قصص مشرفة على الوطن
(في ذكرى رحيل الشيوعي الصالح تاج الدين الموسى)
عبد الرزاق دحنون
1
إذا مات عزيز لديك تتوسل إلى الله أن يطيل عمر معارفه, لم يأت هذا القول مصادفة, لأن ذاكرة المعاصرين, كأنَّما تطيل عمر الإنسان الذي يغادرنا, فالأحياء يحاولون من خلال الذكريات مقاومة الخسارة التي لا تعوض. وخسارتنا كانت فادحة بفقدنا ذلك القاص الشيوعي صاحب الوجدان المفعم بالأمل تاج الدين الموسى من أهل كفر سجنه في الشمال السوري. يصعب التصديق بأن هذا الرفيق الشجاع لم يعد بين ظهرانينا. هل مات حقَّاً؟ الثوريون لا يموتون أبداً, ها هو يعيش بيننا من خلال ما تركه من أرث أدبي وسيرة عطرة فوَّاحة. والشيوعي الصالح كحامل المسك إمَّا أن نبتاع منه وإمَّا أن نجد منه ريحاً طيباً. و ها هي مجموعاته القصصية تنشر عطارها بين أيدي البشر. وها نحن في ذكرى رحيله نحاول من خلال الكلمات صياغة مشاعرنا. فما أروع عالم الكلمات الذي أحبه وأخلص له كاتبنا الراحل.
2
كيف عالج الكلمة والجملة وألَّف منها تلك القصص التي ترسم بدقة قيم أهلنا في عاداتهم وتقاليدهم؟ وكيف استطاع بموهبة فذَّة استعمال الكلمات وصياغتها في تشيد تلك الأبنية الفنية الجميلة؟ ومن أية جزئيات تنتظم الكلمات في جمل وتتحوَّل إلى حكاية حيَّة ملتهبة بالمشاعر كما تلتهب من الحطب ألسنة النار الصغيرة التي تجتمع فيما بينها لتشكل شعلة تضيء دروبنا المظلمة, وتقضّ مضجع الظَّلمة, كيف يحدث ذلك؟ فكَّرتُ في هذا الأسئلة وأنا أُعيد قراءة مجموعات القصصية الخمس التي أصدرها في حياته. وها أنا أسمح لنفسي القول بأنني مطلع جيداً على حياته وأدبه , فأنا استنتج من جديد استناداً إلى ما كتبه, بأن كلماته لا يمكن أن تكون محايدة لأن كاتبها ولد وعاش مع الناس, إذ استقى منهم خبرته الروحية والأخلاقية من خلال أفراحهم وأتراحهم في ماضيهم وحاضرهم وفي أمانيهم المنشودة وأحلامه الضائعة, بل قُل كان يحب عشرة الناس من كلِّ الأجناس. وقد تميّز بخصلتين نادرتين: شيوعية حيَّة وقصَّة فسيحة مشرفة على الوطن.
3
جمع في روحه السامية الأفكار والمشاعر العائدة للكثير من الناس وعكسها في قصصه فنَّاً إبداعياً موفقاً عبر قدرة مميزة على تكثيف اللّغة واحتشادها. وهذا الأمر هو علامة من علامات الوجدان الحي وصدق اللسان في أي نصِّ مكتوب. فنحن نجد في قصَّة الكرسي -على سبيل المثال- من مجموعته القصصيَّة (حارة شرقية وحارة غربية) الصادرة عن منشورات تحاد الكتاب العرب سنة 1996 تلك المعرفة الوثقى بالريف وأهله, وهنا نجده قد وصل بفن القصِّ إلى ذروته, حيث يلتقط اللَّحظة الحميمة في حياة أبطال قصصه, مما منح هذه القصص مزيداً من التنوع الذي يحمل الرمز الواعي والذكاء السردي الحرفي الذي يصقل الملحمة اليومية التي يسطِّرها الإنسان في سعيه نحو الكمال. وحين نقرأ شخصية الأم في قصَّة الكرسي نجد تلك الألفة الريفية الحميمة فهي تقول لأبنائها: بالله لن تتزوجوا غير من بنات أعمامكم. فهمتم. أتأخذون نساء غريبات وبنات عمكم قاعدات في بيوت أهلهن؟ أعمامكم وأولاد أعمامكم سند ظهوركم تبيعونهم من أجل نساء غريبات مستوردات من المدن. من لا يأخذ من ملته يموت بعلته.
4
يمكن القول هنا وبمزيد من اليقين إنَّ الكاتب اتخذ لنفسه درباً لن يحيد عنه وحرص على الاستمرار فيه, حيث ركب الصَّعب والجامح في اختيار وسيلة اتصال راقية هادفة تحقق الوصول إلى المشاركة الإنسانية الوجدانية إزاء أحداث الوطن الذي أحبه. ويبدو النسج في مجموعاته القصصية منسجماً وكاملاً على تنوع ألوانه مما يحقق التأثير الجمالي والمعنوي في النفس الإنسانية, ويحقق استجابة سريعة للمتغيرات التي تقع في الحياة, وتقييمها والقدرة على استشراف واستيعاب كل ما هو جديد وتسليط الأضواء على تلك الجوانب الحياتية التي تشكل وجودنا بكامله على نحو او آخر. نحن أمام كاتب امتلك أدواته الفنية باقتدار رشيد. شيَّد عالماً يخصه لا يقلِّد فيه أحداً. وها نحن أهله وأصدقاءه ومعارفه في جميع أرجاء الوطن نطأطئ رؤوسنا تكريماً لذكرى رحيل هذا القاص الشيوعي الشجاع.

Social Links: