال والجهاد وتطبيق حدود الشريعة ، وفقا للنصوص لابد من الاستجابة إلى شرعة الميراث القاضية بأن للذكر مثل حظ الانثيين وإلا لكانت القسمة اعتراض على حدود الله ، وفقا للنصوص المال الوحيد الجائز دفعه هو الزكاة ولا تدفع الا لبيت مال المسلمين فلا ضرائب ولا رسوم في الشرع ، المثليون ملعونون قطعا وهم في احسن الاحوال مرضى يجب معالجتهم ، الدعوة والتبشير للدين واجب .. والقائمة تطول
وعليه يعيش الفرد حياتا هي أقرب لحياة المسخ يمزج فيها بين المنظومتين منظومة الاسلام التي حملها من الموطن الأصلي ومنظومة المدنية في الوطن الجديد فلا هو ينتمي لهذه ولا هو منتمٍ لتلك .
لو عدنا قرنين من الزمن إلى الوراء وقرأنا المجتمع الاوربي ذاته لوجدنا نفس الصراع بنفس مفرداته وادبياته ، بصورة مطابقة لادبيات الاسلام بشكل مخيف ولكنه بصورته الكاثوليكية .. صراعٌ يعيشه الفرد الاوربي بين منظومة مصالحه وأحلامه وطموحاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية وبين مجموعة من النصوص والادبيات والقوانين الدموية والعنصرية واللاعلمية والخانقة التي استنبطتها الكنيسة الكاثوليكية من الكتاب المقدس وفرضت قداستها على الناس والقت بها كمشانق حول رقاب الاوربيين .. وان ما نراه من مدنية حقة اليوم ما هو إلا ثمرة تمرد هذا الفرد الاوربي على تلك النصوص .. التي خاض بتمرده ثورات على رأسها الثورة الفرنسية لتعطيل العمل بها ووضعها في سياقها التاريخي فقط وحد سلطة الكنيسة وحصرها بل ولجمها في مسألة الوعظ والإرشاد والاعمال الخيرية .
ولربما بقي حال المسلمين القاطنين منهم في مجتمعات مدنية والحالمين منهم بقيام مجتمع ودولة مدنية في بلدانهم .. في حيرة وتخبط ومسوخية وتناقض ما لم يحسموا أمرهم اتجاه مجموعة من النصوص الدينية التي لا يمكن بشكل من الأشكال أن يتم تطبيقها وتلقينها للناس وفقا لفهمٍ عمره أكثر من ألف عام وذلك لن يتحقق إلا بوقفات شجاعة من المتنورين المسلمين من جهة ومن الفرد المسلم العادي من جهة أخرى ليقوم بدوره بكسر القيد والبدء في رحلة المدنية الحقيقية … لم تنجح الثورات في بلداننا في إرساء أدبيات المدنية رغم سقوط ملايين الشهداء هنا .. وسقوط رؤوس بعض الأنظمة هناك .. لا لشئ إلا لأنها لم تصطحبها ثورة فكرية ضد المفاهيم القديمة والصدئة للنصوص المقدسة في الاسلام .. فكانت افرازات .. كداعش والنصرة ، والإخوان المسلمين من قبلهم ..وغيرهم .. أمرا لا ينبغي أن يستهجن بل هو نتيجة طبيعية لبقاء تلك النصوص ذات صلاحية بمباركة وخوف الناس من تابوه : النص الالهي .. ولربما قل الحديث حول هذا الأمر لحساسيته اولا .. ولزخم الأحداث والفظائع التي تمر فيها أوطاننا ومجتمعاتنا .. إلا أني أرى أن الوقت قد حان لكي نصرخ بصوتٍ عال ، ونعرض مشكلة المسلمين الجوهرية بتجرد ودون مجاملة .. كخطوة أولى لإيجاد الحل .
أسد القصار
الاحد ١٨/٢/٢٠١٨ – مدينة فرايبورغ , المانيا

Social Links: