طَرَحَت مسيرات العودة في فلسطين، وفعالياتها المُتوقع لها أن تَستَمِرَ وصولاً للذكرى السبعين للنكبة أواسط أيار(مايو) المقبل، مسألة النضال السلمي الشعبي، كشكلٍ من أشكال الكفاح الوطني، كعمل فعّال لا يجوز التقليل من شأنه وأهميته أو الاستهتار به. فهو عمل يستطيع أن يرسم خطواته على الأرض، وأن يترك آثاره القوية في مواجهة الاحتلال على المديات الطويلة، وتتم من خلاله مشاركة أوسع لكل إطارات الشعب في مواجهة الاحتلال، وقد مارسته شعوب العالم في بلدانٍ كثيرة كانت واقعة تحت نير المُستعمرين، ولجأت اليه كخيارٍ مُفضّل نظراً للاختلال الهائل في ميزان القوى العسكرية حال اتجهت للكفاح المسلح وحده دون غيره من أنماط وأساليب الكفاح الوطني. حدث هذا في جنوب افريقيا، حيث كافح وناضل أبناء الأكثرية السوداء من المواطنين الأصليين أبناء البلد تحت قيادة حزب المؤتمر الإفريقي بشكلٍ سلمي ولأكثر من 99 عاماً، الى حين توّج كفاحهم بالانتصار، وانهيار نظام الأقلية ونظام الأبارتهايد.
إن خبرات كثيرة صنعتها العديد من شعوب العالم في مسارات كفاحها السلمي الديموقراطي المتعدد الأشكال والأنماط من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، بما في ذلك الخبرات التي اكتسبها الفلسطينيون أنفسهم، حيث عليهم الاستفادة منها، وألا يبخسوا هذا الشكل وهذا النمط الكفاحي. ففي التجربة الفلسطينية، خاض الشعب الفلسطيني كل ميادين النضال والكفاح المشروعة، منذ ماقبل النكبة، فاختار في كل مرحلة الأسلوب والنمط الكفاحي الأجدى والأفعل حسب الظروف والمعطيات. هذا ماحصل في الانتفاضة الأولى التي تم فيها التركيز على العمل الشعبي السلمي الواسع، وأشكال العمل الانتفاضي بالحجارة وغيرها، ونجحت الانتفاضة الكبرى الأولى في إعادة حضور القضية الفلسطينية على أجندة المجتمع الدولي. وفي إحراج دولة الاحتلال، ووضعها أمام حيرة في التعامل مع الفلسطينيين، فهي غير قادرة على خوض حرب كلية تجاه المدنيين، وغير قادرة على الصمت. وهنا يُمكن القول أن مسيرات غزة الأخيرة نجحت في إرسال رسائل قوية للاحتلال، وللعالم بأسره، ومفادها أن الانفجار الهائل مقبل حال استمرت الأوضاع على ماهي عليه في القطاع وفلسطين، من حصار واستيطان واحتلال وقتل… الخ.
مسيرات العودة بالقرب من الشريط الفاصل بين فلسطين المحتلة عام 1948 والقطاع، فعل كفاحي، يجب تنظيمه وتأطيره، لتجنب وقوع خسائر بشرية، وحتى تصبح تلك المسيرات بعد تعميمها نقطة تحوّل في مسار العمل الكفاحي الفلسطيني في ظل صعوبة إشعال الكفاح المسلح بشكلٍ واسع كخيارٍ اساسي. فالنضال السلمي الفلسطيني حال توافرت الحواضن العربية والإسلامية الداعمة للانتفاضة، ربما سيكون عنوان المرحلة المقبلة، بعد فشل عملية التسوية المأزومةِ أصلاً، وهذا سيرهق دولة الاحتلال ويستنزفها، لأنها ستدان أمام العالم لاستخدامها القوة المفرطة أمام المدنيين العُزل.
وعليه، إنَّ مسيرات العودة تعتبر شكلاً من أشكال المقاومة، وقد أرسلت إلى الديبلوماسية الدولية رسالة قوية تفيد بأنه لن يتخل الفلسطينيون عن حق عودتهم إلى أراضيهم التي هجرتهم منها إسرائيل عام 1948 في كل أنحاء فلسطين التاريخية، فضلاً عن الأراضي المحتلة في عام 1967، وأن الفلسطينيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام مشاريع التصفية التي تستهدف قضيتهم، وأبرزها صفقة القرن، والقرارات الأميركية المناصرة للصهيونية.
وهنا، نُشير، إلى أن فعاليات العمل الشعبي الكفاحي المناهض للاحتلال في فلسطين تترافق مع تطور حملة مقاطعة الاحتلال، وهي الحملة التي تعد في جوهرها شكلاً من أشكال المقاومة، بطابعها السلمي الحضاري الطويل النفس، ويُمكن لها أن تحشد المزيد من الأصدقاء على امتداد العالم بأسره لمؤازرة القضية الفلسطينية.
المهم في الأمر أن هذا النمط الكفاحي من الأعمال الوطنية لا بد أن يعطي أكُلَهُ ونتائجه المثمرة ولو بعد حين، فهو عمل سلمي ديموقراطي وحضاري بامتياز، يتقبله الرأي العام على امتداد المعمورة، ولا يستطيع أحد أن يطعن به أو أن يطعن بصدقية ودوافع أصحابه وحملة رايته، أو أن يتهم أصحابه بـ «الإرهاب».
إن تلك المؤشرات تحمل دلالاتها القوية بأن هذا الميدان من العمل الكفاحي الشعبي في مواجهة الاحتلال ككرة ثلج تتعاظم ولو ببطء مع كل إنجاز جزئي، فهي فعل تراكمي وتضامني وتشاركي، ورافعة من روافع المقاومة المتعددة الأنماط بيد الشعب الفلسطيني في ظل الاختلال الهائل في موازين القوى العسكرية على الأرض لصالح الاحتلال.

Social Links: