سوريا جسر العبور للشرق الحديث – د. سميرة مبيض

سوريا جسر العبور للشرق الحديث – د. سميرة مبيض

: سوريا جسر العبور للشرق الحديث

د. سميرة مبيض

تظهر التحولات القادمة على الشرق الأوسط جارفة، وهي وان كانت مطلباً دولياً متعلقاً بضرورة انتهاء حقبة وبدء أخرى جديدة أكثر حداثة، ربما، في هذا الجزء الحيوي من العالم، ووفق معطيات عديدة أدت لإطلاق هذه الديناميكية المتسارعة بما يتوافق مع الأطر المتاحة لشعوب هذه المنطقة، لكنها كانت كارثية النتائج الى هذا الحين، ولا يمكننا القول الا أن طرقاً أخرى أقل دموية و أكثر وعياً و أبعد نظراً كانت ستؤدي لعبور المنطقة نحو الحداثة لكن الواقع المتردي اليوم يطرح التساؤل الجدي حول المستقبل.

وربما تشكل سوريا سلسلة مرئية لتغير النموذج الاجتماعي/ الجغرافي في هذه المنطقة، وقد تكون الدرجة الصفر هي ما قام به نظام الأسد، من تكسير الروابط الاجتماعية بين فئات المجتمع ومكوناته و إحلال الشك بدل الثقة و التنافس بدل التضامن، و تمييز فئات المجتمع على أساس طائفي و خلق الكره و الريبة بين صفوفهم. وبالإضافة الى ذراعه الأمني كان ذراعه الديني المتطرف شديد الفاعلية أيضاً في تخريب العقول والنفوس.

أما في خضام الحراك الشعبي الأول، آذار لعام ألفين و أحد عشر، فقد انطلقت الأصوات بصرخة واحدة، حرية، لكن كان لا بد من اتاحة الزمن و اتاحة الخيارات لفرز الاصطفافات الأولى وكشف الغطاء عن تجليات شعب بقي خمسين عاماً تحت تأثير و همينة الأسد.

وبما  أن الاصطفاف لا يحصل دون وجود أقطاب جاذبة، فكان أن ظهرت الأقطاب مزودة بالمال والسلطة على مختلف الصعد الأيديولوجية فكانت اصطفافات المرحلة الأولى، منها المسلحة وراء أقطاب من أمراء حرب وقادة دينيين تتدرج على سلم الايديولوجية الدينية و منها أقطاب مسلحة مرتبطة بالولاء المطلق لشخص الأسد بما يمثله من رمزية وسلطوية متطرفة، و منها أقطاب ميليشيات علمانية و مجموعات مسلحة على خلفيات قومية كلاهما على تدرج الطيف أيضاً.

 أقطاب أخرى مزودة بالمال والسلطة ظهرت على الصعد الفكرية أيضاً، شاملة الطيف الأيديولوجي كاملاً من أقصى اليسار الى أقصى اليمين تجمع وراءها اصطفافات فكرية وفرز فاعل ومستمر، في نفس السياق ظهرت أقطاب المجتمع المدني مزودة بالمال والسلطة هي الأخرى لفرز الاصطفافات ضمن عمليات التعليم والتنمية المجتمعية.

خمس سنوات تقريباً تُركت بها الاصطفافات تتشكل وتفَّند الاتجاهات الأيديولوجية لمعظم السوريين و ظهرت شروخات المجتمع واضحة دون تجميل، و بدأ انقسام المجتمع بعد أن خًلَقت الاستقطابات كتل متجانسة.

بدءاً من مجتمع سماه الأسد بأنه لا متجانس مستخدماً مصطلح اللاتجانس  متقصداً به التنافر أي الاختلاف بمعناه السلبي ذو الأثر المتضارب و غير القابل للتوافق بين الأطراف، بينما كان المجتمع السوري، قبل الأسد، يوصفُ بالتنوع و هو الاختلاف بمعناه الإيجابي  وظيفياً بين أطراف قادرة على التفاعل فيما بينها بما يعطي قيمة مضافة لكل منها. أما التجانس هنا و الذي طلبه و سعى له الأسد مؤخراً يأتي بمعنى التشابه القسري المطلق بعيداً عن أي تجاذب و تبادل.

ويكمن التحدي اليوم في أن يكون النظام قد نجح بتحويل المجتمع، من متنوع الى لامتجانس خلال العقود الخمسة الماضية و أن يكون قد نجح بعد ذلك في خلق مجتمعات ضيقة متجانسة عبر عملية الاستقطاب في ظروف شديدة القسوة على جميع المكونات و لمدة سبع سنوات الى أن تأخذ مرحلة تشكلها الأخيرة عبر التهجير القسري و التغيير الديمغرافي.

لكن هذه التكتلات الجديدة المتشكلة تبدو أداة لصراع أوسع على المقياس المكاني و الزماني فلا يبدو أن الأمر سيقف عند هذا الحد من الاصطفافات والقادم سيتجاوز حدود سوريا وسيتجاوز مسألة وجود الأسد من عدمه، فقد يظهر الاستقطاب المستقبلي على محاور عالمية سيراً بالشرق الأوسط نحو شكله الجديد، الأول هو محور الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في العالم الغربي و من دول المنطقة و بعض من دول الخليج و المحور الثاني و هو المحور الإيراني وحلفاء ايران من دول المنطقة ومنهم مناطق الأسد في سوريا ومناطق حزب الله في لبنان و ربما ينضم له كلاً من تركيا وقطر ليس بحكم توافق أيديولوجي بين دول هذا المحور بل بحكم الاصطفاف الحتمي بوجه المحور المقابل، و محور ثالث يضم روسيا و دولا من الشرق الأقصى ليشكل ثقلاً متغيراً على المحاور المتصارعة بحسب احتياجات و مصالح كل مرحلة.

قد لا يذهب أي من المحاور الخارجية نحو الوقوف في صف فئة شرق أوسطية ضد الأخرى، من قوميات وأديان ومذاهب.  بل هو دفع نحو الوصول لمرحلة المُستقر في مسار الشرق الأوسط بشكله الجديد بحيث تجد فيه الصراعات حلولاً ضمن منظومة أكبر، وتحلُّ فيه كُتل صماء غير وظيفية وتُفتح فيه آفاق جديدة على مدى العقود القادمة وهي عقود محكومة بالصراع على الموارد و المياه و الطاقة.  تبقى المخاوف على سوريا الواقعة في مركز التغيير هنا على الصعيد الجغرافي وعلى صعيد المكونات الاجتماعية و هي  التي دفع أبناؤها الثمن الأكبر من دمار و تهجير و المسؤولية الأهم التي تقع على عاتق المعنيين بالشأن السوري هي إيجاد مكان للسوريين و دور لمصلحتهم في مستقبل المنطقة و هم المُشَّكلين من جميع مكوناتها دون استثناء و لهم كل الحق و الأهلية ليكونوا جزءاً ايجابياً من ديناميكية التغيير الشرق أوسطي و تكون سوريا جسراً و ليس أنقاضاً للعبور نحوه مع استبعاد أي نظام استبدادي قمعي من على كاهلها في أي خطوة قادمة خصيصاً ان سعت نحو الحداثة و التطور كما يُفترض به الحال.

  • Social Links:

Leave a Reply