سؤال الحرية بعد سبع سنوات على الثورة

ماهر مسعود*
ليست هناك حرية مجردة أو متعالية عن التاريخ والواقع سوى في خيال الشعراء، ما يوجد هو حرية محددة ضمن فضاء معين، زمان ومكان وتاريخ، وشروط سياسية واقتصادية واجتماعية معينة. في هذا المقال، سأتناول نوعين للحرية، واقعيين وتاريخيين، بما يحملانه من ممكنات تنبجس من قلب هذا الواقع وهذا التاريخ، هنا والآن، أي ضمن الشروط التاريخية للراهن والمُعاش بعد سبع سنوات على خروج السوريين الكبير طلباً للحرية.
النوع الأول؛ هو الحرية الفردية، أي حرية الأفراد في اختيار ما يناسبهم أو ما يجدونه أمامهم من ممكنات، ورغبتهم أو اضطرارهم على اختيار نمط معين من الحياة، اللباس، التفكير والعمل. ويتحمل الأفراد بوصفهم أفراداً ضمن هذا المعنى مسؤولية اختياراتهم، سواء كانت خيارات شاقة وخطرة ومُغامِرة أو خيارات مريحة ونكوصية وبلا متاعب أو مواجهة. كما تختلف أشكال الحرية الفردية بهذا المعنى بمثل اختلاف الأفراد أنفسهم، بحيث إن لكل شخص تفضيلاته وتركيبته النفسية وميوله واتجاهاته، بما يجعل الحرية الفردية عبارة عن حرّيات لا نهائية، متعددة بتعدد الأفراد أنفسهم واختلافاتهم ضمن المجتمع أو الأسرة أو الدولة أو الدين أو البيئة الواحدة.
النوع الثاني؛ وهو الأهم بالنسبة لغرض هذا المقال، هو الحرية السياسية؛ وخلفها تصطفّ وترتبط بالتبعية كل من الحرية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ارتبطت الحرية السياسية على الدوام بالشروط التاريخية للعصر الذي يعيش ضمن حدوده وزمنه البشر، وهي اليوم مرتبطة بأنماط محددة وموجودة في التاريخ الراهن وبشكل أفقي. وهذا معناه أن الحرية السياسية موجودة في أنماط سياسية قائمة ومرئية وليس في الخيال. وإن أردنا استخدام الصيغة الماركسية للتعبير نقول: إنها موجودة في تشكيلات اجتماعية اقتصادية سياسية راهنة تطرح نمطها وتفرضه قياساً بقوتها وانتشارها، وعليه فهي ليست حريات خارجة عن التاريخ والسياسة ومعطياتهما الراهنة.
المعطيات القائمة للحرية السياسية لها عدة نماذج كبرى لا يمكن الخروج منها ولا عليها:
1- النمط الغربي، وعلى رأسه وفوقه أمريكا، باقتصادها الرأسمالي )الليبرالي والنيو ليبرالي(، ونظامها السياسي الديمقراطي، فالديمقراطية هي الوليد الشرعي للنظام الرأسمالي (حتى لو لم يُعجَب اليسار بهذه الحقيقة المرّة). وهذا النمط هو الصانع لجميع أشكال الديمقراطية المعاصرة بكل مساوئها وأفضالها.
وعلى الرغم من التخبط والتراجع في النمط الديمقراطي في الوقت الراهن، إلا أنه ليس هناك أي مرجع أو نظام سياسي، حقوقي أو قانوني يمكن أي يحمي حرية المجتمعات في أي مكان على هذا الأرض، خارج إطار النظام الديمقراطي، إذ لم تنتج الشيوعية ولا الفاشية ولا النازية ولا القومية ولا الإسلامية سوى الاستبداد والاستعباد الفردي والجماعي. وما زال يصح في هذا المقام قول تشرشل: الديمقراطية هي أسوأ نظام حكم باستثناء كل الأنظمة الأخرى.
2- النمط الروسي، وهو الوريث الشرعي للنظام السوفياتي، والأب الشرعي لجميع الأنظمة القومية والاشتراكية والعلمانية العربية، من عبد الناصر إلى بشار الأسد. وهو النمط القائم على معاداة الديمقراطية جوهرياً، والمستند إلى ديكتاتورية الحزب الواحد أو “ديكتاتورية البروليتاريا” والعمال والفلاحين والجبهات الشعبية…إلخ. هذه بالمجمل هي تنغيمات على لحن الفاشية والنازية والستالينية وغيرها من المستحاثات التي تحاول البزوغ من جديد بعد أن خسرت معاركها على طول القرن الماضي.
3- النمط الإسلامي: وقد سقط هذا النمط منذ نهاية الإمبراطورية الإسلامية وسقوط الخلافة عام 1923، لكنه عاد لمحاولة الظهور بداية مع ثورة الخميني في إيران، التي اقترحت نفسها كأيديولوجيا سياسية بديلة عن الإيديولوجيات اليسارية والقومية والعلمانية الساقطة منذ حرب الـ67. ثم كانت المحاولة الثانية بعد ثورات الربيع العربي التي تنافس فيها المحور البراغماتي “الإخواني” الممتد من تونس ومصر إلى تركيا مروراً بقطر وبعض والفصائل المقاتلة في سوريا، مع النمط الجذري الممثَّل أصلاً بالقاعدة وتفريعاتها الداعشية وأصولها الوهابية السعودية والقطبية المصرية.
وعلى اعتبار نمط الحرية السياسية المطروح إسلامياً، بجميع أشكاله وتنويعاته السنية والشيعية، البراغماتية والراديكالية.. إلخ، هو نمط مُفوَّت تاريخياً ولا يملك أدوات معاصرة خاصة به أو مستقلة لا على الصعيد الاقتصادي ولا السياسي ولا الثقافي، فلا يمكن أن يسمح اعتماده في مشروع الثورة السورية بتحصيل الحرية السياسية بأي شكل من الأشكال، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن الديكتاتورية العسكرية الحاكمة، التي لم ولن تقدم أي مشروع بديل لا في سوريا ولا في مصر ولا غيرهما، خارج إطار الفاشية المافيوية الروسية كإطار عام لها. كما أن المشروع الإسلامي ليس معانداً فقط لقوة التاريخ الرأسمالي العالمي الذي تقوده أمريكا والغرب عموماً وتستثمره الصين على طريقتها، بل هو معاند أيضاً لحركات شعوب المنطقة التي ابتدأها الربيع العربي بأهداف واضحة هي الديمقراطية والحرية والكرامة، ولا مجال لإيقافها حتى لو استمرت الحرب مائة عام أخرى.
في سوريا اليوم، تتنافس هذه المشاريع مُمثلة للأنماط التاريخية الكبرى للحرية التي تحدثنا عنها أعلاه. فلدينا الأمريكان (الذين يتزعمون قوى التحالف الغربي)، والروس وتركيا وإيران والنظام والفصائل الإسلامية، جميعهم على الأرض السورية، ولا خيارات للتحرر في سوريا من دون التحالف مع أحد هؤلاء الممثلين لأنماط “الحرية؛ الموجودة في عالم اليوم. التحرر بقوانا الذاتية غير ممكن على الإطلاق، كان ممكناً في السنتين الأولى والثانية من الثورة، أما بعد إعلان النظام للحرب على الشعب واستجلاب الغزاة لحمايته وتخاذل المجتمع الدولي في التدخل لحماية المدنيين، فقد بات ذلك مستحيلاً، لا سيما أن المجتمع المدني والسياسي السوري في الداخل بلا صوت، ومشتت ولا يمكن تنظيمه في الخارج، ومن بقي ليحارب النظام في الداخل تحول إلى مرآة له إن كان في التبعية أو الوحشية (بعيداً عن النوايا الطيبة والمخلصة للكثير من المقاتلين المدافعين عن أرضهم)، فالفصائل المقاتلة لن تجلب أي حرية للسوريين لا اليوم ولا بعد ألف سنة.
الاستقلال المطلق مستحيل، خاصة في بلد مكشوف مثل سوريا بعد سبع سنوات على الحرب المدمرة. وكل عزف رومانسي على ألحان الاستقلال التام، ليس سوى تلاعباً بحياة السوريين وإمعاناً في الهزيمة الشاملة للبلد وأهلها.
لقد أراد السوريون من ثورتهم الحرية لجميع السوريين، أي تشكيل نظام سياسي تمثيلي وشرعي، يمثل جميع السوريين عرباً وأكراد، أقليات وأكثرية، أدياناً وطوائف. وبالطبع اتجهت رغبة السوريين نحو تمثيل جميع تلك البنى الأهلية مدنياً وسياسياً، لا نقلها كما هي إلى حيز السياسة عبر المحاصصة. لكن طبيعة النظام الحربية لم تُفتت المجتمع فحسب، بل أجبرته على إفراز نماذج للحرية شبيهة به، مع أنها متناقضة معه بالمرجعيات، فخرج لدينا المشروع الإسلامي ممثلاً بجميع الفصائل الإسلامية، من داعش وصولاً إلى جيش الإسلام، والمشروع القومي الكردي المافوق وطني والمعزول عن الوطنية السورية، ومشاريع الميليشيات المحلية الصغيرة المادون وطنية. وبعيداً عن الشرعية الحربية لجميع هذه المشاريع الصغيرة والكبيرة، لا يوجد تمثيل شرعي لأي منها مهما كثر الكلام عن الحواضن الأقلوية والأكثروية لسلطات الأمر الواقع تلك، كما أن جميع تلك المشاريع على اختلافها وتلويناتها، هي مشاريع حصرية لا تشبه سوى النظام بحصريته وشرعيته الحربية القائمة على السيطرة المطلقة على الداخل وتقديم الخدمات الوظيفية للخارج.
المغزى من هذا الكلام، هو أنه ليس هناك أي أفق سياسي لأي وطنية سورية تمثل جميع السوريين، سوى بالانخراط ضمن مشروع الحرية والديمقراطية العام والواسع وبناء التحالفات على هذا الأساس، بعيداً عن المشروع الإسلامي “الإقليمي” ممثلاً بإيران وتركيا والسعودية وقطر، أو “العالمي” ممثلاً بالقاعدة وداعش، وبعيداً عن مشروع التوتاليتارية الروسية الذي يعد أقصى طموحه إبقاء بشار في الحكم وتحويله إلى “قاديروف” السوري.
*كاتب سوري

Social Links: