المواطنة الكاملة ضمانة لمتانة الوطن. – احمد قاسم

المواطنة الكاملة ضمانة لمتانة الوطن. – احمد قاسم

المواطنة الكاملة ضمانة لمتانة الوطن.
احمد قاسم

منذ إستقلال سوريا لم يشعر المواطن على أنه يملك وطناً مستقلاً يضمن حريته ويحافظ على كرامته جراء ممارسة حكام تعاقبت على دست الحكم طوال عقود من الزمن.

خلال عقد ونيف من الزمن واكبت سوريا العديد من الإنقلابات العسكرية التي كانت مرتبطة بأجندات خارجية, فما كان للشعب السوري أية إرادة في تلك الإنقلابات, وما كان يهتم أصلاً بتلك الحكومات التي كانت تتغير من خلال تمرد عدد من الضباط القادة الذين لايتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة.

مع إستلام البعث الحكم بطريقة لاتختلف عن طرق الإنقلابات السابقة, حاول البعث أن يخطف الوطن من المواطن ليجعل من البعث وطناً ويفرض على الشعب الإنتماء إليه من خلال طرح شعارات تجاوزت حدود الوطن ويوهم الناس على أن ” الوطن العربي ” وطنه الحقيقي وأن سوريا ليست إلا محطة عبور إلى الوطن ” الكبير” . وبالتالي, فلم يستقر السوري على وطنه وإنتمائه لهذا الوطن لطالما أعتبره محطة للمرور, ولم يفتخر يوماً بإنتمائه لهذا الوطن مع إنتظاره الطويل لليوم الذي يرى فيه أن ” الوطن العربي الكبير ” قد أزيل بين أقطاره الحدود والسفارات والجمارك…..

تاه المواطن السوري بين عواصم العالم العربي التي تتملكها الحكام بغياب قرار من الشعب. صدق السوري من شعارات البعث على أنه سيتمتع بواردات بترول الجزيرة العربية, ويأتي يوماً سيكون صاحب الكلمة الأولى في العالم لطالما أن الوطن العربي يبلغ مساحتها 14 مليون كم2 وثلاثمائة مليون نسمة يمتلك أكبر إحتياطات العالم من الطاقة والمياه والثروات الباطنية التي لايمكن تقدير كمياتها والمناخ وجمال الطبيعة وامتلاكها للقبلتين وأرض الميعاد…. أي سيكون وطناً بقدراته سيحكم العالم يوماً!!؟

بهذه العقلية تثقف السوري من خلال دراسة مناهج البعث طوال عقود من الزمن ليغيب عن الحقيقة والواقعية والمنظومة الحاكمة على منطقته… وبالتالي, لم يرى أنه قد حصل على وطن لطالما كان يحلم به, ولم يرى نفسه على أنه مالك لنفسه لطالما يخضع لثقافة شوهها حزب البعث ليجعل من الوطن مزرعة للإستثمار ومن المواطن رعية كالعبيد… فقد فقد المواطن السوري وطنه وهو مهزوم من داخله إلى واقع ينسِّيه ماضيه الأسود مع البعث, وفقد وطنيته التي كانت بالإمكان أن تُمَكِّنه للدفاع عن هذا الوطن لو كان يشعر بإنتمائه إليه يوماً.

بكل سهولة, ومع إنفجار الشارع في وجه الإستبداد, كانت الهزيمة أقوى من التشبث بالأرض والوطن والدفاع عنه… الملايين من السوريين توجهوا إلى مخيمات اللجوء رامين وراء ظهورهم أنين الوطن وآلام إخوتهم ممن بقيوا أسرى في دائرة معتقلات النظام والإرهابيين معاً.. فضَّلوا الموت في عرض البحار وصعوبة الحياة في مخيمات الشتات على البلد والوطن الذي كان من واجبه أن يدافع عنه ويحرره من الإستبداد. أما من حملوا السلاح تحت ذريعة الدفاع عن الشعب والوطن فتحولوا إلى أجندات لتنفيذ أوامر أسياد من وراء الحدود مقابل التمويل.. عدا عن العشرات من المجموعات الإرهابية المنظمة لدفع البلاد نحو التدمير… الغريب في الأمر, أن تلك المجموعات الإرهابية كانت تجد لنفسها حاضنة شعبية في الكثير من المناطق والإنضمام إليها بالمئات من المواطنين كل لغاية في نفسهم.. ( الأمثلة كثيرة ).

أما البعث, كان يعرف ويدرك جيداً مستوى فهم المواطنين وإرتباطهم بالوطن, كونهم ( الغالبية الكبرى من المواطنين ) تخرجوا من مدرسة البعث التي شوهت كل الحقائق والواقعية الموضوعية لدى خرِّيجيها, وبالتالي, فهو إنتمى إلى المهزومية في المعرفة والإدراك كونه ليس مواطناً بالمعنى الحقيقي للوطنية.. وبالتالي, يبقى الوطن عارياً عن من يغطيه بأغطية تحميه من الضياع والإنهيار.

تُرِكَ الوطن سائباً لمن رأى فيه ضالته من الدول والمنظمات الإرهابية ليمتلكوا وطناً لطالما أن مواطنيه مهزومين.. فكثر من أمراء الحرب وتجارها.. فالأكثر وطنيةً من معارضي النظام من السياسيين أصبحوا تجاراً على أبواب القنصليات ليبيعوا أجزاءً من وطنهم, والنظام تبين على أنه فاقداً في الأساس تلك الروح الوطنية, فترك السيادة لمن يدافع عنه وليس عن الوطن حتى وإن كلف ذلك وضع البلاد تحت الإحتلال والإنتداب مع عجز للمجتمع الدولي, الذي أدرك بدوره أيضاً أن سوريا تفتقد معناها الوطني لدوى مواطنيها, وبالتالي, تفتقد تلك القوى التي تمكِّنها على البقاء في ظل هذه التراجيديا المأساوية التي لم تراها أي شعب في العالم.

لذلك, أرى من الطبيعي جداً كل الأحداث والكوارث والمأساة في وطن وُلِدَ مهزوماً, ولم يرى طريقه إلى أن يكون متيناً بمواطنيه الذين يجب أن يكون حصناً منيعاً لأي إنهيار وأية كارثة وأية أزمة وأية حروب.

سوريا اليوم مجزأة إلى مناطق نفوذ دولية والسوريون حرَّاسُها, تتصارع الدول على الأرض السورية لتحقيق مصالحها, والسوريون يتقاتلون بالنيابة عنهم لقاء أجور قذرة.. والنظام يكفيه قصر الفيحاء ليتربع فيه, وهو يعيش في حلمه على أنه ” الرئيس “…

سوريا انتهت, وهي لم تبقى دولة ذات سيادة لطالما أنها تحت الإحتلال, والرئيس فيها أسير لمن يدافع عن بقائه.. والمعارضة سقطت منذ ولادتها.. والشعب مهزوم, لكننا ننتظر ولادة جديدة من صلب الغرباء كما ولدت من صلب (سايكس ـ بيكو).

  • Social Links:

Leave a Reply